على خطى إيران: الطائفية وسيلة تركيا لاختراق لبنان

على خطى إيران: الطائفية وسيلة تركيا لاختراق لبنان

مشاهدة

09/08/2020

كشف وزير الداخلية اللبناني، محمد فهمي، في تموز (يوليو) الماضي، أنّ ثمة تدخّلاً خارجياً يسعى إلى زعزعة الأمن في لبنان، دون أن يسمّي دولة بعينها.

وأضاف، في تصريح لصحيفة "اللواء" اللبنانية؛ أنّ "قوى الأمن ضبطت طائرة خاصّة قادمة من تركيا، على متنها أربعة أتراك وسوريّان، وبحوزتهم 4 ملايين دولار، دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية"، في إشارة إلى أنّ تركيا هي الدولة المستهدفة بكلامه.

كان الرئيس اللبناني قد هاجم الدولة العثمانية، في الاحتفال بالذكرى المئويّة لاستقلال لبنان عنها، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي، واتّهمها بتزكية الطائفية، وقتل مئات الآلاف من اللبنانيين

وكان لبنان قد شهد عدّة تظاهرات ضدّ تصريحات الرئيس ميشال عون؛ حين هاجم الإرث العثماني في بلاده، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي، كما خرجت مظاهرات أكبر ضدّ الإعلامي نيشان، حين هاجم الدولة العثمانية والرئيس أردوغان في برنامج تلفزيوني، في حزيران (يونيو) الماضي، ممّا يكشف وجود تغلغل تركي في الأوساط السنّية، ووجود حراك مُنظّم يرعى مصالح تركيا.

تركمان لبنان... مسمار أردوغان

يضمّ لبنان طائفة تركمانية يبلغ عددها أكثر من 40 ألف شخص، ينتمون في أصولهم إلى القبائل التركية، واستقروا في لبنان منذ العهد العثماني.

وحظيت هذه الفئة برعاية تركية خلال العقد الأخير، ويزورها السفير التركي في بيروت بصفةٍ منتظمةٍ، خصوصاً تركمان منطقة عكّار، شمال لبنان، الذين ما يزالون يحافظون على لغتهم وعاداتهم التركية.

صورة مناهضة لتركيا من مظاهرات في لبنان

وخصّهم الرئيس التركي، أردوغان، بزيارةٍ في عام 2010، حين زار بلدة الكواشرة، للقاء الجالية التركمانية، ومنذ ذلك الوقت حظيت المنطقة باهتمام تركيا، ونشطت منظمة "تيكا" الإنسانية التركية في المنطقة، وقدّمت تركيا منحاً تعليمية لأبناء التركمان، وافتتحت معاهد لتعليم اللغة التركية.

ويقول الباحث في الشؤون العربية والإسلام السياسي، محمد شعت: "يعمل أردوغان وفق بعدين في لبنان: الأوّل: قومي مع اللبنانيين من أصول تركمانية، والثاني: ديّني مع المكوّن السنّي".

اقرأ أيضاً: بعد انفجار بيروت.. قلق ليبي من مخازن أسلحة تركيا في طرابلس

ويضيف شعت، لـ "حفريات": "تريد تركيا إخراج التركمان من تحت عباءة الدولة، إلى الموالاة لها، عبر تصدير فكرة القومية التركية إليهم، لتكون ذراع تركيا في شمال البلاد".

وذكرت تقارير صحفية وجود خطّة تركية لتجنيس ما يزيد عن 50 ألف لبناني، بزعم وجود أصول تركية، أو مواطنة عثمانية، بهدف خلق كتلة من النخب اللبنانية تدين بالولاء للأتراك.

راعيّ السنّة

ويسعى أردوغان إلى كسب تعاطف المكوّن السنّي في لبنان، أسوة بالدور الإيراني، الذي صدّر نفسه على أنّه حامي الشيعة.

وفي سياق ذلك؛ جاء الترويج الشعبي لزيارة أردوغان، عام 2010، على أنّها زيارة زعيم سنّي، بعد زيارة الرئيس الإيراني السابق، أحمدي نجاد، في العام نفسه، والّتي تتبّع أردوغان خطاها؛ حيث زار نجاد بلدة بنت جبيل في الجنوب، بينما زار أردوغان بلدة الكواشرة في الشمال، وكشف ذلك عن المنطقة التي يوليها كلٌّ منهما اهتمامه.

ويرى الباحث محمد شعت؛ أنّ "لتركيا مشروعاً للتوغّل في المنطقة العربية ككلّ، يتشابه مع المشروع الإيراني؛ فالأخير يعتمد على الهيمنة على المكوّنات الشيعية، بينما يرّوج أردوغان لمشروعه في الأوساط السنّية المتعاطفة مع الإخوان المسلمين".

الباحث محمد شعت لـ"حفريات": التواجد التركي في لبنان سيغذّي الصراع الطائفي؛ لأنّ تركيا تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها فيه، عبر تفكيك الدولة وتغذية الطائفية والعنف

ويردف شعت، لـ "حفريات"، قائلاً: "يتلاقى المشروعان، التركي والإيراني، في لبنان، ويعملان جنباً إلى جنب، خاصة في هذه الفترة، التي تشهد توافقاً تركياً- إيرانياً كبيراً".

وتُوظّف تركيا عدّة آليات لاختراق المجتمع السنّي في لبنان؛ عبر توظيف الجماعة الإسلامية، فرع الإخوان المسلمين في لبنان، والمساعدات الإنسانية، مستغلّة الوضع الاقتصادي الصعب، وفتور الدور السعودي والعربي تجاه لبنان.

وتسعى تركيا إلى نشر اللغة التركية بين السنّة؛ عبر إنشاء معاهد تعليمية، وتقديم منح دراسية فيها.

 وقد ذكرت مواطنة لبنانية من طرابلس (فضّلت عدم ذكر اسمها)؛ أنّها لاحظت تشجيعاً على تعلّم اللغة التركية بين الأوساط السنّية في المدينة، التي تعدّ أهمّ معقل سنّي في لبنان، وأنّ بعضهم يشترون عقارات في تركيا، ويتردّدون بشكل منتظم عليها".

وأوضحت المواطنة اللبنانية، لـ "حفريات"؛ أنّها لمست نموّاً لنزعة التطرّف في طرابلس، بين الأوساط السنّية، عقب صعود أردوغان إلى واجهة المنطقة، خاصة بعد 2011، وتقول: "نسبة التطرّف زادت بين الأوساط السنّية، بعد أن كشف أردوغان عن أطماعه في الهيمنة على المنطقة، ورغبته في استعادة الإرث العثماني، حيث ينظر بعض السنّة إليه كزعيم لهم".

اقرأ أيضاً: ما أهداف تركيا من الاتفاق العسكري مع ألبانيا؟

وأشار الباحث محمد شعت إلى توظيف تركيا للمخاوف السنّية من هيمنة حزب الله، في تصدير نفسها كراعٍ للسنّة، ويقول في ذلك: "يسعى أردوغان إلى استمالة الكتلة المتعاطفة مع الإسلام السياسي، عبر الدفاع عن وضع السنّة، بحجّة حمايتهم من التغلغل الإيراني، عبر حزب الله".

وأوضح شعت، لـ "حفريات"؛ أنّ "تركيا تريد خلق شعبية في الشارع اللبناني، لتشارك في صنع القرار السياسي، لتحقيق مصالحها الاقتصادية، واستغلال لبنان في صراعها على غاز المتوسّط".

آليات التغلغل التركي

وتستخدم تركيا آليات متعدّدة لاختراق المجتمعات العربية، وفي حالة لبنان؛ بدأت في توظيف آلية المساعدات الإنسانية، عبر الجمعيات الخيرية، ومنظّمة "تيكا".

وتعمل تركيا بالتنسيق مع منظّمات سنّية، من بينها: "منتديات بهاء الحريري"، التي اتّهمتها جهات لبنانية عدّة بالعمل لصالح تركيا، بينما نفت المنظّمة ذلك.

ولدى تركيا عدّة منظمات إنسانية عاملة في لبنان، من بينها: جمعية توحيد شبيبة، حجر صدقة، دورس الخيرية الاجتماعية، الإخوة اللبنانية-التركية، الجمعية الثقافية اللبنانية-التركية، الجمعية التركمانّية- اللبنانية، وجمعية "إنماء حواره" التركمانية، وفق تقرير منشور في موقع "المرجع".

اقرأ أيضاً: كيف تسعى تركيا لتطويق المنطقة العربية بالحزام الأفريقي؟

علاوةً على ذلك؛ هناك المراكز الثقافية، ومن أهمّها؛ معهد "يونس أمره" الثقافي.

وتوظف تركيا رجال الدين السنّة في الترويج لها، وقد ذكرت تقارير صحفية وجود جمعية دينية تضمّ 800 من رجال الدين والخطباء، الناشطين في المساجد والجمعيات اللبنانية، يتلقّون تمويلهم من دولة خليجية حليفة لتركيا.

اقرأ أيضاً: هل تسعى تركيا للتمدد إلى لبنان انطلاقاً من الشمال؟

وفي الإطار ذاته؛ تُرجم النشاط التركي بمظاهراتٍ داعمةٍ لأردوغان والإرث العثماني في لبنان؛ حين استنكر المفتي السابق، محمد قباني، تصريحات الإعلامي نيشان بشأن أردوغان، واستقبل وفوداً شعبية في هذا الصدد.

وفي سياق متّصل؛ بارك عدد من رجال الدين تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، وألقى الشيخ ماهر الجارودي، خطبة جمعة أشاد فيها بالقرار، ووصفه بأنّه "بارقة أمل للمسلمين".

وقبل ذلك؛ تصدّى رجال الدين للرئيس اللبناني، ميشال عون، حين هاجم الدولة العثمانية، واستنكر أمين دار الفتوى اللبنانية، أمين الكردي، كلام الرئيس، ومجّد العثمانيين من على منبر مسجدٍ في بيروت.

كما خصّص عددٌ من خطباء المساجد خطبة الجمعة للرّد على الرئيس عون، في بيروت والبقاع وصيدا وإقليم الخروب، كما شهدت طرابلس مظاهراتٍ للمصلين عقب إحدى الجُمع، ردّاً على الرئيس عون.

وأكّد الباحث شعت، أنّ "التواجد التركي في لبنان سيغذّي الصراع الطائفي؛ لأنّ تركيا تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها فيه، عبر تفكيك الدولة، ولن يتمّ ذلك إلّا عبر تغذية الطائفية، لصناعة العنف".

اقرأ أيضاً: تركيا: أوهام السلاطين

وكان الرئيس اللبناني قد هاجم الدولة العثمانية، في الاحتفال بالذكرى المئويّة لاستقلال لبنان عنها، في أيلول (سبتمبر) العام الماضي، واتّهمها بتزكية الطائفية، وقتل مئات الآلاف من اللبنانيين في الحرب العالمية الأولى، وقد تسبّبت تصريحاته، وتصريحات أخرى صدرت عن الخارجية التركية في أزمة دبلوماسية بين البلدين.

الصفحة الرئيسية