فيلم "الإنس والنمس"... نجاح يستند إلى رصيد محمد هنيدي الفني

فيلم "الإنس والنمس"... نجاح يستند إلى رصيد محمد هنيدي الفني

مشاهدة

23/08/2021

عادة ما تتجاوز العلاقة بين الجماهير والنجوم السينمائيين، خصوصاً هؤلاء المرتبطين بمراحل عدة في حياتهم، الطفولة، المراهقة، الشباب...، تتجاوز القبول أو الرفض لما يقدمونه باعتبارات محايدة، فأحياناً تحتفي الجماهير بعمل  "جيد" من نجم مفضل، لمجرّد عودته إلى الشاشة، دون أن تسبب تلك العودة خذلاناً أو إسفافاً.

ووفق هذه الفرضية، نستطيع أن نفسر النجاح الجماهيري الكبير الذي حققه الكوميديان المصري محمد هنيدي بفيلمه الأخير "الإنس والنمس"، رغم كونه متواضعاً على مستويات عدة، فالسيناريو لم يقدّم أي اجتهادات أو أفكار غير نمطية عند التلاعب بمساحة ثرية فنية وكوميديا تتمثل في عالم العفاريت، ولم يرقَ إلى مستوى الضحك الذي اعتادت عليه الجماهير في أرشيف هنيدي الثري.

لكن بالنظر إلى تضاؤل مساحة تواجد الفنان، وغالبية نجوم جيله، وانزواء ما اعتادوا على تقديمه من أفلام سينمائية تصلح للمشاهدة الأسرية، وتشكل فيما بعد أرشيفاً يرتبط  بذاكرة كل منا، ومقارنة بالفيلم السابق لهنيدي "عنتر ابن ابن ابن ابن شداد" (إنتاج 2017)، الذي أساء إلى تاريخ هنيدي الفني، وحقق فشلاً مدوياً على الصعيدين السينمائي والتلفزيوني، نستطيع أن نفهم أنّ "الإنس والنمس" تجاوز مجرد الفيلم الذي يخضع للتقييم منعزلاً عن العوامل الاجتماعية والنفسية والسينمائية الأخرى، لكونه حالة أو نوستاليجيا لفنان وحقبة سينمائية مثلها.

بوستر الفيلم

وقد ساعد هنيدي على تحقيق تلك الحالة مجموعة العمل المميزة "منة شلبي، عمرو عبد الجليل، صابرين، شريف الدسوقي، بيومي فؤاد، دينا ماهر، محمود حافظ، عارفة عبد الرسول، صلاح عبد الله"، التي حققت انسجاماً على الشاشة عكست ارتياحاً لدى الجمهور، واستطاعت أن تجعل الفيلم من نوعية تلك الأفلام التي تستطيع أن تشاهدها أكثر من مرة، على خلاف أفلام الكوميديا أو غالبيتها في الفترة الماضية، التي هي أفلام "للاستهلاك مرة واحدة"، بمعنى أنها تفقد جاذبيتها وخفتها، وتفقد إفيهاتها ومواقفها القدرة على انتزاع الابتسامة بعد مشاهدتها للمرة الأولى.

الفيلم من إخراج شريف عرفة، الذي سبق أن تعاون مع هنيدي في فيلم "فول الصين العظيم" (إنتاج 2004)، والذي يُعدّ واحداً من أفضل الأعمال السينمائية لهنيدي.

والمقارنة بين التجربتين لا تأتي في صالح الأخيرة، بل على العكس، تبدو في كثير من الأحيان استنساخاً، فثمة مشاهد في "الإنس والنمس" تردّ المُشاهد مباشرة إلى أخرى شبيهة في سابقه.

    لم يرقَ الفيلم إلى مستوى الضحك الذي اعتادت عليه الجماهير في أرشيف هنيدي الثري

تفوّق فيلم الإنس والنمس على المستوى البصري، بالجرافيك والحيل التي تم استخدامها وإتقانها، ساعد فيها فانتازيا عالم النمس، أو على مستوى الديكورات والقصر الذي تقطنه العائلة، غير أنّ ذلك الإبهار يتحقق في الجزء الثاني من الفيلم، وهو أكثر ثراءً فنياً وبصرياً من الأول الذي يعج بأفيهات مصطنعة ومبالغ فيها.

مشاركة الفنانة منة شلبي أثرت الفيلم، رغم أنّ الدور أقل من إمكانيات منة أو المساحة التي تشغلها حالياً سينمائياً وتلفزيونياً، باعتبارها الأهم بين فنانات جيلها، وقد جاءت مشاركتها في هذا العمل وسط مجموعة من الفنانين لكل منهم مساحة متقاربة من الآخر في الظهور والتأثير، ليعكس مؤشرات أخرى عن منة التي تتوهج بمفردها، ولا تبخل بتوهجها على المجموعة، ولا ترغب في الاستئثار بالشاشة.

أمّا الفنان عمرو عبد الجليل، فهو لم يكن مفاجأة في الفيلم، فرصيده السابق يستطيع أن يضمن أنّ ظهوره، ولو في لقطة واحدة، قادر على انتزاع الضحك، بما يملكه من كاريزما وحالة فنية.

 الفنان عمرو عبد الجليل

وتظل أزمة الفيلم الكبرى في السيناريو، وتُعدّ نقاط قوته في كوميديا الموقف التي انزوت أخيراً لصالح كوميديا الإفيهات، وفق المفهوم الرائج في المسرح حالياً والتجارب الجديدة والسيت كوم.

وهذا لا يعني أنّ الفيلم قفز من فخ "الإفيه"، فقد حظي بنصيب غير ضئيل من الإفيهات غير الموفقة والساذجة، لكنها تظل في الإطار المقبول أو غير الخادش، ما يجعل الفيلم صالحاً للمشاهدة الأسرية.

نزهة السينما

عجت صالات السينما بالأسر الكاملة التي تذهب لمشاهدة الفيلم، وتتشارك الضحك والبوشار، في أجواء كانت قد غابت عن كثير من الأسر الفترة الماضية، في ظل الحالة التي غلبت على الإنتاج السينمائي من تكثيف أفلام العنف أو خلطة "الراقصة والمطرب الشعبي".

تظل أزمة الفيلم الكبرى في السيناريو وتُعدّ نقاط قوته في كوميديا الموقف التي انزوت أخيراً لصالح كوميديا الإفيهات

لذا، بات اصطحاب الأسرة إلى فيلم سينمائي مجازفة لا تقبل عليها كثير من العائلات، خوفاً من تعرّض أطفالهم لمشاهد أو إيحاءات خادشة، أمّا مع هنيدي، المعروف بأفلام تراعي الأسرة وترتبط بذاكرة كبيرة معها، فقد تضاءل حيز المجازفة، وعاد الكثير من الأسر إلى صالات السينما، متذكرين رحلات أخرى قطعتها الأسر لمشاهدة "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، "يانا يا خالتي"، "عندليب الدقي"، "فول الصين العظيم"، وتخرج الأسر سعيدة، تداعب أفرادها كل تلك الذكريات بمراحلهم العمرية المختلفة. 



الصفحة الرئيسية