صور تنشرها "حفريات" للمرة الأولى: فضيحة لوحات بيكاسو تطارد واسيني الأعرج

صور تنشرها "حفريات" للمرة الأولى: فضيحة لوحات بيكاسو تطارد واسيني الأعرج

مشاهدة

31/12/2020

تؤكّد حيثيات موثّقة، حصلت عليها "حفريات"، "عدم صواب" ما أثاره الأديب الجزائريّ البارز واسيني الأعرج، بشأن حقيقة العثور على 7 من لوحات الفنان العالمي الإسباني، بابلو رويز بيكاسو (25 تشرين الأول (أكتوبر) 1881 – 8 نيسان (أبريل) 1973)، في منطقة مدريسة التابعة لمحافظة تيارت الجزائرية (340  كيلومتراً غرب العاصمة).

وفق مراجع تاريخيّة، أبدع بيكاسو 15 لوحة، أطلق عليها اسم "نساء الجزائر" عام 1955، تكريماً للرسّام الفرنسيّ، يوجين دولاكروا، الذي رسم لوحته الخالدة "نساء الجزائر العاصمة"، عام 1934، بيد أنّ الأعرج فضّل الحديث عن "سبع لوحات تحمل توقيع بيكاسو تعود إلى سنة 1944، وعثر عليها في منطقة مدريسة"، على حدّ ما ذهب إليه.

صور حصرية خاصة بـ"حفريات"

تصريحات واسيني الأعرج، المقيم بفرنسا، أشعلت منصات التواصل الاجتماعي، وطال الأمر موضوع بيكاسو/مدريسة في مباحثات فيسبوكية تكاد تتحوّل اليوم إلى محاكمات وتحقيقات شبه أمنية، يقوم بها مثقفون فيسبوكيون على طريقة تشبه الكلام عن أيّ منشور إشهاريّ لضحكات معتادة، قد يقولون أيّ شيء، وعن أيّ شيء، دون الرُّجوع إلى خيط المسألة الأوّل، والأكثر تعقيداً مما يتخيّلون، ذلك الخيط الذي يجعلك مرة تؤمن بوجود "هذا البيكاسو" في بلدة مدريسة من ولاية تيارت، ومرة ثانية تكفر بأنّه قد تنفّس ذات يوم من هواء هذه القرية الريفية الكولونيالية وبقاياها الخرباء في أيّامنا هذه!

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

يقول الأديب الجزائري، امحمد بن ديدة: "منذ 1988، وأنا طفل بعمر الثامنة، شغلتني لوحات النادي الرّيفي الفرنسي بمدريسة، ولأنني ترعرعت على عشقها في وسط لا تفارقه أدوات الرّسم واللوحات، وكنتُ أعرف من يومها الرّسام الذي تبنى قصة بيكاسو اليوم بمدريسة، وكلّ هذا الكبت الطفولي سينفجر في كتابي الموشك على الصدور بعنوان "أنا، وأشباح بيكاسو.. بلدة مدريسة؛ ذكريات مُهشـَّمَة"، في حقائق عميقة عن هذه القصّة اللعينة!".

شهادة حصرية لـ"حفريات"

وفي شهادته الحصرية، لـ "حفريات"، يبرز بن ديدة: "ما إن تقرأ طرحاً عن هذا الموضوع، حتى تتساءل، من أين أتت المعلومة الأولى التي استند عليها جميع هؤلاء، حتى يخرج بها إعلاميٌّ وأديب بارزَين على الساحة الثقافية، على أنّهما مفجّرا هذه القنبلة الخفية قبل أيّ عارف بها ؟ من نصّب فلاناً أو آخر، لتبنّي هذا الموضوع؟ أيُّ شرعية وهبها هذا لذاك كي يُحاكم الآخر في قضية ليس من السّهل الخوض فيها؛ لأنّ كلّ مزيَّف فيها يقترب من الحقيقة، وكلّ حقيقة تتكسّر حطاماً أمام لعنات التشعّب المكذوب، كأننا أمام قارئة فنجان تبصِّر لبيكاسو/مدريسة، وتلعن ضباب الماضي المجهول؟!".

ألعوبة

يتساءل أصيل العاصمة التاريخية للرسامين: "هل هو تحقيق أمني بوجه ثقافي يجري في الكواليس ونحن لا ندري؟ ويدفع بوجوه لتحريك القضية من حيث تدري أو لا تدري؟ تديره أيادٍ كانت عارفة  بالموضوع قبل عقد من الزمن، أو هي صانعة للحدث من أصله، و"الناصر مسعودي" ضحية، مجرّد ماريونات في أيدي المحرّكين، يأخذ نصيبه من اللعبة ثم ينسحب، أمّا رجل الظلّ فلا تظهر بصماته في اللعبة؟".

أسلوب واسيني الأعرج يغلب عليه في العموم، أنّه يتناول مواضيع بخصوص نساء التفـَفْنَ حول شخصية تاريخية، كحال كتابته لـ "نساء كازانوفا"

ويجزم بن ديدة: "إنّها واحدة من أكبر قضايا ألاعيب التقليد والاشتباه في الرؤى التاريخية، بين التصديق والتكذيب، خدمت الناصر بشهرة تزيد من لمعانه على طريقة اللصّ، جيمس موريارتي، في قصص شارلوك هولمز، وواسيني الأعرج على أنّه شيخ القضية وسائسها، مثل المحقق هاركيول بوارو، في روايات آغاثا كريستي!!".

صور حصرية خاصة بـ"حفريات"

ويضيف: "في حياتي لم أتألم لشيء مثل ألمي لسارق معلومة، ومتاجر بها، سواء كانت حقيقية أم افتراضية، هو الأمر الذي صدمني يوم نُشر موضوع بيكاسو/مدريسة، في الأيام القليلة الماضية، على صفحات التواصل الاجتماعي، وأنا أرقب ذلك من بعيد في صمت صادم، وكنت قد فارقت فيسبوك لأشهر قبل انفجار هذا الحدث في عام كورونا، الذي أتعب فينا عروق الثقة بهذا الوجود من الأصل، فظنّ الجميع أنني غائب إلى الأبد، وتحاملوا على سرقة الموضوع مني، وبتُّ أقلّب ذكرياتي لما هو لي قبل عشر سنوات مع هذه القضية، التي تكلّم عنها التلفزيون اليوم بشكل من التفجير الإعلامي الصاخب، في حصص ذائعة الصيت، متناسين أنّني أنا من قال للمرّة الأولى، في كتابي الذي تشهد عليه لليوم وثائق وشهود يمتلكون عشرات النسخ منه، بعنوان "مذكرات الحجر الأصّم"، لعام 2011، هذا الكلام في هامش الصفحة 63: "بالإمكان فتح ملفّ القضية من جديد لاسترجاع هذه اللوحات، وذلك بإشهارها إعلامياً كخطوة أولى"، وهذا ما يحدث بالضبط اليوم، لكن من يدير القضية في الكواليس؟ ومن يتستّر على " مذكرات الحجر"؟

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة

بيد أنه ظهر الموضوع جديداً، بما تبنّاه واسيني الأعرج، الرّوائي الجزائري المشهور، في حين أنّ كلّ من تكلّموا عن المعلومة في هذا الخصوص لم يذكروا مصدرها الأول، ولم يكن أبداً صاحب اللوحات التي ادّعى العثور عليها، ولا غيره، من ساكني مدريسة، كما يسمّون أنفسهم على صفحاتهم، على دراية  بالأمر وهم من انتبهوا إليه اليوم، وللمرّة الأولى، وصنعوا لأنفسهم وجوه المناضلين الأشاوس في هذه القضية الخرقاء من الأساس!".

مذكرات الحجر الأصمّ

يشير بن ديدة إلى يوم أخرج لمثقفي بلدية مدريسة، صائفة 2011 "قصة البيكاسو"، ولم تكن مشهورة آنذاك، حيث بقيت حبيسة تخوّفات وتناقضات وأكاذيب واختلاقات، طرحها في كتابه "مذكرات الحجر الأصم"، الذي نشره يومها بوسائل يدوية بمساعدة بعض الأصدقاء، الذين يشهدون إلى اليوم على عذابات تأمين 100 نسخة في تلك الصائفة اللعينة.

ويشرح محدثنا: "قررنا، بحماسة شباب فضح قضايا الفساد حال نهب الثروات من هذه الأرض، على رأسها منجم الرّخام ذو الألوان العديدة، والذي كان يضمّ أحجاراً كريمة أيضاً، وجعلتُ قصة بيكاسو في هذا الكتاب، بين الصفحات 55 و64، على استمرارها، دعماً لشحنة الكتاب الفنية والثقافية!".

الأديب الجزائري محمد بن ديدة لـ"حفريات": القاعدة العامة في مثل هذه الألاعيب السّرابية، محكومة باصطلاح تهكّمي مشهور، فحواه الثعلبي ينادي بمبدأ "البحث عن فضيحة"

ويردف: "هكذا كنتُ قد كتبتُ بأنّ سبب مجيء بيكاسو إلى مدريسة كان انجرَارُهُ لعشق امرأة كانت على علاقة معه في فرنسا، هذه الحكاية لم يعرفها الناصر مسعودي إلا حين ظهورها في كتابي ذاك، وكانت السبب في تغييره لكلّ أحدوثاته السابقة، كانت قصة من صنع خيالي بإحساس روائي، وقلتُ إنّ البحث جارٍ في حقيقتها في أحد هوامش الكتاب، فقد كانت كلّ حكايات الناصر مسعودي، قبل تأليفي للكتاب، لا تقنعني، بالرّغم من أنني حينها لم أجزم بتكذيبه، واعتمدت نيّة أنّه بالفعل عثر على لوحات بيكاسو، على الرّغم من أنها كانت نيّة مبعثرة ومُهشـّمة، فهمُّنا كان لفت انتباه السلطات العليا إلى مدريسة في تلك المرحلة، لما يحدث فيها من نهب للثروات الحجرية والأحجار الكريمة في مقلع الرّخام متعدد الألوان، خاصة في جبل الجديد بمدريسة، أما حكاية البئر وما شابهها فلم أكن قد اقتنعت بها، فصنعتُ قصة المرأة في لحظة اجتذاب روائية، لكنّ الناصر حاول تحويلها إلى حقيقة، وجعلها نفسها  "دورا مار"، زوجة بيكاسو المعروفة، وزوّر عقداً بالفوتوشوب، تفاجأتُ حين رأيته على هاتفه في أيام من العام 2019، ولا أعتقد أنّه وحده من صمم هذه الأفعولة، بتحوير بيكاسَوِي لحروف اسمها؛ فكانت "جوهر معمّر" و"جوهر عمارة"!

اختلاق على وقع كبت من الصمت المزمن

من الأقوال التي تنسب لآينشتاين: "سرّ العبقرية أن تـُخفي مصادرك"، وبهذا المنطق المقلوب على عقب العبقرية، يشدّد بن ديدة على أنّه تمّ اختلاق بيكاسو/ مدريسة في كبت من الصمت لوقت طويل!

صور حصرية خاصة بـ"حفريات"

ويشرح الأديب الشاب في أسى: "عند مجتمعنا السارق للأفكار، وإن كانت خيالية، تـُفهم مقولة آينشتاين بين الناس لدينا في مدريسة على أنّك "إذا حزت على حقيقة ما فلك أن تسرقها دون أن تذكر مصدرك"، وهكذا وجدتُ أناساً كثيرين في مجتمعي يعملون بها، وكان منهم هذا الرّسام المقلّد منذ نشأته في بلدتي مدريسة، ويدعى الناصر مسعودي، أخذ كلّ ما كان في كتابي "مذكرات الحجر الأصم"، وحوّله وحوّره إلى ما يخدم قضيته التي سجن بسببها، على أنه مقلّد ومهرّب آثار، وأغلب الآثار اليوم في السّواد الأعظم من العالم مزيّفة، فلا بأس على الناصر أن يكون مشهوراً في ظلّ صناعات نجوم من هذا النوع في العالم بأسره، تلك القضية البيكاسوية السّرابية، التي أكلت منه ومنا زمناً من عبث الوهم وضبابية أُخلوقة خرقاء افتعلها الناصر نفسه، وجرّنا في خيالاتها لأمد طويل عن مجيء بيكاسو إلى بلدة مدريسة، ذات أعوام قديمة من أواسط الأربعينيات!".

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف

ويسرد بن ديدة: "هكذا كان في يوم من أيام انتشار كتابي "مذكرات الحجر الأصّم"، جاءني الناصر، حال قراءته للكتاب بعد أيام قليلة من اقتنائه، قائلاً: "كيف عرفت السرّ الذي أخفيته أنا عن الناس، لقد أنقذتني من همّ، فأنا لم أجد كيف أقنع الناس بأنّ بيكاسو أتى إلى مدريسة، سوى بالرّسومات التي رُسمت في النادي الرّيفي، لكنّ قصة المرأة من المؤكد أن من أخبرك بها أخبرني بها أنا الآخر"، لم أفهم قصد الناصر، لكنني عرفت أنّه اعتمد كلماتي في مذكّرات "الحجر الأصم" لتزوير قصة جديدة، فأنا قلتُ إنّه قد رواها لي شخص أثق في صدقه، وهي عبارة استخدمتها فقط لبعث بعض الصّدق في الرّواية الافتراضية، وهي عادةُ أيّ روائيّ يختمر بخياله مُلصق حكائي يُمازج الحقيقة بالخيال، ولم أكن قطّ قد سمعتها، خاصة في الجزء الذي يلصق المرأة ببيكاسو عاطفياً!  

مفارقة ردم البئر

يكشف بن ديدة بعض المفارقات، ويحيل إلى أنّ الشيء الذي لا يعلمه واسيني الأعرج؛ أنّ الناصر مسعودي قام بردم البئر في السنتين الأخيرتين فقط، على أكثر تقدير، وأهل مدريسة شاهدون على هذا الحدث، وقام يُهيئ فوقه نحتاً غريباً أشبه بجرّة، وهو يحاول بناء حديقة بنمط حديث، وسبب طمسه لتلك البئر، أن يقول للناس إنّ قصّة عثوره على اللوحات في البئر كانت مجرّد أكذوبة؛ لأنّه تعرّض للتهديد، وأنّ من هدّدوه أرغموه على القول إنّه وجدها في بئر، لكنّ الحقيقة أنّ لوحاته تلك كانت قد رسمت من زمن نهاية الثمانينيات بيده، التي قلّدت بعض أعمال بيكاسو من زمن دراسته في مدرسة الفنون الجميلة، لا بنيّة التزوير، وبقيت لمدة في بيته، ومن تلك الفترة لم يكن في رأسه خلق بيكاسو/ مدريسة، لكن مع مرور الزمن كبر الخيال لديه واستهوته متاهات الأموال المجنية من لوحة بيكاسوية، فقط كانت غواية فنان في بدايتها، ولأنّ اللوحات لم تكن في البئر، فلو كانت كذلك سيظهر فيها حال التحقيق دليل علمي على أنها بقيت لسنوات في بئر، مجرّد ميكروسكوب بسيط قد يمتلكه أبسط مواطن بإمكانه كشف هذه الحقيقة ولا تحتاج إلى مخبر متطوّر، فقد تتشابه مخبرياً بعض الطحالب الملتصقة على الدُّهن في اللوحة أو على الورق أو على القماش أو إطار اللوحة، مع ذات الطحلب ونوع التراب في البئر فيكون حينها دليلاً قاطعاً على أنّه تمّ العثور عليها في بئر، ثم كشفتُ له هذه المقاربة العلمية حال اقتنائه لكتابي مذكّرات الحجر الأصم. نسختان حصل عليهما مني، وقلتُ له حينها إنّني لا أصدّق هذه "الحدّوتة" حول البئر.

لا معقولية

يوقن بن ديدة، بلا معقولية، العثور على لوحات لفنان بهذا الحجم في تلك البئر، خاصّة أنّه يعرف بيت الحاج إسماعيل، رحمه الله، جيّداً، والأرض التي أمامه لم تكن للمعمّرين الفرنسيين، ويضيف: "افترضتُ أنّه عثر عليها في بيت لأحد المعمّرين الفرنسيين، فأنا لم تدخل رأسي في تلك الفترة أقصوصة البئر هذه، خاصة في ذلك المكان بالضبط، لكن لم أحدّد البيت، وجعلته افتراضاً عشوائياً، حينها قام الناصر بردم البئر؛ لأنّه تبنّى فكرة بيت المعمّر الفرنسيّ على أنّه أقرب إلى الحقيقة، ولو بقي البئر كان سيفضح أنّه لم يعثر عليها فيه، أو العكس، وهنا لا بدّ من الحفر جيّداً في تناقضات هذا الموضوع!".

وينوّه بن ديدة إلى أنّ غالبية مثقفي بلدة مدريسة قرؤوا كتاب "مذكرات الحجر الأصم"، على مدى تلاحق السنوات، وفهموا وسبروا قصة بيكاسو فيه، وسكتوا بعد قراءتهم له، وتنكّر الكثير منهم؛ حتى من بعض الأصدقاء الذين استفادوا منه اليوم، ولم يواصلوا النضال في تفجير قضايا الفساد، والمطالبة بالحقّ، وبعضهم اشتكى على عرّاب "عبث الجمجمة"، لتأليفه ذلك الكتاب، وكم من تحقيق أقيم لبن ديدة يومها بسببه أيضاً لدى الدّرك الجزائري، وقد حصل رجال أمن برتب عالية على نسخ منه، ووصل مسؤولين كثيرين في مراتب عديدة!        

صور حصرية خاصة بـ"حفريات"

منذ سنة فقط، ذهب الناصر مسعودي إلى رئيس البلدية، يطلب منه مفاتيح "النادي الرّيفي"، وكان في البلدية يومها، ورأى بن ديدة هذا اللقاء بأمّ عينه واستفسر عنه، وفهم من عمدة البلدية أنّ الناصر طلب منه ذلك كي يطلّع على وضعية هذا النادي من الدّاخل، ليتسنى له تحويله إلى متحف، والذي يرجع إلى كتاب بن ديدة سيجد أنّه في الصفحة 55 جعل العنوان "مشروع متحف بلدي"، حتى هذه سرقها الناصر وبعض هوّاة الحملات الانتخابية من كتابه.

وخلاصة ذكر بن ديدة لقصة بيكاسو/مدريسة هي التأسيس لهذا المتحف في النادي الرّيفي، التي حدّث بها أصدقاءه ثم خانوه، لكنّ الناصر، بحسبه، "لعب ألعوبة أخرى، فقام يصّور رسومات الحيطان القديمة، وركّب فيديو من أرشيف بيكاسو الحقيقيّ، المعنون على اليوتيوب بهذا الرابط "Picasso snake BISHOP"، بهذه الكتابة بالضبط، يظهر فيه بيكاسو يعتلي سُلّماً يصعد به ليرسم على الحائط، وأقحم تركيباً سينمائياً بمزج ذلك مع بهو النادي الريفي من الدّاخل، ما يجعل الناظر للفيديو يتوهّم بأنّ بيكاسو يرسم على جدران النادي الرّيفي بمدريسة، ولقد رآه شباب كثيرون على هاتفه ليلة مناظرة بن ديدة للناصر، وهم يشهدون على ذلك، وبعضهم صدّق أنّ بيكاسو بالفعل يرسم داخل النادي الريفي!".

شبح الخرافة

يسجّل بن ديدة: "أذكر أيضاً أنّ الناصر، حين تجادلتُ معه في تلك المناظرة أمام العشرات من الشباب أغلبهم أساتذة، ليلة الفاتح نوفمبر 2019 لأكثر من ساعتين من الزمن حول الموضوع جدلاً ساخناً، في الطريق المحاذي للنصب التذكاري للشهداء بمدريسة، والناس في لفيف ساخن حولنا، قلت له إنّ هناك احتمالية "مجيد حاج عراب" أنّه هو من رسم جداريات النادي الرّيفي، وليس بيكاسو، فضحك وقال لي إنّ مجيد، رحمه الله، كان معلماً بسيطاً، ولا دخل له بالرّسم، ثم يأتي في هذه الأيام ليقول للناس إنّ "حاج عراب" هو من شجّعه على دخول مدرسة الفنون الجميلة وكان رسّاماً، ولأنّ الناصر تصادم، منذ عام فقط، مع آراء أناس كبار من مدريسة، وقد أكثر من حواراته معهم في الآونة الأخيرة، كما لو كان إعلامياً يقوم ببحث مستفيض عن بيكاسو مدريسة، أغلبهم بين السبعين والثمانين من العمر، يدّعون أنّ من رسم تلك الرّسومات في النادي هو "مجيد حاج عراب"، فتقمّص تلفيقاً جديداً للقصة، وسيظلّ الناصر، من مرحلة إلى مرحلة، يُكثر من الاحتمالات التي تعمل على خلخلة العقول بغير المعقول، كي يبقى هذا اللغز قائماً إلى الأبد، وفي المقابل؛ فئة أخرى ممن هم بعمر الثمانين عاماً اليوم، من الفرانكفونيين بمدريسة، يقولون إنّ راسمها، على الأرجح، هو رسام فرنسي، أو أتى من فرنسا إلى مدريسة مرحلة المعمّرين، ولم يلبث بها طويلاً، هنا تداخلت الحقيقة بالخيال وتقمّص الوهم شبح بيكاسو في الذاكرة/ الخرافة لهؤلاء، بعد أن لفّقها الناصر وبرمج عقولهم على ذلك بكثرة السؤال والفرَض، ولأنّه زمن الأربعينيات كان مجيد حاج عراب، رحمه الله، يعمل ناقلاً للبريد بين مدينة فرندة ومدريسة، هذا تاريخه الذي يعرفه كلّ الناس قديماً قبل أن يكون معلماً، وعمل بالتجارة أيضاً،  وأذكر كذلك أنّه في جلسة من الجلسات، قبل 18 عاماً تقريباً، والتي كان يعتادها الناصر مسعودي في مطلع الألفية الثالثة، بمرحلة الانقلاب على عمدة البلدية يومها في حراك شبيبة مدريسة، بين الكثير من أقرانه، وكنت أنا أحضر تلك المجالس غالباً وأكون مستمعاً من بعيد، دون أن أشارك في الحديث إلا نادراً، ولأنّه قام الجدل يومها أيضاً حول راسم تلك الرسومات الجدارية في النادي الريفي، الذي كان الحراك يومها يطالب بإرجاعه إلى هيئته الأولى، وبأنّ عمدة البلدية في تلك الفترة تسبّب في طمسه حين حوّله إلى مخفر الحرس البلدي، وهنا القصة تطول".

الأديب الجزائريّ البارز واسيني الأعرج

وانتشرت حكاية حاج عراب مجيد منذ ذلك الزمن كذلك، فقال الناصر يومها معترضاً على أنّ مجيد حاج عراب هو من رسمها، بالحرف الواحد: "أنا أمتلك لوحات بيكاسو حين أتى إلى مدريسة، ومذكراته أيضاً، وهي بأسلوب يشابه تماماً الرّسومات التي في النادي الريفي وسأظهرها ذات يوم"، حينها اختطف قلبي من قفص صدري، وبدت لي الحكاية مثيرة، مثيرة جدّاً، وفكرتُ، وأنا شاب عشريني في ذلك الوقت أن أكتبها في كتاب، وهذا يدلّ أنّ قصة بيكاسو مدريسة سبقت عامَي 2007 و2009، والكثير من المثقفين بمدريسة يتذكرون تلك الجدليات حول رسومات النادي الريفي يومها!

وبعد العاصفة التي أحدثها واسيني الأعرج، شهدت منطقة مدريسة مؤخراً إطلاق إشاعة أخرى، فحواها أنّ بيكاسو قبل دخوله المنطقة، التقى مع المفكّر المستشرق، جاك بيرك، في مدينة فرندة (غرب الجزائر)، ورسم له بعض رسومات في مخطوطاته المحفوظة في المكتبة، هذه الأكذوبة مستوحاة من لقاء الشاعر الفرنسي، جاك بريفيير، مع بيكاسو، وقال فيه قصيدة بعنوان "Promenade de Picasso"، وهي قصيدة مشهورة جدّاً، وهذا التلفيق جاء من جهة ثانية تصنع أحياناً أقاصيص عن بيكاسو مدريسة، فأرادت تسويق قصة جديدة هذه المرّة على هامش الدعايات المتوالدة يوماً بعد يوم في الموضوع!

الإمعان في المجازفة

في حوار له مع إحدى الصحف المحلية؛ خرج الناصر مسعودي، في صفحة الثقافة، بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، بعنوان "أطالب بردّ الاعتبار وعلى الوزارة كشف الحقيقة"، جاء فيه أنّه يمتلك غلاف أسطوانة للمطرب فريد الأطرش، رسم تصميمه بيكاسو، وهو يدل على لقاء فريد الأطرش مع بيكاسو!

يتساءل بن ديدة: "ما هذه المجازفة الغريبة؟ إنّها تفوق الجنون، وبالفعل يوجد في الأمراض العقلية، ما يسمى بهوس فبركة أحداث الحياة، أو ما يُعرف بـ "الميثومانيا"، حيث يجد الإنسان متعة في صناعة قضايا يبنيها على بعض الحقائق الواقعية من حوله، ويصير من حين لآخر يُوَلـّد عنها قصصاً أخرى، حتى يبدو له كلّ شيء فيها عادياً، لا غرابة فيه، وزاد على تصريحه في الحوار ذاته؛ أنّه يمتلك عود فريد الأطرش، الذي حصل عليه عن طريق زواجه بابنة المطرب الجزائري الراحل، أحمد خليفي، ولا يوجد أيّ دليل على ذلك.

اقرأ أيضاً: فنان أردني يعلم مكفوفين الرسم عبر حاسة الشم: المخيلة ترى

 وقال في الصحيفة ذاتها؛ إنّه بارع بالعزف على آلة العود، فرفعتُ التحدي أمامه لمعرفتي بالعزف على العود، لكنّه تهرّب، رغم أنّه يضع على هاتفه فيديو بارع للعزف، وهو يحمل العود، لكنّ أصابعه لا تتحرك بالشكل المناسب للعزف، يقودني كلّ هذا الكلام إلى مساءلة الصحفي سليمان بودالية، الذي أجرى معه الحوار: أين هي التحقيقات؟ وأين هي الاحترافية في العمل؟ ومنح له صفحة كاملة في صحيفة مقروءة بكثرة لدى المواطن الجزائري، يروّج فيها لهلوساته".

ويبرز بن ديدة معرفته الخاصة بذاك المراسل الصحفي، حيث يقول: "منحته نسختين من "مذكرات الحجر الأصم" في موسم إخراجه للناس، عام 2011، وأخبرته القصة كما حدثت، وفي العام الماضي فقط أعاد طرح أسئلة عليّ، في لقاء صدفة بمطعم في تيارت، عن بيكاسو/ مدريسة، وذكّرني بكتابي "مذكرات الحجر الأصم "، وقال لي إنّه قرأه بتمعن، وأعجب بالطرح الذي فيه، فلماذا لم يسأل الناصر مسعودي عمّا جاء في الكتاب؟! هل هنالك يدٌ ما لها سلطة خفيّة تقود الرّوائي واسيني الأعرج والرّسام الناصر مسعودي إلى لعبة في المجهول؟!".

ويخلص بن ديدة؛ إلى أنّ "القاعدة العامة في مثل هذه الألاعيب السّرابية، محكومة باصطلاح تهكّمي مشهور، فحواه الثعلبي ينادي بمبدأ "البحث عن فضيحة"؟!

بروتوكولات الشهرة 

في مساء يوم من آخر أسبوع لشهر شباط (فبراير)، تزامن مع المعرض الجزائري الثاني عشر للكتاب 2014، في وهران، تقدّم الأستاذ الدكتور عبد القادر بوعرفة، الباحث في قسم الفلسفة بجامعة وهران، في محاضرة تختصّ بإحصائيات المقروئية في الجزائر؛ فتساءل بن ديدة: "هنالك من يُحرز شهرة لرواياته لا مثيل لها، رغم أنّ أعماله سخيفة، أو هي أقل من ذلك بمقام، كيف يحدث ذلك، وما هي بروتوكولاته الخفية؟ فكانت إجابة بوعرفة بكلمتين: "ابحث لك عن فضيحة"، ثمّ استشهد بروائيين، مثل رشيد بوجدرة، وموضوع سرقته لرواية محمد بنيس، على أنّه مفبرك، وأحدث ضجّة منذ أعوام، وكيف أن الصُّحف تناولته كفضيحة، وكذلك ما حدث له من خصومات مع مواطنه، الطاهر وطار، وهي من قبيل التمويه، ورواية ذاكرة جسد لمواطنته أحلام مستغانمي، على أنها مسروقة، كذلك مفتعلة، ومحاكمات هنا وهناك بين هذا وذاك من الروائيين والفنانين والمشاهير عموماً، وأمثلة كثيرة بخصوص الفضائح التي تسبّبت في شهرة كاسحة لأصحابها وأعمالهم، ثم قال لي: "ابحث لك، مثلاً، عن فتوى متطرفة يلقيها على شخصك مفتٍ متزمِّت من أعلام مذهب متشدّد، تعمل على تكفيرك فتضمن لك شهرة الأديب حتماً، في شكل أسرع من انتشار اللهب، ولعلّ ذلك ما يحدث الآن مع الروائي الجزائري، المثير للجدل، كمال داوود!

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان

يقرّ بن ديدة: "لم أجازف بما نصحني به البروفيسور، رغم أنّه كان سديد الرأي في ذلك! أنا أجرؤ اليوم على القول، انطلاقاً من تلك التجربة، إنّ واسيني الأعرج يدير، بسياسة ذكية، لعبة البحث عن فضيحة، حال تفجيره لموضوع بيكاسو/مدريسة؛ لينبعث من جديد، ورواياته، كي يضمن خلوداً بين أجيال جديدة باتت لا تعرفه، وهو حتماً يرتّب لكتابة رواية جديدة عن "نساء بيكاسو"، منفعلاً بمنافسة داخلية، على ما يبدو، حال استباقه من لدن كمال داوود، حين تناول الموضوع في روايته.

"Le Peintre Dévorant La Femme – Picasso"؛ هنا سارع كمال داوود إلى اكتشاف خرجة روائية بيكاسوية في هذا النص، "الرسام يلتهم المرأة، بيكاسو، مع حضور المسلم الذي يكتشف الإيروتيكية في لوحات بيكاسو، فبات واسيني الأعرج يبحث عن فضيحة جديدة لبيكاسو، كي ينحت نصّاً روائياً يضاهي قفزة كمال داوود، فلا ننسى أنّ أسلوب الأعرج يغلب عليه في العموم، أنّه يتناول مواضيع بخصوص نساء التفـَفْنَ حول شخصية تاريخية، كحال كتابته لـ "نساء كازانوفا".

لذلك بات موضوع بيكاسو مدريسة هاجسه؛ لأنّه خرجة جديدة، حول الزوجة الوهمية "عمارة الجوهر"، التي صنع لها الناصر مسعودي تاريخاً، على أنقاض افتراضات إمحمد بن ديدة والحجر الأصم!

الصفحة الرئيسية