صحافة الإرهاب .. صناعة التضليل: "النبأ" الداعشية نموذجاً

داعش

صحافة الإرهاب .. صناعة التضليل: "النبأ" الداعشية نموذجاً

مشاهدة

25/10/2018

أصدر مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية دراسة تحليلية، كمية وكيفيّة، لمضمون أعداد "صحيفة النبأ"، وهي صحيفة أسبوعية تصدُر عمّا يسمى بديوان الإعلام المركزي، التابع لتنظيم داعش الإرهابي، وقد بلغت العيّنة التي تناولتها الدراسة (47) عدداً.

شملت العينة (331) خبراً، من بينها أخبار مُجمَّعة عن عمليات قام بها تنظيم داعش في عدد من الدول، وتضمنت العينة (223) مقالاً، تمّ رصدُها وتحليلُ مضمونها، فضلا عن تناول 7 إنفوجرافات.

كشفت الدراسة أنّ رسائل صحيفة "النبأ"، التي كانت تُمثّلُ أداةَ التنظيم لتصدير صورة إيجابية عن إنجازاته في الداخل، وما يحققه من انتصارات، حسب زعمهم، وتصدير خطاب تجنيديّ في الخارج، منذ العام 2014 وحتى نهاية العام 2016، باتت اليوم تدل على حدوث اختلال في خطابها والتركيز على صور معاناة التنظيم الداخلي وتحليل أسباب الهزيمة ومعالجة الانحرافات، أكثر من كونها أداة مصدّرة للخارج.

تُمثّلُ أداةَ التنظيم لتصدير صورة إيجابية عن إنجازاته في الداخل

كما كشف تحليل الصحيفة، على مدار العام، عن عدّة أزمات هيكلية ضربت التنظيم، وهي:

1- خسارة التنظيم الرّهان على الفروع الكبرى، ومنها "ولاية سيناء" في مصر بعد العملية الشّاملة.

2- تزايد أعداد الفارّين والمنشقّين منْ داخل التنظيم.

3- حدوثُ انقسامات وخلافات حادة بين صفوف التنظيم، بعد الهزائم التي لحقت به.

4- تفكّكُ العقيدة القتالية والدعوية لدى عناصر التنظيم.

5- الإفلاسُ القيَميّ والإعلاميّ لدى التنظيم.

اقرأ أيضاً: صحافة الإخوان: النظام السري لتوجيه الرأي العام

ويقول الباحث بمرصد دار الإفتاء، حسن محمد، في تصريح خاص لـ "حفريات": إنّ الدراسة جرت على الصحيفة خلال العام الماضي، وتمّ العملُ على الأعداد مِنْ أوّل عدد حتّى آخر عدد، وبدا أنّ لدى التنظيم تراجعاً شديداً في التخطيط المركزي وغياباً للإستراتيجيات الكبرى التي يسير عليها التنظيم، كما ظهر فيه انتشار ضعف القوة الإيمانية والنفسية لدى عناصر التنظيم وفقدانهم الثقة.

احترافيـةُ الصحيفـة والجـودة العاليـة لكلّ تصميمات الإنفوجراف

الصحيفة أداة للصدمة والرعب

تبـدّتْ، منْ خلال الدراسةِ، احترافيـةُ الصحيفـة والجـودة العاليـة لكلّ تصميمات الإنفوجراف ومعظـم صورهـا وخلـوّ مقالاتها مـن الأخطاء اللُّغويـة سـواء المطبعيـة أو الإملائية، مـع جـودة الإخراج الصّحفـي، باسـتثناء مـا يلحظـه القـارئ مـن ازدحـام الأخبار فـي بعـض الأحيـان.

استندت دراسةُ المرصد إلى كتاب رانيا مكرم "الإعلام الجهادي"، وكيف وظفت الجماعات الصحافة، وكيف عكست، التطوّر الذي طرأ على الأداة الإعلامية للتنظير لفكـرة الجهـاد بـدون قائـد، والتـي ظهـرت مـع القاعـدة، وأخذهـا تنظيـم داعش، وتقـوم علـى أسـاس "الجهـاد عبـر الإنترنت" للقيـادي أبـو مصعـب السـوري.

على المجتمـع الدولـي بكافـة مكوناتـه الفاعلـة العمـل علـى حظـر التواجـد العنيـف علـى المنصـات الإلكترونيـة

تشـتملُ الصفحـة الأولى فـي الصحيفـة، علـى مرايـا العـدد؛ حيـثُ تقـوم بالتنويـه عـلى أهـمّ الأخبار والكلمـة الافتتاحية لأحد قيـادات التنظيـم، أو كلمـة صوتيـة تـم تفريغهـا للبغـدادي، كمـا تحتـوي علـى شـعار الصحيفـة، ورقـم العـدد وسـنة النشـر، وعـدد الصفحـات 12 صفحـة، ويزيـد عـدد الصفحـات فـي أعـداد خاصـة ليصبـح 16 صفحـة.

لغـة الخبـر فـي "صحيفـة النبـأ" يغلـب عليهـا الطابـع المركزي، والـذي يعمـل علـى تجميـع الأخبار مـن مختلـف أفـرعِ التنظيـم، ويضعهـا فـي قالـب دعائـيّ يسـتثير حماسـةَ أتباعـه، ويقـوم بتضخيم أعداد الضحايـا والعمليـات فـي صفـوف الخصـوم، ومـن بينهـا تـم رصـد أكثـر مـن 331 خبـراً عـن عمليـات قـام بهـا داعـش فـي عـدد مـن الـدول.

تفرغ الصحيفة عدداً من الفيديوهات التـي تجسّـد حالات الذبـح والقتـل بأبشـع الطـرق، وتلخّص المعلومـةَ التـي تريـد إظهارهـا باسـتخدام "الجرافيـك"، مثل الموقف من الديمقراطية والانتخابات، والتأكيد علـى فكـرة أنّ التنظيـم يعيـشُ حالـةً مـن الاستقرار والانتصارات، والتأكيـد علـى تلاحم العناصر.

بدا، وفق الدراسة، أنّ التنظيمَ سعى من خلال الصحيفة، في العام الأخير، إلـى توصيـف وضعـهِ الحالـيّ بأنّـُه يمـرُّ بالمِحن والابتلاءات والفتـن، فـي محاولـةٍ لترميـم عقيـدة عناصـره، بالصبـر علـى المحن، كمـا يعتـرفُ التنظيـم بنجاحـات أعدائه فـي تحقيـق الضربـات لعناصره، لذا ركـّزتْ رسـائلُ التنظيـم علـى التحذيـرات، تجنّبـاً للوقـوع فـي الأسر والاعتقال داخـل السـجون، وركّـزتْ علـى ضـرورة الصّمـت، وعـدمِ إفشـاء الأسرار، داخـل المعتقلات.

اقرأ أيضاً: ماذا قال المفكر ريدايل عن دور الصحافة في مكافحة التطرف؟

يتصـدر كل عـدد، مـن أعـداد الصحيفـة، فـي صفحتـه الثالثـة، مقالاً عموديـاً تحـت عنـوان "الافتتاحية"، ويركّـز علـى عـدّة محـاور أساسـية تُعتبـرُ الرّسـالة الرئيسـيّة للعـدد، وقـد تـمّ رصـدُ عـددٍ مـنَ القضايـا الرئيسـية التـي مثّلـتْ محـور اهتمـام التنظيـم، العـام الماضي، ورسـائل موجهـة للجماعـات الأخرى والحكومـات، ثم مواسـاة عناصـر التنظيـم بسـبب مـا أُصيبـوا بـه مـنْ هزائـمَ واضطرابـاتٍ سـلوكيةٍ ونفسـية، والأحاديث حـول الفتـن التـي يمـر بهـا التنظيـم، وعـدم تـرك مياديـن القتـال، ثم بـث واسـتنهاض همـم عناصـره باعتبارهـم الطائفـة المنصورة، وبعضُها ركّـز على خطـابِ البيعـة الصحيحـة والثبـات عليهـا، وذلـك فـي محاولـة لمواجهة عمليـّات الفـرار.

صناعة التضليل

فـي سـعي التنظيـم للتضليـل علـى أنصـاره، يفـرد سلسـلتين كاملتيـن عـن الفتـن والملاحم والابتلاءات بواقـع (12) مقالاً، وهي تختصـر الدّعـوات إلـى أحاديـث وقضايـا الإيمان بالقضـاء والقـدر فـي آخـر الزمـان، وتربـط بيـن مـا يحـدثُ، الآن، مـع عناصـره ومـا حـدث مـع الرسـل، كسـيدنا نـوح، عليه السّلام، ومـا وقـع علـى النبـي، صلّى الله عليه وسلّم، مـن أذى مشـركي قريـش، وكذلـك تنطلـق إلـى بيـان أحاديـث الفتـن والملاحـم ونهايـة العالـم، وصـولاً إلـى خـروج المهديّ المنتظر، وقيـام السـاعة، فـي ظـلّ سـياقاتٍ متشـابهةٍ مع ما يحـدث اليـوم مـن شـيوع للظلـم والقهـر، وتتناول، أيضـاً، بعـض النمـاذج التاريخيّـة، حـول ادّعـاءاتِ ظهـور المهديّ المنتظـر، وفقـاً للطّوائـف الشـيعية فـي مناطـقَ مختلفـة.

تشـتملُ الصفحـة الأولى فـي الصحيفـة، علـى مرايـا العـدد، حيـثُ تقـوم بالتنويـه إلى أهـمّ الأخبار والكلمـة الافتتاحية لأحد قيـادات التنظيـم

يوجد في الصحيفة ما يُسمّى "خواطر تربوية" وكان عددها خلال العام الماضي حوالي 56 مقالاً، اختصّ جزءٌ منها بمنظومة القيم الدّعوية والتربوية، وكانت أكثر من 25% من مجموع المقالات بشـكل عـام، مـا يشـير إلـى أهميتهـا؛ حيـثُ يسـعى التنظيم إلـى توظيفهـا فـي بـثّ عـدة قيـم تخـدمُ الطابـعَ التجنيـديّ مـن السّـمع والطاعـة، ويسـتخدمها، أيضاً، فـي تحقيـق التّماسـك والحفـاظِ علـى هياكلـه الداخليـة لمواجهـة عمليـات الانشقاقات والصراعـات الداخليـة، ومـن ثـم خلـق ثبـات داخلـي، فيمـا يتـم توظيفهـا، أيضـاً، في تثبيـت العناصـر بمياديـن القتـال.

هناك مجموعةٌ من المقالات تحت عنوان: "رسائل ميدان الجهاد"، تشكّلُ 31 مقالاً، وقد قصَـَدْت بـثَّ رسـائلَ تتعلـقُ بقيمـةِ الجهـاد، وكانت بواقـع 14% مـن عـدد المقالات، ومن خلالها تمّ اسـتهدافُ فئـاتٍ معينـةٍ، بقصـد التجنيـد، مثـل النّسـاء، حيـثُ أكّـدتْ علـى أهميـة مـا أسـمتهُ "جهـاد النسـاء فـي حالـة الضعـف التـي يمـر بهـا التنظيـم" وسـعى التنظيم من خلالها إلـى تبريـر تجنيـد النّسـاء بضـرب الأمثلة التاريخيـة لأدوارهن فـي بعـض الغـزوات، وهنـا يسـتحضر حالاتٍ اسـتثنائيةً لقتـال المرأة فـي معـارك المسلمين، متناسـياً تكريـم الإسـلام للمـرأة، وحفـظ عرضهـا، وصـونَ نفسـها.

اقرأ أيضاً: 5 تنظيمات متطرفة مهدت لداعش دروب التوحش

الرسالة الثانية التي أراد التنظيم بثها لعناصره؛ هي الثّبات والتمسك بالقتال، وعدم الفرار، ويستدل علـى ذلـك بمقتطفـاتٍ مـن كلام "أبـو مصعـب الزرقـاوي" المتعلّق بالتوحيـد والقتـال وأهميـة الصبـر فـي مواجهـة المحـن والابتلاءات، والتحذيـر مـن الضعـف والتقهقـر وضعـف العزيمـة، مؤكـداً أنّ طريـق الحـق ملـيءٌ بالعقبـات.

أما مجموعة السلاسل؛ فقد بلغت (34) مقالاً، مجزّأةً علـى (7) سلاسـلَ مختلفـة، وتتضمـن عدداً مـن القضايـا الكبـرى التـي أراد التنظيـمُ أنْ يفـردَ لهـا حيّزاً كبيـراً مـن الاهتمام والتواصـل، وهـي تغـذّي أهدافـاً معينـةً تتعلـقُ بضـرورة ثبـات التنظيـم علـى القتـال، وعـدم الاكتـراث للهزائـم.

لقـد توصّلـت الدراسـةُ إلـى جملـةٍ مـنَ الافتـراءاتِ والأكاذيـب، التـي نشـرتها صحيفة "النبـأ" خلال العـام الماضي، تتعلّق بالكثيـر مـن الأحـداث والأخبـار التي تحتـوي علـى رسـائل مشـفرة لأعضـاِ التنظيـم، بخصـوص القيـام بأعمـال إرهابيـة.

تُعطي دار الإفتاء المصرية مجموعةً من الطرق، للعلاج من هذه الصحف الإرهابية

المواجهة والعلاج

تُعطي دار الإفتاء المصرية، في نهاية الدراسة، مجموعةً من الطرق، للعلاج من هذه الصحف الإرهابية، حيث توصي بما يلي:

أولاً: على المجتمـعِ الدّولـي، بكافـة مكوناتـه الفاعلـة، العمـل علـى حظـر التواجـد العنيـف في المنصّـات الإلكترونيـة، وحذفهـا بشـكلٍ سـريع وعاجـل، وملاحقتهـا فـي كافـة المنصّـات المنتشـرة بمختلـف الـدول، وذلـك بالتّعـاون مـع المؤسسـات والشـركات التكنولوجيـة العملاقـة ومحـركاتِ البحـث العالميـة، والاسـتفادة مـن وخبـرات مؤسسـات المجتمـع المدنـي فـي هـذا الشـأن.

اقرأ أيضاً: هكذا أفسد تنظيم داعش عقول "أشباله"

ثانياً: أوصت الدار بإيجـاد آليـة تضمـنُ اسـتبدالَ المحتـوى العنيـف بمحتـوى آخـرَ معتـدل، لكي يفرّغـه مـن مضمونـه، وبشـكل يضمـن أنْ تكـون المـوادّ المعتدلـة والمناهضـة للعنـف هـي النتائـج الأوليـة لعمليـات البحـث، وتشـجيع البحـث العلمـي لأدبيـات وكتابـات التنظيمـات التكفيريـة والعمـل علـى الكشـف عمّـا تتضمنـه تلـك الكتابـات مـن ضلالات وأكاذيـب خاصـة بالأخبـار والأحـداث والأقـوال.

الصفحة الرئيسية