قطر تطلب الشيء ونقيضه.. كيف يُعقّد ذلك أزمتها؟

قطر تطلب الشيء ونقيضه.. كيف يُعقّد ذلك أزمتها؟

مشاهدة

13/07/2020

لطالما قيل، في وصف الحسابات السياسية الخاطئة لدولة قطر حيال الجوار الخليجي، إنّ "مكمن المشكلة هو أنّ ألدّ أعداء قطر هي قطر". قد يرى البعض مبالغة في هذا التوصيف، لكنّ المراقب لمجريات أزمة قطر مع جيرانها الخليجيين منذ العام 2017، على الأقل، يلحظ بكل وضوح مدى ابتهاج طهران بسياسات الدوحة البعيدة عن الصف الخليجي. وللمرء أن يتساءل كيف تطلب الحكومة القطرية الشيء ونقيضه: تريد احتضان الخليجيين لها فيما هي تحتضن خصوم الخليج وأعداءه وأكثر من يَضرّ بالأمن والسيادة في العالم العربي، والمقصود هنا بالطبع: إيران وتركيا والميليشيات المتحالفة معهما. لعلّ هذا ما عناه وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش حين قال في الذكرى الثالثة على أزمة قطر الشهر الماضي: "لا أرى أنّ أزمة قطر في ذكراها الثالثة تستحق التعليق، افترقت المسارات وتغيّر الخليج ولا يمكن أن يعود إلى ما كان عليه". وأضاف أنّ "أسباب الأزمة معروفة، والحلّ كذلك معروف وسيأتي في أوانه. ولعل النصيحة الأفضل هي تجاهل وتجاوز التصعيد والعمل للمستقبل".

المراقب لمجريات أزمة قطر مع جيرانها الخليجيين منذ 2017، على الأقل، يلحظ بوضوح ابتهاج طهران بسياسات الدوحة البعيدة عن الصف الخليجي

في منتدى الدوحة العام الماضي، وكذلك في مقابلته مع "سي إن إن" أوضح وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أنّ "بلاده لن تتخلى عن تركيا وإيران". ولتأكيد هذا النهج القطري ساندت الدوحة الغزو التركي لشمال شرق سوريا، وإرسال تركيا لمرتزقة من فصائل سورية مختلفة إلى ليبيا.

وفي تقدير الدول الرباعية التي قاطعت قطر أنّ الأخيرة "أصبحت مرتهنة في قرارها السياسي لمجموعة من الاعتبارات الأمنية والاقتصادية"، وفي هذا يؤكد الوزير قرقاش أنّه "لا حل لأزمة الدوحة بالأساليب التقليدية"، والسبب في رأيه أنّه "من الواضح أنّ الدوحة لم تتمكن من فك أزمتها بل عمقتها نتيجة لسياسة سلبية بحثت عن المواجهات، (وهو) توجه تنقصه الحكمة وجاءت تداعياته سلبية عليها. دور الدوحة الفاعل تضرر نتيجة للمقاطعة وحلت المظلومية محله".

الجبير: الدوحة تعرف مكمن المشكلة

وكان وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، عادل الجبير، قد كرر سابقاً، بحسب ما ذكرت "بي بي سي"، أنّ النظام القطري يعرف ما عليه فعله، وأين تكمن المشكلة، وعليه اتخاذ الخطوات اللازمة لتخطي أزمته.

اقرأ أيضاً: قطر تصدم مئات المغاربة في سلك الشرطة بقرار تخفيض الرواتب

ولأي مراقب أن يتساءل: هل مواقف وسياسات قطر تجاه تركيا وإيران، في الأعوام الأخيرة، تنطوي بالفعل على تعزيز للسيادة القطرية، أم أنها بابتعادها عن الحضن الخليجي تكون قد خضعت لإكراهات وشروط القوى غير العربية في الإقليم؟ وحين نريد استنطاق موقف الرباعي المقاطع لقطر يتبدى أنّه ينطلق في حيثيات مقاطعته من فكرة أنّ "السيادة التي طالما تشدقت بها الدوحة كانت الضحية الأكبر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فأصبحت قطر مرتهنة في قرارها السياسي لمجموعة من الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، وأصبح ترديدها شعارَ مرحلةِ انقطاعها عن محيطها"، بحسب الوزير قرقاش، الذي أردف يقول: الأزمة "كشفت ضعف الدوحة مقارنة بين واقعها وطموحها".

تحريف الحقائق والارتهان

وبعد القرارات الصادرة العام الماضي عن القمتين؛ العربية والخليجية في الرياض التي شاركت فيها الدوحة، دان وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير "إنّ قطر تتحفظ اليوم على بيانين يرفضان التدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة، وبيان القمة العربية أكد مركزية القضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية".

وأوضح الوزير السعودي، أنّ "الدول التي تملك قرارها عندما تشارك في المؤتمرات والاجتماعات تعلن مواقفها وتحفظاتها في إطار الاجتماعات ووفق الأعراف المتبعة، وليس بعد انتهاء الاجتماعات". وأردف الجبير، أنّ "الجميع يعلم بأنّ تحريف قطر للحقائق ليس مستغرباً". والمعنى ذاته قاله وزير الخارجية البحريني، الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة الذي أكد أنّ الدوحة "أصبحت مرتهنة وتستنجد بالوسطاء".

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي: الجزيرة القطرية تدعم إيران والتطرف

وكان وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قال الشهر الماضي إنّ "ملفات الرباعي العربي (مصر والسعودية والبحرين والإمارات) كبيرة وليست قاصرة على قطر فقط، وإنما في جميع القضايا التي تمس الأمن العربي كافة"، وأضاف أنّ موقف الرباعي" ثابت ولم يتغير فيما يتعلق بالقضية القطرية"، كما نقلت عنه "سبوتنيك" الروسية.

ابتهاج طهران

ومن يتابع الإعلام الإيراني يجده أكثر المبتهجين بتهجمات قطر على السعودية والبحرين والإمارات، ولا غروَ أن يكون العنوان المفضل لقناة "العالم" الإيرانية بعد كل حملة قطرية معادية لدول الخليج هو: ردٌّ ناري لقطر على السعودية..أو الإمارات..أو مصر..إلخ.

إنّ حسابات الربح والخسارة تكشف عن أنّ الأعوام الثلاثة الماضية أضعفت دور دولة قطر في المنطقة، وبدا الحليف التركي عبئاً على الدوحة، وهو الأمر الذي تجلى في اتفاق المصرفين المركزيين التركي والقطري على رفع حجم المبادلة بينهما بعملة البلدين الى خمسة عشر مليار دولار، وسط حاجة تركيا الملحّة الى سيولة من أجل توفير نوع من الاستقرار النقدي في البلاد، بحسب "راديو مونت كارلو".

استغلال تركيا

وقد تفطنت حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ بداية الأزمة مع قطر في حزيران (يونيو) 2017 إلى أنها تشكل فرصةً اقتصادية مهمة، فقد صرّح حينها وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي قبل سفره إلى قطر في 17 حزيران (يونيو) 2017 بوضوح أن الوضع يشكل "فرصة" لتركيا؛ إذ بدأت تركيا تصدّر إلى الدوحة بضائع لم يسبق لها أن صدرتها إليها، وهذا يوسّع سوق الصادرات التركية، وأكد الوزير التركي أنّ هذه الأزمة ستساعد تركيا على تحقيق نمو أكبر.

وترى الدول الأربع المقاطعة لقطر أنّ الأخيرة بدخولها المعلن على خط الملفين؛ الليبي واليمني، إضافة إلى افتتاح المقر المشترك لقيادة القوات المسلحة المشتركة بين قطر وتركيا في قطر.. إنما تبعث رسالة قطرية بأنّ الدوحة ليست في وارد الاستجابة لمطالب الدول الأربع وتصويب سياساتها والعودة إلى الصف الخليجي والعربي.

المراجعة الواجبة

وفي رسالة إلى أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قال الوزير قرقاش إنّ "العقل والمنطق يفرض على الشيخ تميم مراجعة صريحة وتبني توجه جديد ينهي أزمة بلاده ويعيدها إلى محيطها الخليجي والعربي".

أوضح وزير الخارجية القطري أنّ "بلاده لن تتخلى عن تركيا وإيران" ولتأكيد ذلك ساندت الدوحة الغزو التركي لشمال شرق سوريا

مواقف الدول المقاطعة لقطر واضحة، وهي تقول ما ينبغي لقطر فعله، وملخصه ألا تكون الدوحة مِعوَلاً لهدم الأمن والاستقرار في دول الخليج، وألا تكون حليفاً لمن يريد مدّ هيمنته على البلدان العربية: إيران وتركيا والجماعات المتشددة المتحالفة معهما. الموقف شفاف، وهو ما قصده وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية بقوله "موقفنا تجاه أزمة قطر شفاف وواضح وضوح الشمس، فنحن طرف ضمن موقف رباعي موحد اضطر إلى اتخاذ إجراءات رادعة تمنع الضرر عن الدول الأربع وتحمي أمنها. وفي هذا السياق نثق ثقة مطلقة في حكمة المملكة العربية السعودية الشقيقة وحزمها في إدارة هذه الأزمة بما يحقق المصلحة المشتركة".


الصفحة الرئيسية