طالبان تعلن الحرب على المدارس العلمانية... هل تستخدم "الهندسة الاجتماعية" لمحوها؟

طالبان تعلن الحرب على المدارس العلمانية... هل تستخدم "الهندسة الاجتماعية" لمحوها؟


04/07/2022

"العلم النور" قولٌ مأثور وحقيقة تحاول قوى التطرف وأدها ومحاربتها، حتى لو كان قدر هذا النور هو ما ينبعث من مشكاة صغيرة أو بالأحرى من مدرسة لا تتوافق مع ظلامهم الفكري وتشددهم، وهذا بالضبط ما تفعله حركة طالبان منذ استيلائها على السلطة في آب (أغسطس) الماضي، فقد أعلنت الحركة الأفغانية، التي تتبنّى تفسيراً أكثر تشدداً للإسلام ونصوص القرآن الكريم، الحرب ضد ما تُطلق عليه "المدارس العلمانية".

 ووفقاً لموقع إذاعة "آزادي" الأفغانية، فإنّ مدرسة "عبد الحي حبيبي" الثانوية، المجهزة بمختبر علوم ومكتبة ومختبر كمبيوتر، هي أحد الأدلة على تلك الحرب على التعليم، فقد كانت واحدة من أحدث المدارس الحكومية وأكثرها شهرة في مدينة خوست جنوب شرقي أفغانستان، وحولتها طالبان إلى "مدرسة دينية"، ممّا أجبر العديد من طلابها البالغ عددهم (6) آلاف طالب، و(130) معلماً على "المغادرة". ومدرسة "عبد الحي حبيبي" هي واحدة من بين عشرات المدارس الحكومية والجامعات العامة ومراكز التدريب المهني التي حولتها طالبان إلى مدارس إسلامية في جميع أنحاء البلاد.

 ونقل الموقع عن سين الله سيال، خريج المدرسة، قوله لإذاعة آزادي: "لقد أزعجت الناس، من الخطأ تحويل المدارس العلمانية إلى مدارس دينية."

استئصال شأفة التعليم العلماني

لم تنسَ حركة طالبان الأفغانية أنّ التعليم كان سبباً من أسباب الإطاحة بنظامها الأول في 2001، فعقدت العزم، بعد استيلائها على الحكم أواخر العام الماضي، على استئصال "جميع أشكال التعليم العلماني، الذي ازدهر في أفغانستان بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001"، وفق ما نقلت "آزادي" عن منتقدين.

المدارس الدينية لها مكانة خاصة في نظرة طالبان للعالم

 كانت مدرسة منوشهري الابتدائية في كابول من بين أوائل المدارس التي أعيد فتحها للفتيات بعد الغزو الأمريكي في عام 2001 والإطاحة بحكم طالبان، على حد قول هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، التي أشارت في أيلول (سبتمبر) الماضي؛ أي بعد شهر واحد من استيلاء الحركة الأفغانية على الحكم، إلى استغلال طالبان فزاعة "الوضع الأمني" لمنع النساء من العمل والفتيات من الذهاب إلى المدارس.

 كان تحويل نظام التعليم في أفغانستان أحد الأهداف الرئيسية لطالبان منذ استعادتها السلطة، فقد منعت الحركة الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية، وفرضت الفصل بين الجنسين وقواعد جديدة للزي في الجامعات الحكومية، وتعهدت بإصلاح المناهج الدراسية الوطنية.

شبكة من المدارس الدينية

المدارس الدينية لها مكانة خاصة في نظرة طالبان للعالم، على حدّ تعبير إذاعة "آزادي" الأفغانية، التي كشفت عن خطط الحركة الأفغانية لبناء شبكة واسعة من المدارس الدينية في جميع أنحاء مقاطعات البلاد البالغ عددها (34) مقاطعة.

 

الحركة الأفغانية التي تتبنّى تفسيراً أكثر تشدداً للإسلام ونصوص القرآن الكريم تبنّت الحرب ضد ما تُطلق عليه "المدارس العلمانية"

 

 وتعني كلمة "طالبان"، على وجه الخصوص، "طلاب المدارس". وتكونت الحركة من طلبة المدارس الدينية في باكستان بقيادة الملا محمد عمر خلال فترة التسعينيات. وخلال حكم طالبان الوحشي من 1996-2001، حظرت الجماعة التعليم العلماني واستبدلته بالتعليم الديني، الذي حرّم على الفتيات الذهاب إلى المدرسة والالتحاق بالجامعة. وخلال تمردها، الذي دام ما يقرب من (20) عاماً، أعادت طالبان تأسيس مدارسها في المناطق الريفية الخاضعة لسيطرتها، وقصفت وأحرقت المدارس العلمانية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

مأساة كبرى

لم تسلم مراكز تدريب المعلمين من مساعي حرب طالبان، فقد تحدث أكثر من مدرس عن تحويل مراكز تدريب المعلمين في كل مقاطعة إلى "مدارس جهادية" ومدارس دينية، ولا سيّما في مقاطعة بغلان الشمالية وإقليم كونار الشرقي، واعتبر مدرس في شرق أفغانستان "هذه مأساة كبرى، وترقى إلى حرب على التعليم، إنّ موقف طالبان من التعليم مدمّر".

 من جانبه، قال نور الله منير وزير التعليم في طالبان: إنّ التعليم الديني يمثل "أولوية" للجماعة. ونقلت عنه قناة "تولو نيوز" قوله: "لدينا (20) ألف مدرسة (علمانية) في أنحاء أفغانستان، لكن المدارس الدينية المسجلة لدى الإمارة الإسلامية لا تزيد عن (1000)".

 

مدرسة "عبد الحي حبيبي" الثانوية، المجهزة بمختبر علوم ومكتبة ومختبر كمبيوتر، هي أحد الأدلة على تلك الحرب على التعليم

 

 وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أعلنت الوزارة عن خطط لبناء مدارس دينية تديرها الدولة تستوعب (1000) طالب في كلّ محافظة.

 وفي تصريحات لإذاعة "آزادي"، قال عزيز أحمد ريان المتحدث باسم وزارة التربية في حكومة طالبان: إنّ "المزاعم بأنّنا نحوّل المدارس إلى مدارس دينية غير صحيحة"، زاعماً: "المدارس (العلمانية) مهمة في حدّ ذاتها".

 ونقلت وكالة "رويترز" عن دبلوماسيين غربيين قولهم الثلاثاء الماضي: إنّ نائب وزير التربية والتعليم الأفغاني سعيد أحمد شهيدخل ووزير التعليم العالي الأفغاني عبد الباقي بصير أوال شاه لم يعد مسموحاً لهما بالسفر إلى الخارج لإجراء أي محادثات سلام واستقرار، بعدما قرر مجلس الأمن إزالة اسميهما من الذين تم استثنائهم من قائمة العقوبات على طالبان. ويخضع العشرات من أعضاء طالبان منذ فترة طويلة لعقوبات الأمم المتحدة، لكن تمّ منح استثناء من حظر السفر لبعض القادة للسماح لهم بالمشاركة في محادثات السلام والاستقرار.

تكونت الحركة من طلبة المدارس الدينية في باكستان بقيادة الملا محمد عمر خلال فترة التسعينيات

 وتأتي هذه الخطوة، التي وافقت عليها بالإجماع لجنة عقوبات طالبان التابعة لمجلس الأمن، بعد أن تراجعت طالبان في آذار (مارس) عن تعهدها بفتح مدارس ثانوية للفتيات، قائلة: إنّها ستبقى مغلقة حتى يتم وضع خطة وفقاً للشريعة الإسلامية لإعادة فتحها.

 وأعربت الأمم المتحدة، في بيان على موقعها الرسمي على الإنترنت نهاية آذار (مارس) الماضي، عن "قلقها البالغ" إزاء تراجع حكومة طالبان عن تعهدها بفتح المدارس الثانوية أمام الفتيات في جميع أنحاء البلاد، بزعم انتظار صدور حكم بشأن الزي الرسمي الذي يجب أن ترتديه الفتيات.

 

كشفت "آزادي" عن خطط طالبان لبناء شبكة واسعة من المدارس الدينية في جميع أنحاء مقاطعات البلاد البالغ عددها (34) مقاطعة

 

 وشددت المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف ميشيل باشليت على أنّ "الحرمان من التعليم ينتهك حقوق الإنسان للنساء والفتيات، بالإضافة إلى حقهن المتساوي في التعليم، فإنّه يتركهن أكثر عرضة للعنف والفقر والاستغلال"، وعبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه الشديد لتعليق طالبان عودة الفتيات إلى المدرسة الثانوية، معتبراً أنّ "الحرمان من التعليم لا ينتهك الحقوق المتساوية للنساء والفتيات في التعليم فحسب، بل إنّه يُعرّض مستقبل البلاد للخطر أيضاً."

خطة لغسيل الأدمغة

في حين تدافع طالبان عن نشر التعليم الديني في أفغانستان لمنع الطلبة الأفغان من الحصول على ذلك النوع من التعليم الإسلامي من الخارج، اتهم الباحث الإسلامي محمد محيك حركة طالبان باستخدام "الهندسة الاجتماعية"، مشيراً إلى أنّ طالبان لديها خطة منهجية "لغسيل أدمغة" الجيل القادم في المدارس من خلال تقويض المدارس العلمانية.

  وقال محيك: "بهذه الطريقة يمكن (لطالبان) الاستمرار في تجنيد طلاب (المدرسة الدينية) ليكونوا جنودهم، وبناء نظام ثيوقراطي من العصور الوسطى".

مواضيع ذات صلة:

بعد قرار طالبان فرض البرقع... هل يتحرك المجتمع الدولي؟

مقاتلو طالبان يغيّرون أزياءهم، فهل يتغير تفكيرهم؟

داعش وطالبان.. تصاعد صراعات النفوذ والسيطرة



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية