صُنع الله إبراهيم.. الكاتب الذي جعل الكلمة سجناً للسلطة وحريةً للقارئ

صُنع الله إبراهيم.. الكاتب الذي جعل الكلمة سجناً للسلطة وحريةً للقارئ

صُنع الله إبراهيم.. الكاتب الذي جعل الكلمة سجناً للسلطة وحريةً للقارئ


14/08/2025

دخل كلية الحقوق بجامعة القاهرة وهو مشبع بأحلام العدالة والتحرر، فانخرط في صفوف اليسار، وشارك في الحراك السياسي الذي لم يرق للسلطة. في عام 1959، انغلقت خلفه أبواب السجن ليقضي خمس سنوات بين الجدران الباردة. لكنه لم يخرج مهزومًا؛ بل خرج بوعي أشد حدة، ورؤية أدركت أن السجن قد يكسر الجسد، لكنه قد يحرر الفكر.

أدب برائحة الشارع وصوت التاريخ

عام 1966، صعق المشهد الأدبي بروايته الأولى "تلك الرائحة"، نص قصير، لكنه لاذع كالسكين، يرصد اغتراب إنسان يعود من السجن إلى وطن تغيّر. منذ تلك اللحظة، صار واضحًا أن هذا الكاتب لن يكتب ليزين رفوف المكتبات، بل ليهز عقول القراء.
أسلوبه كان فريدًا: وثائق، أخبار، تقارير، كل ما هو ملموس وموثق، ينسج منه حبكة أدبية تكشف الواقع بجرأة الصحفي ودقة المؤرخ وخيال الروائي.

روايات بحجم الوطن

من "اللجنة" التي فضحت البيروقراطية، إلى "بيروت بيروت" التي التقطت جنون الحرب الأهلية، إلى "ذات" التي جعلت من حياة امرأة عادية مرآةً لخمسة عقود من تاريخ مصر، ظل صنع الله إبراهيم يكتب نصوصًا لا تهادن. وفي "شرف"، ذهب بعيدًا في تشريح الفساد الطبقي والانسحاق الإنساني داخل السجون. أما في "العمامة والقبعة" و*"التلصص"*، فقد تنقل بين التاريخ والذاكرة الشخصية، محافظًا على نفس الجرأة والوضوح.

المواقف التي صنعت الأسطورة

لم يكن صنع الله من أولئك الذين يفصلون بين الفن والموقف. في عام 2003، صعد إلى منصة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي، لكنه لم ينحنِ لشكر المانحين؛ بل أعلن رفضه للجائزة أمام الحاضرين، لأن السلطة التي تمنحها – كما قال – سلطة بلا مصداقية. هذه اللحظة صارت جزءًا من سيرته، مثل رواياته تمامًا، وأكدت أنه كاتب لا يبيع كلمته.

إرث لا يصدأ

على مدى عقود، ظل صنع الله إبراهيم شاهدًا ومؤرّخًا، لا للسلطة، بل للناس. أعماله تمزج السخرية السوداء بالواقع الملموس، وتعيد كتابة التاريخ من منظور المهمشين. كان يعرف أن الرواية ليست مجرد حكاية، بل وثيقة، وأن الكلمة الحرة قادرة على البقاء حتى بعد أن يرحل صاحبها.

ورحل صنع الله إبراهيم، لكن ما تركه سيظل شاهدًا على أن الأدب قد يكون أحيانًا أكثر خطرًا من أي معركة، وأكثر صدقًا من أي خطاب.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية