قصائدُ الحُبِّ عندَ جون دِن

قصائدُ الحُبِّ عندَ جون دِن

قصائدُ الحُبِّ عندَ جون دِن


13/08/2026

ترجمة/ عبّود الجابري

تُقدِّمُ لنا أغاني وسونيتاتُ الشاعرِ جون دِن، نظرةً متعدِّدةَ الأبعادِ إلى الحُبِّ، حيثُ تبدو أعمالُه كأنَّها رحلةٌ استكشافيَّةٌ في محاولتِهِ فَهْمَ تجربتِهِ الخاصَّةِ مع الحُبِّ ومعرفتَها من خلالِ الشِّعر. فالحُبُّ عندَ دِن قد يكونُ تجربةً جسديَّةً أو روحيَّةً أو مزيجًا من الاثنَيْن، ويتراوحُ بين النَّشوةِ العميقةِ واليأسِ المُدمِّر. فكلُّ قصيدةٍ على حِدَةٍ تُقدِّمُ رؤًى معيَّنةً ومحدودةً حولَ موقفِهِ من الحُبِّ، ولكنْ عندَ الجمعِ بين جميعِ أعمالِهِ، تظهرُ صورةٌ أكثرُ شمولًا وتعقيدًا تُساعدُنا على فَهْمٍ أعمقَ لمفهومِ الحُبِّ، على سبيلِ المثالِ، في قصيدتِهِ "إلى عشيقتي ذاهبةً إلى الفراش"، يُظهرُ كيف يُمجِّدُ دِن المتعةَ الحسيَّةَ، ما يُضيفُ بُعدًا آخرَ لمجملِ تجربةِ الحُبِّ التي استكشفَها في أعمالِهِ. هنا يُخاطبُ المرأةَ ببراعةٍ وحنكةٍ، مُظهرًا تقديرَهُ للجمالِ اللَّحظيِّ وتجربةِ العشقِ الحسيِّ:

"يا أمريكا، يا أرضي المكتشفةَ حديثًا،
يا مملكتي، الأكثرَ أمانًا تحتَ رعايةِ رجلٍ واحدٍ،
يا منجمي للأحجارِ الكريمةِ، يا إمبراطوريتي".

حيثُ تُسلِّطُ هذه القصيدةُ الضوءَ على الثروةِ الماديَّةِ، وقد يشعرُ القارئُ بأنَّ اهتمامَ دِن بالنساءِ يتركَّزُ على الجانبِ الجسديِّ. فهو يُعبِّرُ عن الجنسِ كتجربةٍ روحانيَّةٍ، حيثُ يصفُ المرأةَ "كملاكٍ"، ويُشيرُ إلى "جنةٍ تُشبهُ جنَّةَ محمَّدٍ"، بينما يُصبحُ الفراشُ "معبدَ الحُبِّ المقدَّسَ". ومع ذلك، ورغمَ طابعِها الإيروتيكيِّ، لا تُعدُّ القصيدةُ قصيدةَ حُبٍّ؛ إذ لم يُصرِّحْ دِن في أيِّ جزءٍ منها بحُبِّهِ للمرأةِ، أو بأنَّ الجنسَ يُشكِّلُ جانبًا من علاقةٍ أعمقَ.

وفي قصيدةِ "النشوة"، نجدُ أنَّ دِن يُعبِّرُ عن موقفٍ مختلفٍ وأكثرَ تعقيدًا تجاهَ المتعةِ الجسديَّةِ عندما تكونُ جزءًا من تجربةِ الحُبِّ الأكثرِ شمولًا:

"هذهِ النشوةُ تُزيلُ الحيرةَ
(قلنا) لتُخبرَنا بما نُحبُّ،
نرى من هذا أنَّهُ لم يكنِ الجنسُ،
نرى أنَّنا لم نرَ ما تحرَّكَ...
أسرارُ الحُبِّ تنمو في النُّفوسِ،
لكنَّ الجسدَ هو كتابُهُ".

يتَّسمُ الجسدُ والرُّوحُ بكونِهما جانبَيْنِ متميِّزَيْن، ومع ذلك فإنَّهما مرتبطانِ ارتباطًا جوهريًّا في كمالِ الحُبِّ. ويُعدُّ اتحادُ الأرواحِ من أصفى وأرفعِ أشكالِ الحُبِّ، لكنَّهُ لا يتحقَّقُ إلَّا عبرَ اتحادِ الأجسادِ:

"هكذا تتدفَّقُ الرُّوحُ إلى الرُّوحِ،
مع أنَّها تعودُ إلى الجسدِ أوَّلًا".

وهذا التركيزُ على الرُّوحِ يدفعُ دِن إلى التعبيرِ عن موقفٍ مُتعالٍ تجاهَ الحُبِّ الجسديِّ في هذهِ القصيدةِ، وهو ما يتناقضُ تمامًا مع الموقفِ الذي عبَّرَ عنهُ في قصيدتِهِ "إلى سيدتي ذاهبةً إلى الفراش":

"لكنْ يا للأسفِ، ما أطولَها وأبعدَها!
لماذا تُماطلُ أجسادُنا؟
إنَّها مُلكُنا، مع أنَّها ليستْ صغيرةً

 صغيرةٌ هيَ العقولُ، 

هوَ الكونُ".

يتَّضحُ سريعًا عندَ قراءةِ أعمالِ دِن، أنَّ الآراءَ المطروحةَ في إحدى القصائدِ لا تُعدُّ ثابتةً أو حصريَّةً. فمن خصائصِ دِن أنْ يُناقضَ نفسَهُ بحريَّةٍ بينَ قصيدةٍ وأخرى. فعنوانُ قصيدةِ "النشوة" يُلمِّحُ إلى اعتبارِ الحُبِّ تجربةً دينيَّةً، كما أنَّ اللغةَ المستخدمةَ في قصيدتِهِ "إلى سيدتي ذاهبةً إلى الفراش" تعرضُ الجنسَ كتجربةٍ ذاتِ طابعٍ دينيٍّ. وتُضفي الاستعاراتُ الدينيَّةُ كثافةً مُفرطةً على الصُّورِ، ومع ذلك تظلُّ الأفكارُ المطروحةُ في "النشوة" متجذِّرةً في النظريَّاتِ العلميَّةِ السائدةِ في زمانِهِ.

تتوافقُ فكرةُ دِن التي تُشيرُ إلى إمكانيَّةِ الوصولِ إلى الحُبِّ الرُّوحيِّ عبرَ الحُبِّ الجسديِّ مع النظريَّةِ المعروفةِ بـ "سلسلةِ الوجودِ" ويُعتقدُ أنَّ الملائكةَ قادرةٌ على اختبارِ حُبٍّ روحانيٍّ نقيٍّ غيرِ مُلوَّثٍ بالجوانبِ الجسديَّةِ. أمَّا الإنسانُ، بوصفِهِ مزيجًا من الطبيعةِ الإلهيَّةِ والحيوانيَّةِ، فإنَّ وصولَهُ إلى المستوى الرُّوحيِّ يتطلَّبُ المرورَ عبرَ التجربةِ الحسيَّةِ:

"هكذا يجبُ على أرواحِ العشَّاقِ الأطهارِ

 أنْ تنزلَ إلى العواطفِ، وإلى الملكاتِ،
حتى تصلَ الحواسُّ وتُدركَ،
وإلَّا لكانَ أشبه بأميرٍ عظيمٍ

 في السجنِ".

وتُبرزُ هذهِ الأبياتُ التفوُّقَ الفطريَّ للمستوى الرُّوحيِّ، والدورَ الذي يلعبُهُ الحُبُّ في تهذيبِ الطبيعةِ البشريَّةِ نحوَ الرُّوحانيَّةِ:

"إنْ وُجدَ من تمَّ تهذيبهُ بالحُبِّ،
فأصبحتْ روحهُ تفهمُ لغتَهُ،
ومنَ الحُبِّ الصالحِ

 نما عقلُهُ  بأكملهِ".

ويظهرُ هنا الإطارُ العلميُّ لرؤيةِ دِن للحُبِّ:

"ولكنْ كما تحتوي كلُّ روحٍ على
مزيجٍ من أشياءَ لا تعرفُ ماهيَّتَها،
فإنَّ الحُبَّ، هذا المزيجُ من الأرواحِ،

 يمزجُها من جديدٍ،
ويجعلُها واحدةً،

 كلٌّ منها يحتوي هذا وذاكَ".

وكما يُفترضُ أنْ تتكاملَ العناصرُ الأربعةُ: الأرضُ والهواءُ والنارُ والماءُ لتشكيلِ موادَّ جديدةٍ، فإنَّ الأرواحَ تتداخلُ لتشكيلِ كيانٍ جديدٍ. وتعتمدُ قوَّةُ هذا الاتحادِ الجديدِ ومتانتُهُ على توازنِ عناصرِ الأرواحِ، كما يظهرُ في هذهِ الأبياتِ من قصيدةِ "صباحُ الخيرِ":

"ما يموتُ، لم يمتزجْ بالتساوي؛
لو كانَ حُبُّنا واحدًا،

 أو أنَّكِ بمعيَّتي
نُحبُّ حُبًّا متشابهًا

 لدرجةِ أنْ لا أحدَ منَّا يضعفُ،
فلن يموت أحَد". 

ومثالٌ جيِّدٌ على ذلكَ حالةٌ لا يمكنُ فيها فصلُ روحَيْنِ عاشقَيْنِ، حتى لو كانتا متباعدتَيْنِ جسديًّا، كما نجدُ في قصيدةِ "وداعٌ ينهى عن الحِدادِ": 

"إنْ كانا اثنينِ، فهما اثنانِ،
كما أنَّ الفِرْجارَ الجامدَ يضمُّ اثنينِ،
روحُكِ كالقدمِ الثابتةِ، لا تُظهرُ
أنَّها تتحرَّكُ،

ولكنَّها تتحرَّكُ إذا تحرَّكتِ الأخرى".

وتُعدُّ فكرةُ اتحادِ شخصَيْنِ لتشكيلِ كيانٍ واحدٍ جوهريَّةً في رؤيةِ دِن للحُبِّ، فعندما يُحقِّقُ الحبيبانِ الحُبَّ الكاملَ معًا، يصيرُ كلٌّ منهما مُكمِّلًا للآخرِ، ويخلقانِ عالمًا خاصًّا بهما لا ضرورةَ فيهِ لعالمٍ خارجيٍّ. وتتجسَّدُ هذهِ الفكرةُ في قصيدةِ "شروقُ الشمسِ": 

"هيَ كلُّ الدُّولِ، وكلُّ الأمراءِ، وأنا
لا شيءُ سواها.
أشرقي علينا هنا، فأنتِ في كلِّ مكانٍ؛
هذا السريرُ مركزُكِ،

 وهذهِ الجدرانُ فَلَكُكِ".

وتتكرَّرُ في قصيدةِ "صباحُ الخيرِ":

"فالحُبُّ، كلُّ حُبٍّ للمناظرِ الأخرى،

 يُسيطرُ،
جاعلاً  من غرفةٍ صغيرةٍ واحدةٍ

 مكانًا في كلِّ مكانٍ".

ويتخطَّى الحُبُّ بالنسبةِ إلى دِن، جميعَ القِيَمِ الماديَّةِ، وكما يتَّضحُ في قصيدةِ "التقديسِ"، فإنَّ مفاهيمَ مثلَ الثروةِ والمجدِ لا مكانَ لها في عالمِ الحُبِّ:

"بالثروةِ ترتقي حالتُكَ، وبالفنونِ يرتقي عقلُكَ،
تأخذُكَ في مسارٍ، وتحصلُ على مكانةٍ،
تأمَّلْ شرفَهُ، أو كرامتَهُ،
أو جلالةَ الملكِ، أو وجهَهُ المنقوشَ.
تأمَّلْ ما شئتَ، ووافقْ عليهِ،
وهكذا ستدعني أُحبُّ".

كما هو الحالُ مع الحُبِّ ذاتهِ، غالبًا ما تكونُ النساءُ اللواتي تُكتَبُ الأشعارُ عنهنَّ موضعَ إعجابٍ بعباراتٍ مُبالغٍ فيها، ففي قصيدةِ "شروقِ الشمس"،  يُقالُ إنَّ عينيها تُضيئانِ أكثرَ من الشمسِ نفسِها، وفي قصيدةِ "الحُلمِ" تُوصَفُ بأنَّها تفوقُ الملائكةَ جمالًا لكنَّ فكرةَ الحُبِّ العُذريِّ تُناقضُ تصوُّرَ الثنائيِّ المتكافئِ والمتوازنِ، حيثُ تتآلفُ أرواحُهما لتُصبحَ وحدةً واحدةً. وفي قصيدةِ "إلهُ الحُبِّ"، يُعبِّرُ عن ازدرائِهِ لهذهِ النظرةِ العُذريَّةِ، التي يعتبرُها تحريفًا لحقيقةِ الحُبِّ الأصيلةِ:

"لا أستطيعُ أنْ أتصوَّرَ أنَّهُ،

 الذي أحبَّ أكثرَ من غيرِهِ،
قد انحدرَ إلى هذا المستوى الدنيءِ،

 ليُحبَّ منِ احتقرَتْهُ،
... لا يمكنُ أنْ يكونَ الحُبُّ،
ما لم أُحبَّها، هي التي تُحبُّني".

والحقَّ أنَّ دِن يُعدُّ حالةً نادرةً، وربَّما فريدةً، بالنسبةِ إلى عصرِهِ؛ إذ يكادُ يغيبُ الحُبُّ العُذريُّ تمامًا عن شعرِهِ. وبينما يعتمدُ الحُبُّ العُذريُّ على إخفاقِ العاشقِ، نجدُ دِن يحتفي بالنَّجاحِ في مختلفِ مستوياتِهِ. فشاعرُ الحُبِّ العُذريِّ يُعبِّرُ دائمًا عن تجربةٍ واحدةٍ ومتشابهةٍ للحُبِّ، مع أنَّ المواقفَ والمشاعرَ التي يتعرَّضُ لها تكونُ محدودةً وغيرَ متنوِّعةٍ. أمَّا دِن، فيُجسِّدُ طيفًا واسعًا من المشاعرِ في أغانيهِ وسونيتاتِهِ، وجميعُها تتعلَّقُ بتجربةِ الحُبِّ، لكنَّها تتنوَّعُ بينَ ذروةِ السعادةِ وعمقِ اليأسِ. وهذا التنوُّعُ الغنيُّ في المشاعرِ يُسهمُ في جعلِ شعرِ دِن ذا تأثيرٍ قويٍّ، حيثُ يبدو كأنَّنا ننغمسُ في تجربةِ حُبٍّ شخصيَّةٍ وفريدةٍ، وليستْ مجرَّدَ مساهمةٍ ضمنَ تقليدٍ شعريٍّ عشقيٍّ معروفٍ.

وقد تبين لنا كيفَ يصفُ الشاعرُ دِن في قصيدتِهِ "النشوةُ" الحُبَّ بوصفِهِ اتحادًا مثاليًّا بينَ روحَيْنِ. وقد يُعدُّ هذا أحدَ أرفعِ أنواعِ الحُبِّ، لكنَّهُ بالتأكيدِ ليسَ النوعَ الوحيدَ. أمَّا في قصيدتِهِ "الحُلمُ"، فإنَّهُ يُعبِّرُ عن حالةٍ عاطفيَّةٍ شديدةٍ تتَّسمُ بطبيعةٍ أكثرَ واقعيَّةً:

"ادخلي بينَ ذراعَيَّ،

 وبما أنَّكِ رأيتِ ذلكَ أفضلَ،
فلنُكمِلْ ما تبقَّى من أحلامي".

وتعكسُ قصيدةُ "شروقُ الشمسِ" الكبرياءَ المتهوِّرَ والإشباعَ الذي يحسُّ بهِ العاشقُ حينَ يكونُ في فراشِهِ بجانبِ معشوقتِهِ:

"أيَّتُها الشمسُ الجامحةُ،

 أيَّتُها الشمسُ الفضوليَّةُ،
لماذا تفعلينَ هذا؟
تزورينَنا من خلالِ النوافذِ والستائرِ؟".

وفي قصيدةِ "البرغوثُ"، يتبنَّى دِن أسلوبًا ساخرًا إلى حدٍّ ما تجاهَ حبيبتِهِ، معتمدًا على ذكائِهِ لمحاولةِ التقليلِ من أهميَّةِ حُججِها الأخلاقيَّةِ وتجاوزِها، سعيًا إلى تحقيقِ متعةٍ فوريَّةٍ:

"انظري إلى هذا البرغوثِ، وانظري فيهِ،
كم هو ضئيلٌ ما تحرمينَني منهُ!".

ويرى دِن أنَّ الحُبَّ يمكنُ أنْ يجلبَ معهُ المعاناةَ وخيبةَ الأملِ تمامًا كما يجلبُ النشوةَ. وتُجسِّدُ قصيدةُ "ليلةٌ في يومِ القديسةِ لوسي" كونُهُ أقصرَ يوم، ببراعةٍ معاناةَ فقدِ الحبيبِ، حيثُ تأخذُنا هذهِ التجربةَ إلى ما يتجاوزُ الألمَ لتصلَ إلى حالةِ العدمِ الكاملِ:

"نعم، النباتاتُ،

 ونعم، حتى الحجارةُ تكرهُ
والحُبُّ؛ هو كلُّ شيءٍ،

 كلُّ شيءٍ، يمنحُها بعضَ الصفاتِ؛
ولو كنتُ لا شيءَ عاديًّا،
لكانَ الظلُّ والنورُ والجسدُ موجودةً هنا
لكنَّني لستُ شيئًا".

وفي "حديقةِ تويكنام"، يُعبِّرُ دِن عن أقصى درجاتِ خيبةِ الأملِ، إذ تتناقضُ نظرتُهُ للحُبِّ هنا تمامًا مع نظرتِهِ في "النشوةِ":

"حُبُّ العنكبوتِ،

 الذي يُحوِّلُ كلَّ شيءٍ،
ويمكنُهُ أنْ يُحوِّلَ المنَّ إلى مرارةٍ".

وتتناقضُ نظرتُهُ إلى المرأةِ تمامًا مع النظرةِ المُعبَّرِ عنها في معظمِ قصائدِهِ الغزليَّةِ:

"ولا يمكنكَ الحكمُ على فكرِ المرأةِ من دموعِها،
كما لا يمكنكَ الحكمُ عليهِ من ظلِّها، أو من ملابسِها
ولا يمكنكَ الحكمُ على فكرِ المرأةِ من دموعِها،
كما لا يمكنكَ الحكمُ عليهِ من ظلِّها،
أو من ملابسِها
يا جنسًا منحرفًا، حيثُ لا صدقَ إلَّا هيَ،
وهيَ إذًا صادقةٌ، لأنَّ صدقَها يقتلُني".

وقد تكونُ قصيدةُ "الشبحُ" هي الأقوى بينَ قصائدِ دِن في معارضةِ الحُبِّ، والأكثرُ حدَّةً بكلِّ تأكيدٍ، ويُعبِّرُ فيها عن مرارةٍ شديدةٍ تصلُ إلى درجةِ تصنيفِها قصيدةَ كراهيةٍ؛ إذ تستهلُّ:

"عندما أموتُ بازدرائِكِ، يا قاتلتي".

ثمَّ تمضي القصيدةُ مع عاشقٍ يُهدِّدُ بمطاردةِ معشوقتِهِ بعدَ موتِهِ.

وفي نهايةِ المطافِ، يبرزُ سؤالٌ مفادهُ: هل عبَّرَ دِن في شعرِهِ عن حُبٍّ حقيقيٍّ، أم أنَّهُ، كما يقترحُ بعضُ النُّقَّادِ، مجرَّدُ شاعرٍ موهوبٍ سخَّرَ ذكاءَهُ ومهاراتِهِ لابتكارِ قصائدَ مُدهشةٍ؟ وقد وصف "جونسون" شعراءَ ما وراءَ الطبيعةِ بأنَّ "مغازلتَهم "خاليةٌ من المودَّةِ، كما هو رثاؤهم في الحزنِ". وبالنسبةِ إليهِ، لم يكنْ شعرُ دِن يملكُ القوَّةَ لتحريكِ العواطفِ، ولم يعتقدْ أنَّ دِن كانَ يكتبُ من وحيِ تلكَ المشاعرِ بالفعلِ. ورغمَ براعةِ وجماليَّةِ قصائدِ دِن، فإنَّ ذلكَ لا يعني أنَّها تخلو من عواطفَ حقيقيَّةٍ،  قصائدُ ستبقى قادرةً على إحداثِ تأثيرٍ عاطفيٍّ عميقٍ، فمهما بلغَ الإبداعُ أو التجديدُ في أفكارِهِ، فإنَّ النجاحَ الحقيقيَّ لأعمالِهِ يكمنُ في وجودِ بذرةٍ من الشعورِ الصادقِ في جوهرِها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر:
London School of Journalism

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية