في ذكرى النكبة: كيف ينظر الجيل الحالي إلى قضية فلسطين؟

479
عدد القراءات

2018-05-20

إذا كان الوعي هو المجموع الكلي للعمليات العقلية، التي يتمكن بواسطتها الإنسان من إدراك الواقع، والتماهي مع مكوناته، كونه شكلاً متقدماً، من أشكال انعكاس الواقع الموضوعي، الذي يتفاعل معه الإنسان، في ضوء أهدافه وأولوياته،فإنّه بذلك يرتبط عضوياً بمعنى "الأنا"، كفعالية  فردية، منحازة للذات؛ فالأنا، بحسب توصيف الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي باسكال، تجعل من نفسها مركزاً لكل شيء؛ حيث تتجلى الذاتية، بشكل أكثر وضوحاً، وقت الأزمات والضغوطات التي يمر بها الفرد.

ومن خلال تشكل الوعي الجمعي في التاريخ، يتم تفكيك "الأنا"، وخلق نموذج إدراكي واحد يحل محل الذات، ويتمركز حول مجموعة من الافتراضات والمبادئ التي تقع خارجها، لكن هذا لا ينفي الذاتية بشكل قاطع، وإن كان يتحكم في توجهاتها، بحيث ينشأ نظام للتفكير من مجموع ما ترسخ في البنى الذهنية؛ من قيم وعقائد وأفكار وخبرات، مهمتها رسم الأطر التي يتخلق في سياقاتها الفعل الإنساني، وهو ما يطلق عليه البارادايم Paradigm، وهو بحسب توصيف توماس كوهن، نسق قابل للتغيير في كل مرحلة، ومن خلاله تتكون التصورات وعليه تتحدد المواقف.

رغم سقوط المشروع القومي، وما آل إليه الواقع من فوضى  ظلت فلسطين حاضرة بين أطلال الوجدان العربي الممزق

شكلت نكبة فلسطين في الوعي الجمعي العربي، نقطة ارتكاز محورية، وقضية مركزية عبرت عن وجودها المكثف في كل المناسبات والأزمات، التي ألقت بظلالها على توجهات حركة التحرر الوطني العربي، في أوج توهجها القومي، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ورغم سقوط المشروع القومي، وما آل إليه الواقع العربي من فوضى بلغت ذروتها في أعقاب الربيع الحزين، ظلت فلسطين حاضرة بين أطلال الوجدان العربي الممزق، والباحث عن نقطة نور خافتة، تمثل القدس في أوقات الهزيمة، رمزيتها المحفزة على المقاومة.

عبر سبعة قرون، شكل الحنين إلى فلسطين، منطلقاً تموضعت في القلب منه أمنيات تنتمي إلى الماضي، وتطلعات تستشرف الحاضر نحو مستقبل تتحرر فيه الإرادة العربية، فقضية فلسطين التي تشرّبها الأطفال في مدارسهم منذ الطفولة من المحيط إلى الخليج، هيمنت على مستويات الإدراك الفعلي للواقع، ومع الوقت انحلت المعرفة بها إلى نسق صوري مجرد، يستدعي في الوعي الجمعي باستمرار فظائع الإرهاب الصهيوني، وأحلام العودة للشعب المشرد في دروب التيه والاضطهاد.

أحدث الاحتلال العراقي للكويت وما نتج عنه من مواقف ومآلات صدعاً هائلاً في البنيان العربي، وهزة شديدة العنف في وضعية فلسطين (المركزية) في الوعي العربي، وبشكل تعرضت معه تلك المركزية للمراجعة والنقد، ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ليفتح جرحاً آخر ينافس في عمقه جرح فلسطين، لتهتز مركزية القضية من جديد، قبل أن تتوارى تحت وطأة الضربات التي مزقت جسد الأمة في سوريا وليبيا واليمن وسيناء.

كان ظهور الحركات الإسلاموية، عامل ضعف آخر، ساهم في تبديد مركزية القضية الفلسطينية، منذ حاولت حركة حماس تحويل النضال القومي في الأراضي المحتلة، إلى قضية دينية، ومحاولة احتكارها تحت مفهوم الجهاد الإسلامي، لتتحول المواجهة العربية الصهيونية، إلى مجرد اقتتال إسلامي يهودي، له حتمية دينية، وأبعاد أخروية مفارقة حتى قيام الساعة، هذا النوع من تحوير لجوهر القضية، قام حزب الله بمحاكاة النموذج الشيعي منه في الجنوب اللبناني، في سياق الهوس الأصولي الذي اجتاح المنطقة، والذي يمثل تنظيم داعش ذروة صعوده في المشهد العبثي.

كان ظهور الحركات الإسلاموية عامل ضعف آخر ساهم في تبديد مركزية القضية الفلسطينية

لم يكن مستغرباً، وسط كل هذه الفوضى، ظهور تيار جديد، أخذ يعبر عن نفسه تدريجياً، تيار لا يرى غضاضة في التطبيع مع "إسرائيل"، ويعتبرها حليفاً إستراتيجياً، في مواجهة التطرف الإسلامي الذي سرق أدوار المقاومة، معتبراً "إسرائيل" واحة التقدم والحرية والحضارة الحديثة، في محيط جغرافي يتصدره التطرف والتخلف والاستبداد، ليصبح النموذج الإسرائيلي هو الأولى – من وجهة نظرهم – بالاتباع والتحالف معه، والاستفادة من شراكات اقتصادية مشبوهة، ظلت طي الكتمان منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وباتت تعلن عن نفسها بمثل هذا التبجح، وفي سياق هذا السيناريو جاء الاحتفال بمرور سبعين عاماً على قيام "دولة الاحتلال"، بأحد أرقى فنادق القاهرة بميدان التحرير!

يفرض التساؤل الإشكالي نفسه: كيف ينظر الجيل الحالي إلى قضية فلسطين؟ وهل بالفعل سقطت مركزيتها إلى لا رجعة؟

بالطبع، لم تعد قضية فلسطين حاضرة في الواقع العربي، تحت ضغط الفوضى السياسية، والأزمات الاقتصادية الطاحنة، وضربات الإرهاب المتلاحقة، وفي ظل تحيز أمريكي عبَّر عن أبغض صوره في عهد ترامب، لكن أحداً لن يمحو ذاكرة التاريخ، وسوف تظل الأرض المحتلة، المشربة بدماء الشهداء، شاهد عيان على عمق الجرم الصهيوني، ولسوف يستعيد الوعي العربي، عاجلاً أم آجلاً، وعيه المشتت، مستدعياً في وجدانه قضيته الأولى والأخيرة، بعدما يتخلص من أوهام الأنا المنسحقة، ويسترد وعيه الجمعي المغيب.

من قبل، عبرت القضية عن وجودها في أشد لحظات التاريخ قسوة، فعقب هزيمة حزيران (يونيو) عام 1967، وفي الوقت الذي ظن البعض فيه أنّ الحديث عن المقاومة بات ضرباً من العبث، استيقظ الواقع العربي على أنباء انتصار محلي في معركة الكرامة، قبل أن يدوي هدير المدافع من جديد على خط القناة، في حرب استنزاف طويلة، أشعلت المقاومة من جديد، وفي كل المواجهات اللاحقة، كان رد الفعل الشعبي يفاجئ كل من يظن أن المقاومة انتهت، ولا أنسى الأيام التي قضيتها ضمن وفد مصري في قطاع غزة، إبان عملية عامود السحاب عام 2012، وكيف بلغ التضامن حد الاستهزاء بالقصف الصهيوني الغاشم والمتواصل فوق رؤوس الجميع، تقطعه أغنيات الشيخ إمام وشعارات المقاومة حتى النهاية.

فقط، يبقى الرهان على استمرار المقاومة، بكل الوسائل الممكنة، وتمسك تيار الممانعة بثوابته، دون أن يقع في فخ مساندة الاستبداد، بداعي دعم المقاومة، وتظل مواجهة الحركات الإسلاموية على الأرض، عاملاً شديد الأهمية، في سبيل كسر الطوق الذي أحكمته على القضية، وتخليصها من وصمة الإرهاب، فإذا ما تحققت تلك الشروط وغيرها، سوف يتخلص الواقع العربي من أوهامه وكل ما يستنزفه، وتعود القضية الفلسطينية من متاهات الهامش إلى قلب المركز، الذي استوطنته طويلاً، لتدفع الصهيونية الثمن غالياً عن كل جرائمها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: