قراءة في الاشتباك العسكري الحدودي بين إيران وطالبان

قراءة في الاشتباك العسكري الحدودي بين إيران وطالبان

مشاهدة

07/12/2021

وقع في أواخر الأسبوع الماضي اشتباك حدودي بين قوات عسكرية تابعة لحركة طالبان مع قوات من حرس الحدود الإيراني في منطقة حدودية، ورغم محاولات الإعلام الإيراني، لا سيّما ما ورد من تصريحات نقلتها وكالة "تسنيم" الإيرانية المقرّبة من المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، التقليل ممّا حدث، والإصرار على أنّه مجرّد سوء تفاهم بين الجانبين، إلّا أنّ هذه الاشتباكات، وهي الأولى من نوعها بهذا الحجم منذ "تسلّم" حركة طالبان السلطة بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أواخر شهر آب (أغسطس) الماضي، تتجاوز الوصف بأنّها مجرّد سوء تفاهم بين الجانبين، استناداً إلى سياقات مرتبطة بإيران وموقفها من سيطرة طالبان، وموقف طالبان من جيرانها، لا سيّما في ظلّ شبهات حول سيطرتها السريعة على كابول وبسط سلطتها على كامل الأراضي الأفغانية، وهو ما يعني أنّه يمكن قراءة هذا الاشتباك، "رغم تطويقه"، في إطار سيناريوهات عديدة، ترجّح مخرجاتها أنّ الاشتباك كان رسالة لإيران.

اقرأ أيضاً: كيف حال أفغانستان بعد حكم طالبان؟

ولعلّ أوّل ما يلفت النظر في الاشتباكات "توقيتها"، فقد تزامنت مع انطلاق مفاوضات الجولة الـ7 بين إيران والقوى الدولية في جنيف حول الصفقة النووية، وما شهدته هذه الجولة من تشدّد إيراني، حيث بقيت المفاوضات تراوح بين مطالب إيرانية برفع العقوبات، وضمانات بعدم تراجع أمريكا عن أيّ اتفاق يتمّ التوصل إليه، وبالتزامن كثفت "إسرائيل" من تهديداتها بأنّها لن تسمح بامتلاك إيران سلاحاً نووياً، ولو تطلّب الأمر قيامها بعمل عسكري منفرد ضد إيران، وربما يكتسب هذا السيناريو دلالاته من العلاقة بين أمريكا وطالبان بعد الانسحاب الأمريكي، وما يحيط به من علامات استفهام، للدرجة التي ظهرت معها طالبان بأنّها نظام سياسي يعاني من الإرهاب.

تزامنت الاشتباكات مع انطلاق مفاوضات الجولة الـ7 بين إيران والقوى الدولية في جنيف حول الصفقة النووية، وما شهدته هذه الجولة من تشدّد إيراني

وربما كان لافتاً للنظر أنّ التصريحات الأوّلية حول الاشتباكات صدرت عن أوساط رسمية إيرانية، وكان واضحاً أنّها تهدف لإرسال رسالة تقلل من شأن ما حدث، وعبر بناء رواية دخول مزارعين إيرانيين إلى منطقة محظورة داخل الأراضي الإيرانية، فيما تأخرت رواية طالبان، وأكدت أنّه تمّ استخدام أسلحة ثقيلة خلال الاشتباكات، ولم تتحدث طالبان عن ضحايا من حرس الحدود، ولا استيلائها على مراكز حدودية إيرانية، كما أشارت بعض التسريبات.

اقرأ أيضاً: مقاتلو طالبان يغيّرون أزياءهم، فهل يتغير تفكيرهم؟

الاشتباك يطرح جملة من المحطات حول العلاقات بين إيران وحركة طالبان منذ استيلاء الحركة على أفغانستان؛ أوّلها: أنّ إيران لا تنظر بعين الرضا لعودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان، وترى في الانسحاب الأمريكي "بالترتيب" مع طالبان، أنّه يستهدفها، إلى جانب موسكو والصين، وثانيها: أنّ اشتباكات طالبان مع الشيعة الأفغان في بداية تسلمها الحكم كان رسالة فهمتها طالبان بأنّ لدى إيران خطة للعمل ضدها وإضعاف حكمها، وثالثها: تدرك طالبان، وهي التي خبرت الدعم الإيراني منذ الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، أنّ طهران ترتبط بعلاقات وثيقة مع "القاعدة وداعش"، وأنّ العمليات التي نفّذها تنظيم "داعش" ضدّ مساجد شيعية في أفغانستان غير بعيدة عن اختراقات إيرانية لداعش، رغم أنّها طرحت تساؤلات حول تعاون طالبان مع داعش والقاعدة، وطرحت على المستوى الدولي ضرورات تقديم مساعدات إنسانية ولوجستية لحكومة طالبان، وهو ما تطرحه طالبان في مفاوضاتها مع القوى الدولية المعنية بالملف الأفغاني.

الاشتباك يطرح جملة من المحطات حول العلاقات بين إيران وحركة طالبان منذ استيلاء الحركة على أفغانستان؛ أوّلها: أنّ إيران لا تنظر بعين الرضا لعودة طالبان إلى الحكم

ليس في المدى المنظور ما يرجح أنّ الاشتباك الذي وقع سيكون آخر محطة بين إيران وأفغانستان، بل إنّ السياقات تشير إلى احتمالات وقوع اشتباكات جديدة أكثر حدّة ولمدة أطول، خاصة إذا ما بادرت إيران مستقبلاً للردّ على هذا الاشتباك، ورغم الخطاب الإعلامي الذي تقدّمه طالبان تجاه جيرانها، إلّا أنّه لا يستبعد وقوع اشتباكات مع جيرانها في الشمال والشمال الشرقي: "أوزباكستان، وطاجيكستان، والصين"، على خلفية اتهامات متبادلة بدعم الإرهاب، خاصّة أنّ تنظيمات إرهابية تنشط على حدود أفغانستان الشمالية، لا يُستبعد أن يكون موقف طالبان ورقة مزدوجة، رغم تأكيدات الحركة بأنّها لن تسمح لأيّ فصيل إرهابي باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد جيرانها.

اقرأ أيضاً: حركة طالبان تمهد أفغانستان وآسيا الوسطى أمام تركيا

وفي الخلاصة؛ فإنّ الاشتباك العسكري بين طالبان وقوات حدودية إيرانية ربما يُعدّ مؤشراً على مصداقية موقف الإدارة الأمريكية بأنّ الانسحاب الأمريكي من أفغانستان لم يكن يخدم الاستراتيجيات الأمريكية ومصالحها، بقدر ما كان يقدّم خدمة لجيران أفغانستان، وعلى رأسهم: الصين وروسيا وإيران، لا سيّما أنّ مؤشرات عديدة تتواصل تؤكد أنّ هذا الانسحاب كان منسقاً بين الطرفين، وتمّ إنجازه عبر مفاوضات رعتها الدوحة بين الجانبين.

الصفحة الرئيسية