قوارب من أبواب الثلاجات... صيادو غزة يتحدون الحرب بالابتكار

قوارب من أبواب الثلاجات... صيادو غزة يتحدون الحرب بالابتكار

قوارب من أبواب الثلاجات... صيادو غزة يتحدون الحرب بالابتكار


06/10/2026

مع تدمير قوارب ومعدات الصيد خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لجأ صيادون إلى إعادة استخدام مواد متروكة، بينها أبواب الثلاجات وقطع الخشب والبراميل، لصناعة قوارب صغيرة تساعدهم على العودة إلى العمل بأقلّ الإمكانات المتاحة.

ولم تترك الحرب لصيادي غزة سوى البحر وذاكرة قوارب دمرها القصف، لكنّ بعضهم رفض أن يفقد مهنته، وعلى الشاطئ تحولت أبواب الثلاجات وقطع الخشب والبراميل إلى قوارب بدائية، تحملهم إلى الماء بحثاً عن رزق شحيح، في محاولة لاستعادة مصدر دخل أنهكته الحرب.

ووفق منظمة الأغذية والزراعة فإنّ أكثر من 6 آلاف شخص كانوا يعتمدون على قطاع الصيد في غزة قبل الحرب، بينهم نحو 4200 صياد ومالك قارب مسجل، وكان القطاع يوفر مصدر دخل لنحو 110 آلاف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة.

وبين أكتوبر 2023 وأبريل 2024، انخفض متوسط الصيد اليومي إلى 7.3% فقط من مستواه عام 2022، ممّا تسبب في خسائر إنتاجية قدرتها منظمة الأغذية والزراعة "فاو" بنحو 17.5 مليون دولار.

وتشير تقديرات أممية إلى أنّ خسائر قطاع الصيد شملت 94% من سفن الجر، و100% من السفن الكبيرة، و62% من السفن الصغيرة، و71% من سفن الخيوط الطويلة والشباك الثابتة، و70% من الفلوكات، وتعرضت 270 محطة من أصل 300 محطة للصيادين للدمار أو الهجوم، وفق بيانات وزارة الزراعة في غزة نقلتها الأمم المتحدة.

وبحسب الأمم المتحدة، أدى تدمير القطاع إلى فقدان نحو 4600 طن من الإنتاج السمكي سنوياً، وتوقفت مزارع الأسماك التي كانت تنتج قرابة 600 طن سنوياً. 

وبين 7 أكتوبر 2023 و31 ديسمبر 2024، وثقت الأمم المتحدة 28 هجوماً على الصيادين ومواقع الصيد، وأفادت وزارة الزراعة بمقتل 200 صياد وعامل مرتبط بالمهنة حتى 11 ديسمبر 2024.

وفي تقرير لرويترز في يونيو 2026، قال صيادون إنّ سعر كيلوغرام الألياف الزجاجية ارتفع من نحو 50ـ60 شيكل قبل الحرب إلى قرابة 800 شيكل، ممّا دفع ورشاً في غزة إلى إصلاح القوارب بمواد مستعادة، بينها الخشب وإطارات الأبواب.

الابتكار من قلب الحاجة

يقول الصياد أحمد مقداد (36 عاماً): "لم نعد نملك القدرة على شراء قارب جديد، بعدما دمرت القوارب وارتفعت الأسعار، لذلك بدأنا نستخدم ما نجده حولنا من أبواب الثلاجات والخشب والبراميل، ونحاول جمعها بطريقة تساعدها على الطفو، مؤكداً أنّ "الفكرة جاءت من الحاجة إلى العمل والاستمرار في إعالة الأسر".

ويشرح مقداد أنّ أبواب الثلاجات أصبحت مادة يمكن الاستفادة منها بعد تدعيمها بقطع أخرى، قائلاً: "نحن نبحث عن أيّ شيء يمكن أن يساعدنا، فالباب الذي كان جزءاً من ثلاجة أصبح جزءاً من قارب، والخشب المتبقي من المنازل أصبح وسيلة للعودة إلى البحر،  وهي حلول مؤقتة فرضتها ظروف الحرب ونقص الإمكانات".

ولا تخلو هذه القوارب من المخاطر، فهي أقلّ ثباتاً من القوارب التقليدية وتحتاج إلى حذر شديد، ويتابع مقداد: "نختبر القارب قبل النزول ونحاول التأكد من ثباته، ونبقى قريبين من الشاطئ، ونعرف أنّه ليس آمناً كالقارب التقليدي، لكنّ فقدان مصدر الرزق لا يترك لنا خيارات كثيرة".

ويستعيد مقداد خسارته لقاربه، قائلاً: "كنت أعتني بقاربي كما أعتني ببيتي، لأنّه مصدر رزقي ورزق عائلتي، وعندما دُمّر شعرت أنّ سنوات من التعب اختفت في لحظة، مضيفاً أنّ "الخسارة دفعت الصيادين إلى البحث عن وسائل جديدة بدل التخلي عن مهنتهم".

ومع تكرار المحاولات، تعلم الصيادون كيفية إعادة استخدام المواد المتاحة وإصلاحها، ويتابع مقداد: "الحرب علمتنا أن نصلح ونركب ونجرب بأنفسنا، وإذا لم تنجح طريقة، نعيد تفكيكها ونحاول من جديد"، وهكذا تحولت مواد مهملة إلى أدوات تساعدهم على استعادة جزء من مصدر رزقهم.

ويؤكد أنّ العودة إلى البحر لا تعني انتهاء معاناة الصيادين، إذ يواجهون نقص الشباك والمعدات وارتفاع التكاليف ومخاطر العمل، ويتابع: "لا نريد رفاهية، نريد قارباً آمناً وشبكة جيدة لنطعم أبناءنا ونعود إلى بيوتنا سالمين".

ويرى مقداد أنّ "إنقاذ قطاع الصيد يحتاج إلى إعادة تأهيل القوارب والمعدات والمرافئ، إلى جانب توفير الدعم اللازم للصيادين وتمكينهم من استعادة قدرتهم على العمل ومواصلة مهنتهم في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب".

قارب من أجل البقاء

هذه الحال لا تختلف لدى الصياد خليل حسونة الذي يقول إنّ "فكرة صناعة القارب بدأت من الحاجة لا من الرفاهية، وبعد تدمير القوارب، أصبح شراء قارب جديد أمراً شبه مستحيل، وبدأنا ننظر إلى الأشياء الموجودة حولنا بطريقة مختلفة، فما كان يُرمى في السابق أصبح بالنسبة إلينا مادة يمكن استخدامها".

ويضيف حسونة (33 عاماً) أنّ "الصيادين يعتمدون على التجربة والخبرة اليدوية في تثبيت القطع وربطها لضمان قدرتها على الطفو، مبيناً أنّ القارب البديل لا يشبه القوارب التي اعتاد الصيادون استخدامها قبل الحرب، لكنّه يمنحهم فرصة للاستمرار".

ويوضح: "نعرف أنّ هذه القوارب محدودة، ولا نستطيع الاعتماد عليها في كل الظروف، لكنّها أفضل من الجلوس بلا عمل، ونحاول أن نذهب إلى البحر لمسافات قريبة، ونعود قبل أن تتغير حالة البحر".

ويتابع أنّ "أكبر تحدّ لا يتمثل في صناعة القارب فقط، وإنّما في توفير أدوات الصيد نفسها، بعدما فقد كثير من الصيادين شباكهم ومحركاتهم ومعداتهم، حتى لو صنعت قارباً، ماذا ستفعل من دون شبكة أو محرك أو أدوات؟ نحن نحاول جمع كل شيء قطعة قطعة، وأحياناً نصلح شبكة قديمة بدل شراء أخرى جديدة".

ويرى حسونة أنّ "إعادة استخدام مخلفات الحرب أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للصيادين، بعدما اضطروا إلى تحويل المواد المهملة إلى أدوات قابلة للاستعمال، كما أنّ الحرب جعلتنا نفكر بطريقة مختلفة، ولم يعد هناك شيء اسمه خردة بالكامل، وأيّ قطعة يمكن أن يكون لها استخدام إذا عرفنا كيف نستفيد منها".

ورغم بساطة القوارب، فإنّ العودة إلى البحر تمنح الصيادين فرصة للحصول على دخل ولو كان محدوداً، في ظل تراجع مصادر الرزق وارتفاع تكاليف المعيشة، ويواصل حسونة: "نحن لا نخرج للصيد لأنّ الظروف آمنة أو سهلة، بل لأنّ عائلاتنا تحتاج إلى الطعام، والصياد يريد أن يعود إلى عمله، حتى لو اضطر إلى إصلاح قاربه بيديه كل يوم".

ويوضح أنّ ما يحتاجه الصيادون اليوم هو إعادة بناء قطاع الصيد بصورة تضمن لهم أدوات ومراكب آمنة، بدل الاعتماد الدائم على حلول مؤقتة، ويقول: "نريد أن نعود إلى القوارب الحقيقية، وما نصنعه الآن يساعدنا على الصمود، لكنّه ليس بديلاً عن حياة طبيعية ومستقرة".

وفي نهاية يومه، ينظر حسونة إلى القارب الصغير بوصفه أكثر من وسيلة للصيد، إنّه دليل على محاولة استعادة مهنة تضررت بشدة بفعل الحرب، ويؤكد: "قد يكون القارب بسيطاً، لكنّه بالنسبة إلينا يعني أنّ البحر ما زال مفتوحاً أمام الأمل".

قطاع تحت الركام 

من جانبه، يصف رئيس النقابة العامة للعاملين في الصيد والإنتاج البحري، زكريا بكر، حجم الخسائر التي لحقت بالقطاع بأنّه غير مسبوق، موضحاً أنّ "القصف البحري والجوي أدى إلى تدمير أكثر من 95% من قطاع الصيد في غزة، بعدما أصابت الأضرار القوارب ومعدات العمل والمنشآت المرتبطة بالمهنة".

ويضيف بكر أنّ "ما كان لسنوات استهدافاً متدرجاً للصيادين ومصادر رزقهم، تحول خلال الحرب إلى دمار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، ومع فقدان أعداد كبيرة من القوارب، وجد الصيادون أنفسهم أمام خيارات محدودة لاستمرار العمل".

ويتابع أنّ "الصيادين لجؤوا إلى تصنيع وسائل بديلة من مواد متاحة في بيئتهم، مثل أبواب الثلاجات وألواح الفلين وقطع الأخشاب، مشيراً إلى أنّ "ندرة القوارب الصغيرة وارتفاع أسعارها جعلا الحصول عليها أمراً بالغ الصعوبة، واضطر الصيادون إلى الاستعاضة عن معدات الإضاءة التقليدية بالبطاريات ومصابيح LED، في محاولة للحفاظ على مصدر دخلهم رغم قسوة الظروف".

لكنّ هذه الوسائل، بحسب بكر، لا توفر الحدّ الأدنى من الأمان المطلوب للعمل في البحر، خصوصاً مع اشتداد الرياح وارتفاع الأمواج خلال فصل الشتاء، محذراً من أنّ هشاشتها قد تعرّض حياة الصيادين للخطر، لافتاً إلى وقوع حوادث انقلبت خلالها بعض القوارب والوسائل المصنوعة محلياً، وأسفرت عن سقوط ضحايا من العاملين في البحر.

ولا يرى بكر أنّ "الأزمة التي يعيشها الصيادون بدأت مع الحرب الأخيرة، إذ يشير إلى سنوات طويلة من القيود التي طالت القطاع، شملت ملاحقة الصيادين وإطلاق النار عليهم، ووقوع حالات قتل وإصابة، إلى جانب مصادرة القوارب أو تدميرها وعرقلة إدخال معدات ومستلزمات الصيد، غير أنّ الحرب، وفق تقديره، وسعت نطاق هذه الخسائر بصورة غير مسبوقة، لتنتقل من استهداف أجزاء من القطاع إلى ضرب معظم مقوماته الأساسية".

ويؤكد بكر أنّ "اعتماد الصيادين على هذه الحلول المؤقتة لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن القوارب والمعدات المهنية، بل هو إجراء اضطراري فرضه واقع الدمار، مضيفاً أنّ الصيادين لن يترددوا في التخلي عن هذه الوسائل والعودة إلى معداتهم المعتادة، متى توفرت مستلزمات الصيد وسمح لهم بالعمل في مساحة بحرية أوسع وأكثر أماناً".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية