صور الجهاد.. من تنظيم القاعدة إلى داعش: وجهة نظر ماركسية

صور الجهاد.. من تنظيم القاعدة إلى داعش: وجهة نظر ماركسية

مشاهدة

19/11/2020

كثيرةٌ هي الكتابات والمقاربات الغربية والعربية حول صور مفهوم "الجهاد"، خاصة في ظل نشاط تنظيمي القاعدة وداعش، وقد جاء معظمه تحت عنوان عريض هو أدبيات الإرهاب العالمي.

وقد قمت بمقالات سابقة في حفريات باستعراض ومراجعة الكثير من الإصدارات، خاصة باللغة الإنجليزية، حول هذا الموضوع المتجدد والمثير للجدل والنقاش، على مختلف المشارب والاتجاهات من اليسار إلى اليمين.

ثمة قصور كبير من جانب الباحثين العرب الذين درسوا ظاهرة الإرهاب بأدوات بحث ماركسية يسارية

لكني لاحظت أنّ هناك قصوراً كبيراً من جانب الباحثين العرب في ظاهرة الإرهاب الذين درسوا الظاهرة بأدوات بحث ماركسية يسارية. وأعني مخالفة بنيوياً وإبستمولوجياً للنظرية الواقعية المسيطرة حالياً في نظريات البحث حول الظاهرة.

طبعاً لا أدّعي إطلاقاً أنّ الماركسية، بكل تفرعاتها المعاصرة، ولا أي نظرية أخرى منفردة، قادرة على الإجابة عن سؤال الإرهاب المعولم اليوم، بل أعتقد أنّ هناك ضرورة لمقاربات كلّانية وتكامل لمناهج البحث من مختلف صنوف المعارف الإنسانية تتكاتف جميعها على أمل الإجابة عن سؤال الإرهاب.

اقرأ أيضاً: طهران تستضيف "القاعدة" لضمان عدم استهداف الأراضي الإيرانية

وبالعودة إلى المساهمات الماركسية اليسارية في دراسة ظاهرة الإرهاب العالمي المعاصر، وجدت مثالاً جيداً على هذه المساهمات في كتاب المفكر الراحل سلامة كيلة، الذي صدر العام 2016م عن منشورات المتوسط في ميلانو بعنوان (صور الجهاد ـ من تنظيم القاعدة إلى داعش)، ويتألف من 206 صفحات، موزعة على مقدمة و5 فصول.

غلاف الكتاب

لقد ذكر كيلة في أحد حواراته الصحفية أنّ المقصود من كلمة "صور" في العنوان، هو فقط من أجل توضيح المنابع التي ينخرط منها من يُسمّون "بالجهاديين"، وبالتالي لتجاوز عزو كلّ المنخرطين إلى منبع وحيد هو "المتشددون"، فقد كان ضرورياً الإشارة إلى أنّ هذه الظاهرة مركّبة ومتعددة، رغم أنّ المحرّك الفعلي هو ما تقوم به "أجهزة المخابرات".

اقرأ أيضاً: إيران والقاعدة علاقة ملتبسة أم علاقة تعاون؟

 تناول في الفصل الأول صور الجهاديين وبنية الجهاد وصناعته، وكيف تشكّل تنظيم القاعدة، وفي الفصل الثاني: هل الأصولية نتاج طبيعي في المجتمعات العربية؟ وخصّص بقية الفصول للحديث عن تنظيم القاعدة ثم داعش كشركة مساهمة.

الكتابة والتحليل "بنظّارة" الإيديولوجيا تُعمي كلّ صاحب بصر وبصيرة وتدفعه للتحيّز وعدم الموضوعية

هذا هو مخطط الكتاب، ومن خلاله نستطيع النفاذ بسهولة إلى الفكرة الرئيسة التي أراد سلامة كيلة إيصالها إلينا؛ وهي بالمناسبة ليست جديدة، إن لم أقل فكرة مُعلبّة تسود في كلّ سرديات اليسار، سواء العربي منه أو الغربي، تسيطر عليها نظرية المؤامرة والأجهزة الأمنية والمخابرات، والليبرالية المتوحشة حينما تمنح العوامل الاقتصادية والفقر والتهميش أوزاناً نسبية أكبر من حجمها الحقيقي في تحليل أسباب الظاهرة.  

اقرأ أيضاً: أشباح الإرهاب... الظواهري وتحولات "القاعدة"

وهذه الفكرة هي: "أنّ المسألة ليست مسألة دين أو تديّن، بل سياسة، وأنّ البيئة هي التي أنتجت جهاديين، نتيجة وضع الفقر والتهميش، كما يربط الأمر بمسار سياسي، يفرض توظيف هؤلاء، وهنا يبرز الفارق بين بيئة متخلّفة ومهمّشة وتكتيكات دول، فالمسألة ليست مسألة دين، بل هي سياسة، هكذا بالضبط؛ بمعنى أنّ الظاهرة هي متعدّدة المستويات، ولا ترتبط فقط بالدين، أو بالتديّن، فيها ما يتعلّق بالبيئة التي تتّسم بالتهميش والفقر، وما تُنتجه من وعي مفوّت، لكن فيها كذلك تداخلات سياسية واستراتيجية.

وعليه يرى كيلة أنّه ليس للبيئة التي يُشار إليها مقدرة على فعل كبير، يوازي مقدرة دول، ويؤثّر في مسارات استراتيجية، هذا التناقض بين ما يمكن أن تُنتجه البيئة من قدرات محدودة، وبين القدرة الكبيرة التي تقوم بها هذه التنظيمات، هو ما يجب أن يحظى بكل اهتمام؛ لأنه يُسهم ـ بشكل كبير ـ في تفسير الظاهرة، وفهم العناصر التي حوّلتها إلى قوّة هائلة، كما يُشيع الإعلام الغربي.

كتاب سلامة كيلة يبقى مجهوداً فريداً ومقاربة مغايرة  في أدبيات ظاهرة الإرهاب والمكتبة العربية

وقد أوضح كيلة هذه الفكرة مرّة أخرى عندما سُئل عن سبب تأليفه كتاباً عن الجهاد بعد سلسلة طويلة من الكتب عن اليسار والماركسية، فقال: "إنّها كتابة من أجل تفكيك ظاهرة، هي جزء من الصراع الراهن، وتلعب دوراً خطيراً من حيث موقعها الملتبس في تخريب طبيعة الصراع، والتمويه عليه، و"تبرير" تدخل إمبريالي، ووحشية نظم. لقد كان تنظيم القاعدة هو المبرر لتدخل عسكري أمريكي لاحتلال أفغانستان والعراق، وما زال هو، مع داعش، مبرراً لكل التدخلات الأمريكية والروسية، ومدخلاً لممارسة وحشية من قبل النظم في مواجهة الحراك الشعبي. كلّ ذلك يفرض، وأنا أتناول البحث في الواقع، أن أبحث فيه لفهم الطبيعة الحقيقية للصراعات القائمة، وكشف التمويه الذي يغطي على الصراع الحقيقي".

يرى كيلة أن الإرهاب ليس مسألة دين أو تديّن بل مسألة سياسية بامتياز نتيجة الفقر والتهميش

إنّ الكتابة والتحليل "بنظّارة" الإيديولوجيا تُعمي كلّ صاحب بصر وبصيرة، وتدفعه للتحيّز وعدم الموضوعية، مهما ملك من علم ومعارف. ولعلّ هذا ما تجلّى عندما قام كيلة بسلبِ أيّ إرادة حرّة وفعالية للتنظيمات الإرهابية، وذلك عندما حشرها في نطاق خلق المبررات للتدخلات الإمبريالية. ثم أغفل حقيقة أنه في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، نفّذ تنظيم القاعدة الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في التاريخ على برجي ‏التجارة في نيويورك، والذي أسفر عن مقتل 3 آلاف شخص. وبين العامين 2014 و2019، أعلن تنظيم "داعش" عن إقامة دولة خلافة في العراق وسورية، أكبر من مساحة بريطانيا، ‏قبل أن يُمنى بالهزيمة تحت ضغط ضربات التحالف الدولي‎.

ثمّ أغفل حقيقة أنّ الغرب الإمبريالي عامة ينظر إلى تنظيمي داعش والقاعدة على أنهما يخدمان الهدف الأسمى نفسه، المتمثل بفرض الشريعة الإسلامية عن طريق العنف في العالم أجمع، لكنّ التنظيمين في الواقع غريمان فكريان لا يلتقيان، وهما في الميدان عدوّان يسفكان دماء بعضهما بعضاً.

الفكرة الأهم في كتاب كيلة قوله إنّ ظاهرة الجهاديين ليست بسيطة ولا هي نتاج الواقع بشكلٍ عفوي

أعتقد أنّ الفكرة الأهم في كتاب كيلة - لكنه لم يلتزم بتتبعها بشكلٍ منظم ومُركّزـ هي قوله (ص53): "إنّ ظاهرة الجهاديين ليست بسيطة، ولا هي نتاج الواقع بشكلٍ عفوي، بل نتيجة لصراع القوى، ولتوظيف البنى المتخلفة في خدمة هذا الصراع، وبالتالي ليس التاريخ هو الذي ينتج هؤلاء؛ حيث إنه أبقاهم في التاريخ، أو خارج التاريخ، بل إنّ الحاضر هو الذي يُنتج هؤلاء".

في الخلاصة؛ يبقى كتاب كيلة مجهوداً فريداً ومقاربة مغايرة في أدبيات ظاهرة الإرهاب والمكتبة العربية، ويستحق القراءة والتحليل، لأنه مفيد في فتح مساحة النقاش لكلّ المهتمين والمشتغلين بظاهرة الإرهاب وتحليلها معرفياً ‏من كافة جوانبها، خاصة الاجتماعية والاقتصادية والبنى الفكرية، لأنّ ظاهرة الإرهاب كلّانية ‏‏(‏holistic‏) وأكبر من مجموع أجزائها المكونة لها.

الصفحة الرئيسية