عبد الجواد ياسين: مايسترو الارتحال

عبد الجواد ياسين: مايسترو الارتحال

مشاهدة

30/06/2018

يجلس على مكتبه، بهدوئه المعتاد، وتروّيه في الحركة، الإضاءة الخافتة تُدخله في غاره الخاص. للظلام جلاله، وكذلك الاقتراب منه، السير في اتجاهه، عكس اتجاه الضوء الذي يغشى العين، وربما العقل. ينظر للدرج الأول في مكتبه، وهو مُغلَقٌ، يشعر بحاجة ماسة إلى فتحه الآن واستخراج الصورة. يشعر بصمت أبيه يناديه. ينظر أمام المكتب، لأعلى قليلًا، جهة اليمين. الصورة لرجلٍ حَسِبَه أحد أصدقائه –يوم كان يجلس معه في زيارةٍ ما– فيلسوفاً أوروبياً. الصورة لرجل يجلس على كرسي من الطراز العتيق، الثمين. شعره ينتشر بأريحية في النصف الخلفي من رأسه فقط، مُصَفَّف بعناية. ذقنٌ أوروبية متوسطة الطول، تَمَّ تشذيبها على مهلٍ، واضعاً قدماً فوق الأخرى، وممسكاً بكتابٍ بين يديه ينظر لصفحاته من خلال نظارة ذات إطار سميك، باللون الغامق. بدا وكأنه قد تجاوز حدود التفكير في المكتوب للتأمل فيه.

الله والأخلاق وجهان لعملة واحدة فالله يُفْهَم ولا يُفْهَم إلا من جهة كونه مفارقاً لعالمنا

كان هو السبب في حسم قرار صاحبنا بالعمل في السلك القضائي بعد تخرجه عام 1976 من كلية الحقوق. بحسب تشارلز بوكوفسكي، يظل الأب معلمك حتى حينما يموت. يخبره صديقه أنه قد لاحظ أن جلسته تشبه جلسة أبيه تماماً حينما أمسك بكتابٍ لينقده، يخبره كذلك أن ظهره كان مستقيماً، تقريباً بنفس زاوية الميل الضئيلة في صورة والده. انشغل بالكتاب ولم يُعَلِّق.

"خياراتي محدودة. أستطيع البقاء ساكتًا، أو أستطيع الحديث عن أشياء لا يمكن الوثوق بها. أو على أعلى تقدير، أريدُ أن أضعَ الوقائع، أعرضها بأكبر صراحة ممكنة، وأجعلها تقول ما لديها. ولكن حتى الوقائع قد لا تقول الحقيقة دائمًا".
الآن يفتحُ الدرج، يبحث بيده لثانيتين ثم يُخْرِج صورة. فيها ثلاثة أشخاص، صاحبنا وفرج فودة (يجلسان على نفس الامتداد الطولي للمائدة التي يضع فودة يده اليسرى عليها، نفس اليد التي تُمسك بسيجارة. الابتسامة ظاهرة كالعادة على وجه فودة برغم أنه لا يقصد النظر إلى الكاميرا) وشخص آخر. يتذكر لحظتها، قبل يومين على أقصى تقدير من اغتيال فرج فودة، أنّ فودة لم يكن يريد أن يتركه ليلتها. بعد يومين عرِفَ الخبر وغَلّفه حزنٌ عميقٌ، لعلّ صوته لا يزال يكتسي به للآن موجِّهاً أحباله الصوتية كمايسترو لمقطوعة موسيقية مُفْعَمَة بالشَّجنِ. كتب عنه في كتابه المنسوخ (فكرًا) ما يلي: "يدعى د. فرج فودة، تشهد بطاقته الرسمية بأنه وُلِدَ لأبوين مسلمين" . بعدها أخبره فودة: "تقول عني (يُدعى) وكأنك لا تعرفني". ضحك صاحبنا كثيراً لأنه بدا وكأن هذا هو المأخذ الوحيد لفودة عليه. يخبرني بهذه الحكاية ضاحكاً برغم الحزن العميق الذي يدوي في جنبات ذاته.

الهدف هو تحرير الله من اللاهوت وتحرير البشر من الخطابات التي تعالت لتلمس سماوات القداسة

يُعيدُ الصورة لمكانها في الدرج. يُغْلِقه بهدوءٍ شديدٍ كأنه لا يريد لفودة أن ينزعج أكثر من ذلك. يُرَتِّبُ مجموعة الأقلام الرصاص على مكتبه كما يفعل دومًا.

أقول له: أقف بكل قوة ضد التصور القديم للعلاقة بين الذاكرة والخيال الذي يرى أن الذاكرة حين يتم اختزالها إلى استذكار، فإنها تعمل بالتالي في سياق الخيال. ولكن الفكرة الرئيسية، التي أراها مناط النقد ومدار اشتغاله تتعلق بوجود "اختلاف نستطيع أنْ نقول إنه جوهري بين استهدافين، قصديتين: إحداهما، وهي قصدية الخيال تتجه نحو الوهمي، القصصي، غير الحقيقي وغير الواقعي، والممكن واليوتوبي، والأخرى، وهي قصدية الذاكرة، تتجه نحو الحقيقة السابقة، الواقع السابق، وتُشكِّل السبقية الزمنية بامتياز "للشيء المتذكَّر"، "للمتذكر" بوصفه كذلك".
ينظر لي. يعلن موافقته بإيماءة من رأسه.

على المستوى الفكري، يقول صاحبنا إنه يريد لحياته أن تتجسد فيها المبادئ التي يؤمن بها. أثبت ذلك في سنته الأولى بالجامعة حينما شارك في حركة المعارضة الطلابية عام 1972. كان شاغله الأكبر "الحرية". وأوضح صور تمثلها في الواقع ما هو إلا الحرية السياسية. في عام 1986 صدر كتابه "المقدمة" السالف الذكر، وهو في أصله، وفي قلبه، يحمل همَّ فكرة الحرية؛ حرية هيمنة الله على الدولة، وإيمان المجتمع بذلك. مجتمع يتحول من جاهليته إلى عبادة الله الحق هو مجتمع يتحرر بالله ويحرره في آنٍ.

لا بد أنْ يكون هدف الإنسان التجاوزَ على الدوام حين يتوقف عن فعل ذلك يكون قد حكم على نفسه بالموت

بدا الإسلام له، والله في المركز منه، كجبلٍ لا يمكن التنازل عن أصغر حجارة تستقر عليه. ويلزم على هذا المجتمع أن يقبل بالجبل كله بدون التخلّي أو التكاسل عن الإمساك بأصغر وحدة بنيوية فيه، وإلا فهو الشرك، والوقوع في مصائد الجاهلية التي تحيق به من كل جانب. حتى وقت كتابة الكتاب، رأى صاحبنا أن الإسلام هو أعظم "إمكان مُختَنِق" بيد المسلمين أنفسهم. ويلزم تحريره لتتحققَ ربَّانية الدولة واجتماعها. كان الكتاب دَعَوياً بالأساس، ولذلك لم يخلُ من فنون الأدب والممارسة بالخطابة بجانب الذخيرة القانونية التي اكتسبها صاحبنا بفضل دراسته.

في الفترة التي تبلور فيها مشروع "السلطة في الإسلام" بجزأيه المنشورين عامي 1998 و2009، ابتعد صاحبنا كثيراً عن رؤيته الأولى، وصار مشرط النقد يعمل في كل الاتجاهات الإيديولوجية، من أكثرها راديكالية (السلفية الجهادية) ليصل لتلك التي تحاجج بأنها ذات انتماء كوني، تسامحي تعددي (الرؤية العلمانية بشكل عام).
في كتابه الأخير، أقصد "الدين والتدين" الصادر عام 2012، بدا وكأننا نتحدث عن شخصين، أحدهما آمن يوماً بهيمنة الشريعة، ويرى الآخر إمكانية تجاوز أي تشريع بصرف النظر عن مصدره. احتاج الأمر لكثير من السعي لتعميق الأفكار، وكسر كل الأسوار الإيديولوجية للنظر لما يقبع ويكمن خلفها. اتضح له أن الدين لا تجمعه علاقة مع التشريع إلا من جهة كونهما يتبلوران وينوجدان في "الاجتماع"، لا أكثر ولا أقل. وفي حسمٍ تام، فإن التشريع لا ينتمي للدين في ذاته.

على المستوى الوجودي، يقول صاحبنا إنه قد حسم مسألة وجود الله بشكل إيجابي. استغرق الأمر منه أحد عشر عاماً على الأقل، متنقلاً بين الدين في صوره الأوّلية، مروراً بأنظمة اللاهوت المُركَّبة حتى تجلياتها التوحيدية، ووصولاً للتفكير في الله بأطلقة كاملة. الله والأخلاق وجهان لعملة واحدة. الله يُفْهَم ولا يُفْهَم – في آنٍ - إلا من جهة كونه مفارقاً لعالمنا. والأخلاق لا تُمارس إلا لكونها أخلاقاً، بدون انتظار مقابل ما، بدون انتفاعية أو مصلحة شخصية أو جماعية على المستوى السياسي.

صارت الفلسفة وعلم الاجتماع يحتلان جزءاً كبيراً من إنتاجه الفكري؛ فالاجتماع هو نقطة البدء لفهم الدين والتدين. الدخول لمسألة الدين الآن، عنده، صار يتطلب استيعاب أكبر قدر ممكن من العلوم الإنسانية وتوظيفها لخلق تفسير جديد، ومُتَجاوِز.
الانشغال الآن صار متعلقاً بفهم وتحليل الكيفيات التي يتواصل من خلالها الإنساني مع المقدس والعكس كذلك صحيح. لا بد من فهم الهياكل اللاهوتية المُشَيَّدة إنسانياً والتي تَدَّعي أنها أحاطت بالله في كُليَّته وتعاليه.
الهدف هو تحرير الله من اللاهوت، وتحرير البشر من الخطابات التي تعالت لتلمس سماوات القداسة، وتستقر هناك، وتكتسي بها، بفعل التاريخ، والسلطة.
يصير الله ماضيًا معلومًا بالكلية حين ندَّعي الإحاطة به، بينما يتحقق له دوام الحضور الخلّاق حينما نحرره من براثن الخطابات التاريخية المصاغة حوله، خطابات اللاهوت. تحرير البشر ينبع من حقيقة أن الله خارج التاريخ، وبالتالي فهناك – على الدوام – إمكانات للتعالي الحُر في سبيله، سعيًا للاقتراب.
يغادر مكتبه. يسير خطوتين ليجلس أسفل صورة أبيه. يقول بينما يضع قدماً على قدم:
"لا بد أن يكون هدف الإنسان التجاوزَ على الدوام. حين يتوقف عن فعل ذلك، فإنه يكون قد حكم على نفسه بالموت قبل أن يموت".

الصفحة الرئيسية