
مرّ عامان منذ أن بدأت الحرب التي وصفت بأنّها الأشد قسوة في تاريخ غزة، عامان من الركام والرماد، من الصور التي لم تغادر الذاكرة، ومن الأسئلة التي لا تجد جوابًا: فهل استثنى الفقد أحدًا في غزة؟
ورغم مرور كلّ هذا الوقت، ما تزال رائحة البارود والدم العالق في الجدران تذكّر سكان القطاع بأنّ الفقد لم يستثنِ أحدًا.
ووفق إحصائية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي بمناسبة مرور عامين كاملين (730 يومًا) على الحرب على غزة، فإنّ 90% نسبة الدمار الشامل الذي أحدثه الاحتلال في قطاع غزة، و((200 ألف طن من المتفجرات ألقاها الاحتلال على قطاع غزة، وما يزال هناك (9500) من المفقودين، منهم شهداء ما زالوا تحت الأنقاض، أو مصيرهم ما زال مجهولًا.
وتعرّضت (39022) أسرة للمجازر من الاحتلال "الإسرائيلي، وأبيدت (2700) أسرة، ومُسحت من السجل المدني، بعدد (8574) شهيداً، في حين أنّ 55% من الشهداء هم من الأطفال والنساء والمسنّين.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في تشرين الأول (أكتوبر) الجاري: إنّ عامين من القصف والقتال أسفرا عن كارثة إنسانية شاملة في غزة، حيث تم الإبلاغ عن مقتل وإصابة أكثر من (64) ألف طفل، إلى جانب تدمير واسع للمنازل والمستشفيات والمدارس، وانهيار الخدمات الأساسية في معظم مناطق القطاع، ممّا جعل حجم الاحتياجات الإنسانية هائلًا وغير مسبوق.
ذاكرة بلا حدود
في حي الشجاعية شرق مدينة غزة تجلس الفلسطينية لما البطش (53 عامًا) على بقايا جدار بيتها الذي كان يحتضن أربعة أجيال من العائلة.
تقول البطش بصوت حزين: "هنا كان باب البيت، وهنا المطبخ الذي كنت أعدّ فيه فطور أولادي، فكنت أظن أنّي سأعود بعد انتهاء الحرب، لكنّي عدت لأجد فقط صورهم معلقة على الركام".
وتضيف: "لم يبقَ لنا إلا هذا الجدار، هو الشاهد الوحيد على كل من رحل، دُفن ابني تحت الركام، ولم أجد سوى يده، عامان مرّا، لكنّ قلبي ما زال تحت تلك الحجارة".
البطش: الحي الذي كان يعجّ بالحياة تحوّل إلى مساحة صامتة، والأطفال الذين نجوا من الموت يحملون اليوم في وجوههم ملامح أكبر من أعمارهم
وقد فقدت البطش ثلاثة من أبنائها وزوجها في قصف واحد، ورغم مرور عامين، ما زالت تزور المكان كل صباح، تجمع حجارة صغيرة وتضعها في كيس قماش.
وتوضح: "أحيانًا أستيقظ ولا أصدق أنّني على قيد الحياة، فأقول لنفسي لقد نجا جسدي، لكنّ قلبي مات منذ زمن، فالفقد هنا لم يترك بيتًا بغزة إلا زاره، ولم يفرّق بين طفل ومُسن".
وتتابع: "الحي الذي كان يعجّ بالحياة تحوّل إلى مساحة صامتة، والأطفال الذين نجوا من الموت يحملون اليوم في وجوههم ملامح أكبر من أعمارهم".
وتؤكد البطش: "كلّ حجر هنا له قصة، ولا أستطيع أن أترك المكان والحي الذي ترعرعت بداخله، الفقد لم يكن فقط فقد العائلة، بل فقد التاريخ الشخصي والمستقبل معًا".
من الفقد إلى الصمود
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، تقف المسنّة وصفية طوطح التي تضع على رأسها وشاحًا أسود غطّاه غبار الركام، وتمسك بيدها صورة متآكلة لأبنائها الخمسة الذين قتلوا خلال الحرب، أمام ما تبقى من منزلها الذي قصفه الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب، وتقول: "كنت أعدّ الغداء لهم، في لحظة واحدة انقلب كل شيء، لم أسمع الانفجار، فقط وجدت نفسي تحت الجدار، عندما أخرجوني، كانوا جميعًا صامتين".
وتضيف طوطح (64 عامًا) بصوت خافت: "هنا كان فراشهم، منذ عامين وأنا أحضر كل يوم لأجلس معهم، أتكلم، وأبكي، وأعود إلى الخيمة، إنّنا لا نملك شيئًا، فالفقد صار رفيقنا الوحيد، حتى النوم لم يعد يأتي".
وتتابع: "أنا فقدت بيتي، وكل أبنائي، وأصبحت أعيش بين الخيام، لكنّ أكثر ما يؤلمني أنّني فقدت نفسي، فلا أضحك، ولا أفرح، ولا أرى معنى لأيّ شيء".
وتعيش طوطح اليوم مع زوجها المصاب في خيمة من القماش قرب مستشفى الشفاء.
وتوضح: "ربما أخذوا منّا كل شيء، لكنّهم لم يأخذوا قدرتنا على الحلم، فنحن أحياء لأننا نرفض أن نموت من الداخل، لكن ما لم تستطع الحرب أن تقتله هو ذلك الإصرار الهادئ على الحياة".
طوطح (64 عامًا) بصوت خافت: هنا كان فراشهم، منذ عامين وأنا أحضر كل يوم لأجلس معهم، أتكلم، وأبكي، وأعود إلى الخيمة، إنّنا لا نملك شيئًا، فالفقد صار رفيقنا الوحيد، حتى النوم لم يعد يأتي.
وتؤكّد طوطح: "قد يقتلوننا جميعًا، لكنّهم لن يقتلوا ذاكرتنا، نحن شعب لا يموت مرتين، موضحة: "حين دفنت آخر أبنائي، لم أبكِ، فقد شعرت بأنّ الدموع لم تعد تليق بهذا القدر من الفقد".
ذاكرة لا تُمحى
وفي داخل خيمتها البالية بدير البلح وسط قطاع غزة تجلس الفلسطينية خلود الهسي (38 عامًا)، على مقعد بلاستيكي، وبدأت حديثها قائلة: "قصف الاحتلال منزلي ليلًا، عندما هممت بتحضير وجبة العشاء، وفجأة وإذ بالمنزل بات كومة من اللهب، فاستيقظت وأنا تحت الركام، وما سمعت إلا صراخ زوجي وأبنائي الخمسة، لقد فقدت زوجي واثنين من أبنائي في لحظة".
وتضيف الهسي: "لم أجد إلا نصف جسد ابني فقط، وبقي جسد زوجي و(2) من أبنائي تحت ركام المنزل حتى اللحظة، فأنا لم أفقد عائلتي فقط، بل فقدت نفسي، حتى عندما أخلد إلى النوم أحلم بما حصل، حتى صارت الأحلام تحت الأنقاض".
وتعيش الهسي اليوم مع أبنائها الذين نجوا من الموت، وتقول: "الوجع لا يذهب، لكن لا بدّ للحياة أن تمضي، فما زلت أتمسك بالحكاية، وهي الشيء الوحيد الذي لم يُقصف بعد".
وتوضح: "ما زلت على قيد الحياة، لكنّني أمشى بين الناس دون الشعور بأيّ شيء، وكأنّني ظل يسير على الأرض، فأنا أخاف من النسيان أكثر من الموت، لأنّ النسيان يعني أنّ ما حدث يمكن أن يتكرر".
وتؤكّد الهسي أنّ "الناس تظنّ أنّ الناجين محظوظون، لكننا نحن الموتى الحقيقيون، فقط لم ندفن بعد، فلا بيت، ولا جيران، ولا أصوات، غزة أصبحت مدينة صامتة إلا من البكاء".
صدمة طويلة المدى
يرى استشاري الطب النفسي بمستشفى الصحة النفسية الدكتور رياض المنسي أنّه "بعد مرور عامين على الحرب، يعيش غالبية السكان في غزة حالة صدمة طويلة المدى، وذلك بفعل تراكم ضغوط حادة كالخوف المزمن، وفقدان الأمان، والحزن المستمر، والاكتئاب، واضطرابات القلق، إضافة إلى اضطرابات النوم".
وقول المنسي: "المجتمع الغزي يعيش في صدمة جماعية حتى الآن، التي أثرت على بنية المجتمع كلها من عائلات، ومدارس، ومؤسسات، وقد أنتج ذلك نمطًا من التجاوب النفسي الجماعي الذي يتجلّى في الشعور بالخسارة المشتركة".
ويضيف: "من أبرز التغييرات النفسية التي لوحظت على السكان في غزة منذ الإبادة حتى اليوم، ارتفاع معدلات أعراض ما بعد الصدمة، وتزايد العنف الأسري، وفقدان الرغبة في التخطيط للمستقبل، وزيادة في السلوكيات المهيّأة للانسحاب الاجتماعي، وتغيرات معرفية مثل صعوبات التركيز والذاكرة".
ويوضح المنسي: "هناك فرق في التأثر النفسي بين من فقدوا عائلاتهم ومن نجوا دون فقد مباشر، فالفقد المباشر يزيد من خطر الإصابة بمشاكل نفسية حادة، وأنّ الناجين الذين لم يفقدوا أحدًا غالبًا ما يعانون من صدمات ثانوية تجعل حالتهم شديدة، فجميع السكان في غزة متأثرون، لكنّ الخسارة المباشرة تزيد الأثر وتطيل فترة التعافي".
ويبيّن المنسي أنّ "الحرب أثرت بشكل مباشر على نفسية الأطفال الذين عاشوا القصف أو فقدوا أسرهم، حيث ظهرت عليهم أعراض كاضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات سلوكية عدوانية وانطوائية، والخلل في التطور الاجتماعي والتعليم، مع احتمالية تطور مشكلات نفسية طويلة الأمد، إن لم يُعالَجوا مبكرًا".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84_6_2_0_0.jpg.webp?itok=bXmPMgmE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=woqFOs9E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/se2eSzBtgtZRvochpXWXHRd8zJBTdSWUjbrvDt0HXmgf6oUX8IJbzzaVjDswDs5fNPFP8F2YCXmj1QoaVi7cvkkCLIDn4lgzNlP5Fb1m1yxn_6_MonFxDiYg9RD7QPKpOqQ76LD1Y5aT7WMJxmzBKZdrEuyHdbh_kree1NSzAlBQqGvzJiK_H5thQehOLXXq%20%281%29.jpg.webp?itok=ybPL0QY1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/CoGHKdHI0A1hPADsf1xvDHVYJqUe203-L3Pi6M4DItYuTY-LBYbdxBlWhxyVw5eFpyA77EhAFTia-ZJfwN_pPc-dT2jAvVSmof1AU4jW-RzbK6tUu3zl53R8QNE4uB11Ku6-xRExeteqGE4nrU0FKMjgD-qSsmdO2ta_bQ1psS94XeIDmHXni2TQvZ9guYV4.jpg.webp?itok=d3qSl9vR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

