قانون الأمن الشامل: هل تسير فرنسا على خطى الاستبداد والشمولية؟

قانون الأمن الشامل: هل تسير فرنسا على خطى الاستبداد والشمولية؟

مشاهدة

03/12/2020

شهدت العاصمة الفرنسية تظاهرات حاشدة انتشرت عبر سبعين مدينة، السبت الماضي، احتجاجاً على قانون الأمن الشامل، الذي صادق عليه البرلمان مؤخراً، لكن قبل أن يدخل حيّز التنفيذ، رصدت كاميرات أحد متاجر الموسيقى، ما تعرض له المنتج الموسيقي من أصول أفريقية، ميشال زيكلير، من ضرب مبرح على أيدي ثلاثة من رجال الشرطة الفرنسية، وعليه أعلن قصر الإليزيه، يوم الجمعة الماضي، عن صدمة الرئيس ماكرون من مشاهد العنف التي تعرّض لها زيكلير الذي استقبل مكالمة من الرئاسة للاطمئنان على صحته.

أثارت هذه الاضطرابات التي تشهدها فرنسا قلق مراقبين، أشاروا إلى حالة من الاحتقان، الاجتماعي والسياسي، تعيشها فرنسا، وتتصاعد حدّتها يوماً تلو الآخر.

أمن شامل أم استبداد مموّه؟

بأغلبية 388 صوتاً، مقابل 104 أصوات رافضة، وامتناع 66 عن التصويت، تم تبنّي مشروع قانون الأمن الشامل، الخاص بتجريم تصوير رجال الشرطة، أثناء تأدية عملهم، أو بالأحرى منع تصوير رجال الشرطة أثناء ممارستهم العنف ضدّ المواطنين، ومن يخالف ذلك تصل عقوبته إلى السجن المشدّد لمدّة عام، وتغريمه مبلغاً يصل إلى 45 ألف يورو، حيث كان من المفترض أن ينظر مجلس الشيوخ في هذا القانون، مطلع كانون الثاني (يناير) المقبل، ومن ثمّ يصبح جاهزاً للإحالة إلى المجلس الدستوري، وفق ما أعلن رئيس الوزراء، جان كاستكس.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

يشمل مشروع القانون المقترح، كاميرات المشاة والمتاجر، ويحظر عليها إذاعة صور أو فيديوهات لأفراد الشرطة، وهو ما أثار مخاوف منظمات المجتمع المدني، وكوادر الأحزاب اليسارية، خاصّة بعد أن علقّ البرلمانيون، في المادة 24 من النص القانونيّ المقترح "من أجل حماية من يحمينا".

 وفيما امتدح جهاز الشرطة هذا الإجراء، اعتبرته القوى المدنية والتقدمية هجوماً غير مسبوق على حرية الإعلام، وعلامة على انجراف استبدادي يمارسه ماكرون، للخروج من أزمته الاقتصادية والاجتماعية.

طالبت 33 شخصية من الذين صوّتوا لصالح ماكرون في انتخابات 2017، بسحب قانون الأمن الشامل، مطالبين أن يعمل الصحفيون بحرّية وأمان

 ويرى عضو اللجنة المركزية لحزب "نضال عمالي" أو "lutte ouvrière" الشيوعي الثوري، الصحفي الفرنسي المستقل، فيليب شوفالييه؛ أنّه "من الطبيعي أن تتخذ الدولة الحيطة وتحاول حماية خدامها المخلصين (رجال الشرطة)"، ويضيف: "أنا هنا أتحدث من وجهة نظرهم، لكن بعد مشاركتي في التظاهرات الأخيرة، والتي حرصت فيها على التحدّث مع شباب من تيارات مختلفة، لاحظت أنّ هناك رغبة في الانتقام الشعبي من جهاز الشرطة، من قبل هؤلاء الذين تعرّضوا لعنف ما في مرحلة من مراحل حياتهم، على أيدي قوات الأمن، وهم عشرات الآلاف".

الصحفي الفرنسي فيليب شوفالييه

ويتابع شوفالييه، في تصريح لـ "حفريات": "كان معظم المشاركين في التظاهرات ممن ينتمون إلى الأحزاب اليسارية، بمختلف أطيافها، وأجد أنّه من الطبيعي في مجتمعنا، الذي بات يحكمه الصراع الطبقي بشكل كبير، أن يتخذ كلا المعسكرين احتياطات لحماية أعضائهم، والمشكلة الكبيرة التي ستواجهها الدولة، هي أنّ الطبقة العاملة لدينا، لا تُحبط بأيّ شكل من الأشكال، أمام محاولات الدولة المستميتة، لتأجيج الصراع الطبقي، والإجراءات القمعية".

اقرأ أيضاً: فرنسا تلاحق كل من يمجد الإرهاب... ما علاقة مغني الراب؟

وقال "الحقيقة هي أنّنا لم ننتصر في أيّة معركة اجتماعية منذ 50 عاماً، حتى الاحتجاجات الضخمة نسبياً، لا تنجح في إرجاع الحكومة أو الشركات عن قراراتها، وهو ما يسبّب مظاهر من الاحتقان نراها في العمليات التخريبية في المظاهرات؛ حيث تحاول الدولة الفرنسية لبس قناع الديمقراطية، فيما هي في الأساس لا تهتمّ برأي المؤسسات المدنية أو القوى السياسية، وقد أثبتت حركة السترات الصفراء، التي لا يمكن فصل حراكها عمّا يحدث حالياً، أنّ الكلمة الأخيرة لمن يحتلّ الشارع".

الاحتقان الاجتماعيّ في فرنسا

دخلت الدولة الفرنسية، في الشهور القليلة الماضية، في معارك سياسية تتخذ بُعداً اجتماعياً، بخصوص العمليات الإرهابية الأخيرة على أراضيها، ومع فشل إجراءاتها في محاربة الإرهاب على أراضيها، وأيضاً في دول الساحل والصحراء، فإنّها تحاول تحويل دفّة الصراع إلى الشارع، وبالرغم من فشل حركة السترات الصفراء في تغيير موازين القوة، إلّا أنّ استمرار حركتهم لوقت طويل، قد وضع الكثير من العراقيل في خطى الحكومة، ما أعاق برنامجها لتدمير الحقوق الاجتماعية، والذي تمضي فيه بسرعة هائلة، بحسب رأي شوفالييه، الذي يرى أنّ الصراعات الأخيرة، التي دخلتها فرنسا وتتعلق بالإسلامويين، "تعبير واضح عن مدى الدوار الذي تشعر به الدولة، وتحاول تعليق أزمتها على الصراع الهوياتي في فرنسا، وليس على إجراءاتها النيوليبرالية القمعية بحقّ الملايين من أبناء الطبقات الأشدّ احتياجاً، لا سيما المهاجرين".

العديد من أعضاء الطبقات الشعبية، وفق شوفالييه، "غارقون في الانهزامية التي تظهر خيبة الأمل من أيّ عمل سياسيّ،  بعد أن حفّزت حركة السترة الصفراء قدراً كبيراً من السخط ضدّ الحكومة، متجاهلة أصحاب العمل الذين هم، في رأيي، القبطان الحقيقي للسفينة". المظاهرات الأسبوعية للحركة، تخلّلها، بشكل منهجي، صدام مع قوات الأمن انتهى بانتصار منهجي للأخيرة، وهكذا طوّر شكلاً من أشكال الإدانة يهدف إلى تجميل وجوه ضباط الشرطة، الذين كانوا شديدي العنف تجاه المواطنين.

الصحفي الفرنسي فيليب شوفالييه لـ"حفريات": تحاول الدولة الفرنسية لبس قناع الديمقراطية، فيما هي في الأساس لا تهتمّ برأي المؤسسات المدنية أو القوى السياسية

وفي اعتقاد شوفالييه، فإنّ خيبة الأمل من السياسة هذه "تعني أنّ هذه الحركة لم تطوّر أيّ منظور آخر غير محاكاة انعدام الثقة في مسؤولي الدولة، وتحديداً جهاز الأمن، نتيجة لذلك؛ تقدّم الدولة بيدقها من خلال حماية الشرطة من هجوم أقلّ خطورة مما يحدث في مظاهرة، ويظهر اغتيال مدرس الجغرافيا والتاريخ، صمويل باتي، أو الأعمال الإرهابية المختلفة؛ أنّ الأعمال المنفردة تتمتع بامتياز، بحكم حقيقة أنّ الدول قد اكتسبت قدراً كبيراً من التفوّق المادّي والمراقبة، بحيث لا يمكن إحباطها".

الدولة: لا تراجع ولا استسلام

من الضروري تحليل العملية التاريخية التي يجد فيها الصراع الطبقي الفرنسي نفسه قد وصل إلى الذروة، والتي هي في الأساس مشابهة تماماً لتلك التي تحدث في العالم بأسره؛ لذلك فإنّ الدولة تصرّ على المضي قدماً في إجراءاتها القمعية، والتي شبّهها بعض المحتجّين بما يحدث في دول العالم النامي.

وأثارت تصريحات وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانين، حفيظة المعظم من أبناء القوى المدنية، بعد أن طالب بسرعة تنفيذ هذا القانون، وإجبار الصحفيين الذين يغطون التظاهرات على الابتعاد عن رجال الشرطة، لدرجة أنّ الحكومة وأغلبية النواب أرادوا إزالة الجدل، من خلال إعادة كتابة التصريحات من جديد، وبعد أربع ساعات من النقاش، اعتمد مجلس النواب، بأغلبية 146 صوتاً، أنّ الجريمة المستقبلية قد لا تمسّ الحقّ في الإبلاغ عن اعتداءات شرطيّة، لكنّ الجريمة تكمن في "نية فضح أو إظهار الشرطة بصورة سيئة".

اقرأ أيضاً: فرنسا.. منظمة مرتبطة بالإخوان تتفادى "الحل" بمغادرة البلاد

ورغم أنّ القرار لقي دعماً كبيراً من الجمهوريين، إلّا أنّ التصويت لم يأتِ بالإجماع من قبل وزارة الدفاع، كما كان متوقعاً، وانقسمت الآراء بشأنه، لكنّ الآمال معولة على انتخابات 2022، والتي سينافس فيها زعيم حركة فرنسا الأبية الاشتراكية، جان لوك ميلانشون، وسيقوم بإلغاء هذا القانون في حالة فوزه، حيث علّق ملانشون، السبت الماضي، قائلاً؛ إنّ فرنسا ستصبح نظاماً استبدادياً بسببه، كما طالبت 33 شخصية من الذين صوّتوا لصالح ماكرون في انتخابات 2017، بسحب هذا القانون فوراً، مطالبين أن يكون الصحفيون قادرين على القيام بعملهم بحرّية وأمان.

الصفحة الرئيسية