قاطع ثم عدل ثم قاطع وعدل: الصدر يدخل حلبة الملاكمة الانتخابية

قاطع ثم عدل ثم قاطع وعدل: الصدر يدخل حلبة الملاكمة الانتخابية

مشاهدة

06/09/2021

دخلَ الصراع الانتخابي في العراق حيّز المواجهة، بعد أن شهدت الأيام القليلة الماضية سجالاً إعلامياً بين قطبيّ الإسلام السياسي الشيعي مقتدى الصدر، ونوري المالكي، على خلفية ورقة الإصلاح التي قدمتها الكتل الشيعية للصدر، لضمان عودتهِ للمشاركة في الانتخابات المقبلة، المزمع إجراؤها في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، والتي أعلن الصدر مقاطعتها احتجاجاً على أداء النظام السياسي في البلاد. 

جدلية توقيع المالكي ورقة إصلاح النظام لعودة زعيم التيار الصدري كانت وراء التصعيد الإعلامي بين الطرفين مؤخراً، لا سيما بعد أن نفى رئيس الوزراء الأسبق توقيعهُ على الوثيقة الإصلاحية، بل ذهبَ إلى أبعد من ذلك، حين قال: "أنا لم أطّلع عليها أصلاً"، في إشارة تستبطن نرجسية سياسية أغاظت الصدريين، الذين أخذوا يهاجمون المالكي على وسائل الإعلام، إيذاناً ببدء الصراع الانتخابي ضمن الخارطة السياسية الشيعية. 

اقرأ أيضاً: مقتدى الصدر يدفع الانتخابات العراقية إلى الأمام بتراجعه عن المقاطعة... تفاصيل

وأعلنَ مقتدى الصدر، الأسبوع الماضي، العدول عن قرارهِ في مقاطعة الانتخابات، بعد أن "أحرج القوى المتقاسمة للسلطة" التي طالبتهُ بالعودة أكثر مرة، رغم أنّ قرار المقاطعة كان بمثابة "تكتيك سياسي وإعادة تموضع للتيار الصدري"؛ بحسبِ مراقبين.

الصدر وليّ أذرع الخصوم السياسيين  
أحرج إعلان المقاطعة الصدرية، في تموز (يوليو) الماضي، العديد من القوى السياسية الشيعية المتنافسة ضمن الدوائر المناطقية المتشابهة، وهو ما شكّك في إمكانية إجراء الانتخابات في موعدها المقرر؛ إذ راح زعيم التيار الصدري يناغم حالة الغضب الشعبي من أداء النظام الحالي وفشل حكوماتهِ (التي شارك فيها بحصة الأسد) في تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وهو ما جعل القوى الأخرى تستشعر الخطر، بعد أن رمى الصدر الكرة في ملعبها. 

زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر

ويقول المحلل السياسي رمضان البدران: "على الرغم من أنّ العرف السياسي هو ما حكمَ العراق بديلاً عن الدستور، كان مشهدُ انسحاب التيار الصدري الأكثر إحراجاً للقوى المتقاسمة للسلطة"، مبيناً أنّ قرار المقاطعة "مثلَ أكبر قلق من فقدان التوازن السياسي، وأنبأ بأزمةٍ كبيرةٍ كانت ستقع مع انتقال الصدريينَ من أروقة الحكومة وقبة البرلمان إلى الشارع".

جاء الدفع باتجاه إجراء الانتخابات، من قبل المرجعية الدينية الشيعية التي حثّت مقتدى الصدر أثناء لقاء في منزل آية الله علي السيستاني، على المشاركة

ويضيف لـ "حفريات": "مقتدى الصدر نجحَ في إحراج الخصوم والأصدقاء السياسيين بذلك الانسحاب، بل وضع الشارع العراقي أمام مشهد للمرة الأولى يرى معهُ كم من الممكن أن تضعف الكتلة الوطنية أمام الكتلة الموالية لإيران، فيما إذا غابَ التيار الصدري، وكم من التداعيات من الممكن أن تصيبَ العراق مع هذا الغياب، وكلّ هذه الأمور دعت كلّ الغرماء والأصدقاء لدعوة الصدر بالعدول عن قرار المقاطعة". 

المالكي وجدلية ورقة الإصلاح
مساء الجمعة، 27 آب (أغسطس) الماضي، خرجَ زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بخطابٍ دعا فيه أنصارهُ إلى المشاركة في الانتخابات  بصورة "مليونية"، و بـ "عزم وإصرار لا مثيل له"، عازياً العدول عن قرار المقاطعة إلى تسلمهِ لورقة إصلاحٍ موقعة من قادة سياسيين "تفتحُ باباً للأملِ في إنقاذ العراق". 

وتضمّنت بنود الورقة الإصلاحية تبنّي كتلة نيابية رسمية تسمية رئيس الوزراء المقبل بغية تحمّل المسؤولية، واعتماد الدستور كإطار حاكم على الجميع، كما شدّدت على حصر السلاح بيد الدولة و تجريم استخدامهِ خارج القانون. 

زعيم ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي

ولدى سؤالهِ عن توقيعهِ على ورقة الإصلاح المقدمة للصدر، أجابَ زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، خلال زيارتهِ لأربيل ولقائهِ زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني: "أجهل طبيعة الضمانات التي قدمتها بعض الكتل السياسية للصدر ولم أطّلع عليها ولم أوقّعها".
ونفى المالكي قيامهِ بأيِّ ترتيبٍ سياسي لعودةِ مقتدى الصدر، وقال: "دعوت الجميع للمشاركة في العملية الانتخابية"، وأدّت تصريحات رئيس الوزراء الأسبق إلى نشوبِ حربٍ إعلامية بين أعضاء من التيار الصدري وتيار المالكي بشأن توقيع الأخير من عدمهِ على الوثيقة.

لماذا الخشية من المقاطعة الصدرية؟
يختلف التيار الصدري عن بقية التيارات السياسية العراقية لجهة جماهيرهِ العقائدية المتطرفة التي لا تتوانى عن استخدام العنف نحو من يخالف زعيمها، وذلك بدوافع عاطفية حقيقية، تعاكس دوافع أنصار التيار الولائي والتيارات الأخرى، القائمة على أساس المصالح الزبائنية المتعلقة بالوظائف والمرتبات؛ لهذا تأتي قوة مقتدى الصدر من شراسة قاعدتهِ الشعبية التي تصل إلى مليون مواطن عراقي، وفق بيانات الإحصاء الانتخابي لمقاعد الكتلة الصدرية في البرلمان الاتحادي، البالغة 54 مقعداً. 

اقرأ أيضاً: لماذا يمضي مقتدى الصدر في التلاعب بعواطف أنصاره؟
ويمتلكُ الصدر عدة أوراق للعبِ السياسي في حال لجوئهِ إلى المعارضة وتشكيل حكومة يسيطر عليها الآخرون من الأصدقاء والأعداء، وأبرزها؛ الاحتجاج الشعبي تحت يافطة "الإصلاح" وشلّ حركة الدولة وإمكانية الصِدام المباشر بين أنصارهِ والقوات الأمنية، الذي قد يؤدي إلى إراقة الدماء، فضلاً عن استثمار فصيلهِ المسلح "سرايا السلام"، وهو فصيل يتمتع باستقلالية قرارهِ العسكري عن إيران والقائد العام للقوات المسلحة في آن واحد، رغم أنّهُ منضوي في هيئة الحشد الشعبي، لكنّ مجمل قراراتهِ خاضعة لما يسمى "المعاون الجهادي" لمقتدى الصدر.  

نساء من الطبقات المسحوقة في مدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد يرفعن صورة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر

لذا؛ فإنّ مصير أيّة حكومة قادمة لا يشترك فيها الصدريون سيكون الفشل الداخلي والحرج الدولي، ناهيك عن مخرجات الاحتجاج وتوقع سقوط العديد من الضحايا. 

الصراع الدولي في العراق
وبات معروفاً حجم الصراع الدولي القائم في العراق والمتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ لذلك يتحرك مقتدى الصدر بأريحية في كلا الملعبين؛ كونهِ لا ينتمي عقائدياً لمحور ولاية الفقيه، ويتعاطى براغماتياً مع أمريكا التي يرفع لواء مقاومتها عسكرياً في السابق، وإعلامياً في الحاضر. 

اقرأ أيضاً: انفجار يستهدف سوقاً بمدينة الصدر في بغداد... من وراءه؟

أحمد الياسري، باحث عراقي، قال لـ "حفريات": "التيار الصدري تلقّى بذكاء إشارة السفير الأمريكي السابق في العراق، دوغلاس سيليمان، الذي صرّحَ في الكونغرس، بأهمية رفع الفيتو عن التيار، لأنهُ من الممكن أن يكون كابحاً للنفوذ الإيراني"، مبيناً أنّ "التقاط مقتدى الصدر لهذه الإشارة من المرجح أن تجعلهُ عنصر توازن في الصراع الأمريكي الإيراني في العراق". 

الباحث أحمد الياسري لـ "حفريات": الصدر تلقّى إشارة ذكية من دبلوماسي أمريكي طالب برفع الفيتو عنه مما يجعله عنصر توازن بين واشنطن وطهران

وأضاف: "الصدر أيضاً بدأ يغازل الساحة العربية والأمريكية برفضهِ التدخّل الإيراني في العراق، واشتغالهِ على هذه المساحة كان عبرَ دعم خطاب ممثل المرجعية الدينية حميد الياسري، الناقد لإيران، وكذلك دعمهِ لمؤتمر قمة بغداد للتعاون والشراكة"، لافتاً إلى أنّ "كلّ شيء تنزعج منهُ طهران بدأ الصدر يدعمهُ أو يغازلهُ سياسياً". 

وشهدت معظم المدن العراقية انطلاق الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التي يفصلنا عنها شهراً واحداً، وهذا الانطلاقة المتأخرة جاءت نتيجة إرباك القرار الصدري بشأن المقاطعة، وإمكانية إجراء الانتخابات من عدمها. 

وجاء الدفع باتجاه إجراء الانتخابات في موعدها المحدد، من قبل المرجعية الدينية الشيعية التي حثّت مقتدى الصدر أثناء لقاء سرّي حضرهُ الأخير في منزل آية الله علي السيستاني، على ضرورة المشاركة، وفق تسريباتٍ خرجت لوسائل الإعلام.  

جانب من استعراض عسكري سابق لسرايا السلام في مدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد

ويرى المحلل السياسي رمضان البدران؛ أنّ "الانتخابات ستجري سواء كانت بحضور التيار الصدري أو بدونه"، واستدرك قائلاً: "لكنّ الداخل والخارج كان متأكداً من أنّ المقاطعة الصدرية ستؤدي إلى أزمة وليس إلى حلّ".

وفي سياق آخر، أحبطت القوات الأمنية محاولةً لتزوير الانتخابات المقبلة، بعد قيامها بعملية استباقية أشرفَ عليها القضاء العراقي وجهاز المخابرات الوطني. 

وقال بيان لمجلس القضاء الأعلى؛ إنّ "تحريات قضائية مبنيّة على الوسائل العلمية قادت إلى كشف مجموعة أشخاص يحترفون الابتزاز الالكتروني، كان هدفها الأول الإعداد للتلاعب بنتائج الانتخابات القادمة وتغيّر نتائجها، فيما كان هدفها الثاني الفوضى السياسية".

الصفحة الرئيسية