علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح

علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح

مشاهدة

23/11/2017

على الرغم من أن الشعب الإيراني لقبه قبل سقوط الشاه بـ "معلم الثورة" التي انتصرت عام 1979 بعد وفاته بعامين، وهو لم يتجاوز الثالثة والأربعين، إلا أن أفكاره التي بشر بها، وحاول زرعها في أبناء جيله كانت، وربما ما تزال، سابقة لعصره، فلم يكن مستغرباً أن تكون هذه الشخصية الجدلية مستهدفة حتى الآن بشتى التهم المتناقضة، فقد رُمي بالزندقة والوهابيّة في نفس الوقت الذي اتهمه فيه خصومه بأنه "رافضي وماركسي"..

رُمي بالزندقة والوهابيّة في نفس الوقت الذي اتهمه فيه خصومه بأنه "رافضي وماركسي"

ولد علي محمد تقي شريعتي عام 1933 في قرية (مزينان) قرب مدينة مشهد بمحافظة خراسان. تأثره الأكبر كان بوالده المفكّر والمناضل المعروف الذي شكل بداية معالم شخصيّته وهويّته العلميّة والدينيّة "اللامنتمية" لمذهب، فقد كان والده ضمن جماعة من المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالأفكار اليسارية، والتي كانت تجد صدى واسعاً في ذلك الحين، وهي حركة "الاشتراكيون الذين يخشون الله".

في عام 1952، أصبح مدرساً في الثانوية وقد أسس في العام نفسه، اتحاد الطلبة المسلمين، وفي عام 1955 التحق بكلية الآداب بجامعة مشهد وتخرج منها بدرجة امتياز عام 1958. وتزوج حينها من زميلته (بوران شريعتي رضوي) عام 1956.

كان والده ضمن جماعة من المثقفين الإيرانيين المتأثرين بالأفكار اليسارية

في ظل هذه البيئة الغنية، تفتحت مدارك شريعتي السياسية مبكراً حيث انضم إلى جانب والده، وهو لم يزل في الثانوية إلى الحركة الوطنية التي كان يقودها مصدق، وبعد سقوط حكومته سجن ستة أشهر قبل تخرجه عام 1958 عقب انضوائه تحت حركة المقاومة الوطنية التي أسسها آية الله الزنجاني وآية الله الطالقاني ومهدي بازركان، وكان ممثلاً لها خارج إيران خلال دراسته في باريس التي ابتعث إليها عام 1959، حيث حصل على شهادتي دكتوراه؛ الأولى في تاريخ الإسلام والثانية في علم الاجتماع من جامعة السوربون.

تعززت النزعة الإنسانية لدى شريعتي خلال مقامه في فرنسا، حيث دعم الثورة الجزائريّة وحركات التحرر في العالم الثالث، واتصل بأبرز مناضليها كإيما سيزار وفرانز فانون، وكان ضمن المعتقلين خلال المظاهرات التي اندلعت في فرنسا احتجاجاً على تصفية الاستخبارات البلجيكية باتريس لومومبا أول رئيس وزراء منتخب للكونغو عام 1961، وهو ذات العام الذي أسس مع إبراهيم يزدي ومصطفى جمران وصادق قطب زاده حركة حرية إيران في الخارج.

أسهمت أفكار علي شريعتي في التمهيد لإسقاط نظام الشاه

في عام 1964، عاد الدكتور شريعتي إلى مسقط رأسه، حيث عُيّن مدرّساً بجامعة مشهد بعد أن اعتقل لفترة عقب إلقاء القبض عليه عند الحدود الإيرانيّة. يقول عنه الدكتور دسوقي الشتا في تقديمه لترجمة كتابه "العودة إلى الذات": "كان شريعتي يستطيع آنذاك أن يكون أستاذاً مثل بقيّة الأساتذة، مفكّراً مزيّفاً.. ودليلاً متطوّعاً للتنوير والتغريب... عاد شريعتي وبدلاً من أن يقوم بترجمة "الوجود والعدم" لسارتر… ترجم "سلمان الفارسي" لماسينيون. وبدلاً من أن يكتب عن أقطاب الغرب، كتب عن أبي ذر الغفاري …".

تجسدت جرأة علي شريعتي في النأي بنفسه عن "النضال الآمن" خارج بلده مفضلاً محاربة نظام الشاه في عقر داره من خلال حسينية الإرشاد التي أسسها عام 1969 إلى جانب مجموعة من المفكرين والمثقفين المتنورين، مثل مرتضى مطهّري، وتمكن من خلالها من نشر أفكاره التصحيحية عن الأفكار السائدة عن الإسلام والتشيع في صفوف طلابه، حتى وصلت إلى قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني الذي أخذت آراؤه الجريئة في وجه التغريب والفكر الديني المزيف تنمو فيه بسرعة، واستعدت عليه الكهنوت السلطوي والديني على السواء "إن إسلامنا بدون رجال الدين هؤلاء، سيرجع أصيلاً سليماً، كما هو اقتصادنا بدون نفط".

ضيقت السُّلطة عليه ووضعته تحت المراقبة ومُنع من ممارسة أي نشاط

أسّس شريعتي في هذه الحسينيّة خمس لجان للإشراف على نشاطاتها المتعددة: لجنة تاريخ الإسلام، لجنة تفسير القرآن، لجنة للأدب والفن، لجنة للغة العربية لتصحيح منابع التراث الشيعي، ولجنة للغة الإنكليزية لحمل رسالة الإسلام العالمية ونشرها.

بعد هذا الأثر الكبير الذي أحدثه لم تجد السلطة بدّاً من إقفال الحسينيّة عام 1973، ما كلفه مع والده 18 شهراً من التعذيب في سجون النظام قبل أن ترضخ السلطات للضغط الداخلي والخارجي خصوصاً بعد تدخّل مسؤولين جزائريّين لتفرج عنه عام 1975. لكنها ضيقت عليه ووضعته تحت المراقبة ومُنع من ممارسة أي نشاط. وفي آذار 1977 سُمح له بالسفر إلى لندن، وبعد شهر عُثر عليه ميتاً في شقّته في ظروف غامضة، واتهم كثيرون مخابرات الشاه بالوقوف وراء تصفيته بهذه الطريقة التي اتبعتها مع العديد من معارضيها.

لم تسمح السلطة بدفن جثمان الدكتور شريعتي في إيران، فنُقِل إلى دمشق حيث دفن في مقام السيدة زينب، وصلّى عليه الإمام موسى الصدر، وأقام له احتفالاً تأبينياً في بيروت كلفه سحب الجنسية الإيرانية منه.

وجه الفرادة في فكر علي شريعتي الذي تجاوز المئة عمل بين كتب ومحاضرات جمعها طلابه، مثل: العودة إلى الذات، ودين ضد الدين أنه في أوج نضاله ضد تسلط حكم الشاه "العلماني" سعى إلى التجرد عن هوى المذهب، وحارب "الشعوبية" لدى رجال التشيع الصفوي و"التسنن الأموي" متنبئاً بما ستؤول إليه الأمور، داعياً إلى التقارب بين "التشيع العلوي" الحقيقي و"التسنن المحمدي". "إن المعركة المثارة بين الشيعة والسنة هي معركة التسنّن الأموي والتشيع الصفوي، وهي مثارة من أجل إلهاء المسلمين عن معركة الإسلام ضد الاستعمار والصهيونية.. إذا كانت وحدة التسنن والتشيع غير ممكنة، فإن وحدة الشيعة والسنة ممكنة وهي ضرورة حياتية". وللباحثين عن محور فكر شريعتي يجده في كتابه "دين ضد الدين"، بعبارته الشهيرة: "أنا سنيّ المذهب، صوفيّ المشرب، بوذي ذو نزعة وجودية، شيوعي ذو نزعة دينية، مغترب ذو نزعة رجعية، واقعي ذو نزعة خيالية".

لم تسمح السلطة بدفن جثمان الدكتور شريعتي في إيران، فنُقِل إلى دمشق حيث دفن في مقام السيدة زينب

أسهمت أفكار علي شريعتي بدون شك في التمهيد لإسقاط نظام الشاه، لكنها وئدت بالطريقة التي تنبأ بها عندما حذر من تسليم السلطة في ظل "الديمقراطية المرتعشة" المشوبة بالروح الجمعية الأسرية القبلية والقومية والمذهبية التي طالما حذر منها. كما يظهر في كتابه ذي العنوان الصادم "النباهة والاستحمار" الذي يؤكد فيه شريعتي أن "قيمة الإنسان تكمن في قيمته للاختيار، وحريته في الاعتقاد واتخاذ القرار"، محذراً من "تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوق الأذهان إلى الضلال. أو بشكل غير مباشر بإلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة والفورية".

رأى شريعتي أن قيمة الإنسان تكمن في قيمته للاختيار، وحريته في الاعتقاد واتخاذ القرار

سعى على شريعتي كما يقول فاضل رسول إلى إخراج الدين من صومعة الانعزال، وجعله من جديد دين الحياة والكفاح الاجتماعي، ودعا إلى الثورة السياسية والاجتماعية كأفضل تعبير عن الإيمان والالتزام بمبادئ الإسلام، وأخيراً تصفية الإسلام من الخرافات والبدع وصيانته بالوقت نفسه من التغرب والخضوع للهيمنة على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، ورغم هاجسه الوطني والديني، إلا أن صاحب مقولة: "أن يكرهك الناس لصراحتك خير لك من أن يحبوك لنفاقك" تجاوز بأفكاره هذه الحدود إلى آفاق الإنسانية الرحبة، ويكفي أن نقرأ ما قاله في حقه الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر: "أنا لا دين لي لكن لو خُيّرت، سوف أختار دين علي شريعتي".

الصفحة الرئيسية