
تذكرت، وأنا أتابع قضية "شابة مصرية" يواجه زوجها اتهامات بقتلها، لقاءً للفنانة اللبنانية مادلين طبر كانت تتحدث فيه عن أوضاع النساء في العالم العربي؛ قالت فيه: إنّ المرأة اللبنانية والتونسية أكثر حرية مقارنة بالأخريات، وجاءت عند المرأة المصرية ووصفتها بأنّها "غلبانة". وقد اختصرت بهذه المفردة حقيقة وضع المرأة في مصر، ربما هو حس الفنانة بداخلها الذي جعلها تقول في الحديث نفسه: إنّ الرجل المصري صعب، "وتستطيع أن تلمح جلبابه من تحت الجينز"، في إشارة ذكية إلى القشرة الخارجية التي أصبحت تكسو الرجال من الخارج، بينما في الأعماق تقبع العُقد.
العنف الوسطي الجميل!
في كل قضايا التعدي على المرأة التي رأيناها في الأعوام الأخيرة، لا نكون إزاء "سي السيد" و"أمينة"، فكلتا الشخصيتين كانتا ضمن سياق اجتماعي وفكري مختلف، كانت أمينة فيه امرأة مصرية من الطبقة المتوسطة، أميّة وجاهلة وضعيفة ، لا تعرف من الحياة غير دورها كأم وزوجة، لا تعرف شيئاً عن حقوق المرأة، ولا العنف ضد النساء، ولم تستطع أن تُثبت نفسها في مكان سوى المطبخ وجدران منزلها، ومع هذا لم يحدث أن عنفها سي السيد بيده، مع كل جبروته، أو حاصرها وعيّرها وتفه وجودها، حتى جعلها تتعاطى، مع الأدوية النفسية، أفكار الموت والانتحار. إنّ كل هذه المعطيات لم تكن موجودة في القصة المصرية جداً لأمينة وسي السيد... لقد كان زمناً من العنف الوسطي الجميل.
أمّا ما نراه الآن فهو غريب، لأنّ أمينة لم تعد أمينة الثلاثينيات والمطبخ والإنجاب، أمينة الآن هي طبيبة ومعلمة ومذيعة وكاتبة ومهندسة، وموظفة في الأمم المتحدة، وسائقة "توكتوك"، وعاملة بناء، وحاملة أنابيب وصنائعية ماهرة. لقد أصبحت أمينة سيدة قرشها، وعرفت عن حقوقها وحدودها مالم يتوفر لها معرفته في أيّ عصر آخر، وعرف سي السيد أيضاً حقوقها، وشاركها معه عن راحة أو ضغط في الحياة العامة، لكنّ سي السيد نفسه لم يعد سي السيد في الثلاثينيات، فقد انحسر الجلباب وحلّ محله لباس عصري، وقصات شعر عصرية، وهدوء في الصوت، وتخلى عن العصا التي لم يكن يضرب بها إلّا الأرض والإنجليز، إن استدعى الأمر، وحلّ محلها حزامه الجلدي. اختفت عنه كل مظاهره القديمة من إلغاء المرأة وإقصائها مع الاحتفاظ بحق حمايتها من غيره والإنفاق عليها، واعتبار كرامتها من كرامته، لا يسمح لأحد أن يهينها إلّا هو.
في الواقع لقد اختفى هذا العنف الذكوري الوسطي الجميل، واختفت قيم ذلك الزمن الغابر، فالرجل الآن يسمح لبيوت العائلة التي تعيش فيها حشود من النساء "الحيات" اللواتي تدربن على فن الكيد النسوي، بأن يقهرن زوجته التي لم تتجاوز بعد العشرين عاماً، ويسمح لكل نساء العائلة بأن يعرفن ماذا أكلت؟ وماذا شربت؟ ومتى كساها؟ وكم أنفق عليها؟
رأينا في هذا الزمن الرديء رجلاً يستأجر آخر ليعتدي على شرفه، لكي يطلق زوجته دون أن يلتزم بردّ حقوقها المادية، بعد أن لفق لها قضية شرف، مع أنّ سي السيد بكل جبروته، لم يكن يسمح لأحد أن يمس شرفه، ولو لم يكن يجمعه حب حقيقي مع زوجته، حتى أنّ طرده لأمينة من البيت، لم يكن إلّا لأنّها خرجت دون إذنه لتزور سيدنا الحسين، إذ كان في اعتقاده أنّها تعدت على حقوقه كزوج. والكثير الكثير من القصص المُخجلة، والتي تُعدّ إعادة روايتها تمزيقاً للقلب وللإنسانية، مارس فيها الرجل بوصفه أباً أو أخاً أو زوجاً أو ابناً، عمّاً أو خالاً، أو حتى ربّ عمل، قسوة لا مبرر لها في شريعة أو عُرف أو إنسانية.
سي السيد العصر الحديث
اختفى سي السيد الذي كان يعتبر أنّ مساهمة المرأة في الإنفاق على بيته جرح لكرامته، وظهر مسخ آخر يعتاش على عرق النساء، اختفى سي السيد الذي كان يغار على صوت زوجته من الظهور، وظهر آخر يسمح للجميع بأن يسمع صراخها وأنينها وهي تستنجد بالعالم منه، لقد اختفى سي السيد الذي كان يكتفي بأن يحرم زوجته من العمل حفاظاً على أسرته، ويسمح لها بزيارة الأهل والصديقات، ليظهر مسخ حالي، يستبيح مالها، ويقطع صلتها برحمها، ويحرم عليها وجوه الحياة.
أخفى سي السيد علاقته بالنساء خارج منظومة الزواج حفاظاً على مشاعر زوجته وكرامته أمام الناس، بينما سي السيد العصر الحالي لا يخجل من أن يُعلن عن علاقاته ونزواته، بل يفخر بإظهار إلى أيّ حد هو مرغوب، دون أيّ مراعاة لحقوق الزوجة ومشاعرها. لقد كان الرجل فيما مضى وجيهاً في ظلمه، لم يقتل قيمة الرجولة تماماً في عين امرأته، لكن ما نراه في هذا الزمن الرديء هو حالة من "التخنث"، مع انخفاض مُلاحظ للطاقة الذكورية الحامية، التي بها تتوازن طاقة الوجود الإنساني، وغياب الفعل الرجولي البناء.
إنَّ أكثر امرأة جبروتاً تجاه رجل، لا يمكن أن تُحدث فيه من الأذى ما يمكن أن يُحدثه رجل معدوم الإنسانية أراد أن يكيد لامرأة، لأنّ القانون والشريعة والمجتمع معه، والطبيعة أعطته البنية الأقوى، ولأنّه إلى الآن ما زالت المرأة تُرى ككائن يجب أن يوضع تحت الوصاية، ولتتقدس هذه الوصاية يجب أن تغلف بإطار الشرائع، حتى لو لويت حقائق ورقعت مفاهيم، وصار ظلم المرأة على مرأى من الناس والأهل والمؤسسة الدينية والمجتمع الأبوي الذي ما زال يحمّل المرأة أيّ خرق لنظام الأسرة، التي يريدها أن تبقى قائمة، حتى لو على طحن خاطر وعظام هذه المرأة حرفياً، ما زال يمجد المرأة التي سكتت على فظائع من أجل بيتها، من أجل أولادها، من أجل سمعة عائلتها، سكتت حتى باتت خبراً في صفحة الحوادث. هو المجتمع نفسه الذي جعل مفاهيم الشرف والعفة والعذرية مفاهيم خاصّة بالمرأة، وألزمها بها واغتالها بها، وحرر الرجل من كل قيد، وكأنّه لم يكن مطالباً بالقدر نفسه بهذه القيم، وملتزماً أمام الله والجماعة وأهل زوجته بأن يكون أمان هذه المرأة وسندها.
أرواح هشة كالقوارير
إذا كنّا نتحدث عن المرأة، فإنّه لا يمكن أن نتجاهل الحديث عن جسدها، ذلك الجسد نفسه الذي هَلَك في رعاية وخدمة وإمتاع الرجل وعياله، وفي حالات كثيرة أهله أيضاً، الجسد الذي يشهد معجزة الخلق، ويتحمل ألم بناء روح جديدة مع تهدمه وهدر قواه من أجل حياة قادمة، هو نفسه الجسد الذي يحتضن ويرعى ويسهر ويقف ويروح ويجئ لأجل الآخرين، هو سكينة الرجل وأمان البيت ومورد عذب للحنان لكلّ من حوله، لا يتوقف عن حمل البيت والزوج والأولاد، بل حمل والدين قد كبرا وعادا طفلين آخرين يحتاجان للرعاية، لا يمكن أن يكون هذا الوجود الذي يتحرك كشمعة تذوب من أجل إضاءة حياة الآخرين وإسعادهم يستحق أن يتوجه نحوه بالأذى والإهانة، إنّ حزن النساء عميق، وأرواحهن هشه كالقوارير، وبنيت على هذه الهشاشة والحساسية مسؤولية التربية والحب، إنّهنّ الوجود الصلب بضعفه والعظيم بحسه.
إننا نستطيع أن نعرف عن تقدم أيّ بلد من خلال وضع المرأة فيه، فويل لأمّة تسيء لمنابت أبنائها. أذكر قولاً لا أعرف من صاحبه لخصّ بحكمة متناهية حقيقة الوجود الأنثوي في الحياة.
خلق الله الأنثى لتقوم بالاستقبال، وأيّاً كان ما تستقبله، فإنّها تحتضنه وتضاعفه وترجعه للذكر، لقد صممت لتقوم بذلك، ولذلك أيّاً كان ما تعطيه للمرأة، فإنّها تستقبله، وتضاعفه، وترجعه لك مرة أخرى، فلو أعطيتها نُطفة، فلن تعيدها نطفة، ستضاعفها وتعطيك طفلاً، إذا أعطيتها منزلاً، فستضاعفه وتعطيك مسكناً، وإذا أعطيتها خضروات وفواكه، فستعطيك وجبة، ولو أعطيتها إحباطاً، فإنّها ستضاعفه وتعطيك أضعاف أضعافه!
إنّ قضية الشابة المصرية تعيد إلى الواجهة السؤال نفسه عن حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة، ستكون فيها امرأة جميلة مثلها ونظيفة من الداخل والخارج، ابنة أسرة محترمة، إنّها أم رؤوفة وزوجة كانت تريد لبيتها أن يظل بأعمدته قائماً، تمارس هوايتها وتحقق دخلاً مستقلاً، لا يجعلها تتبجح أو تنشز كما يحلو للمنكرين للواقع أن يصفوا الأمور، ستكون هناك هذه المرأة دائماً، وسيكون هناك رجل يعمل في مكان مرموق أو مغمور، يتحدث بشكل راقٍ أو مبتذل في عينيه براءة الذئب، وفي مظهره دماثة وخلق، يدفع بتلك المرأة إلى أعماق الظلمات، ويترك أبناءً خلفه للضياع. يستبيح مالها، ويقطع صلتها برحمها، ويحرم عليها وجوه الحياة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438.jpeg.webp?itok=Q1KKeuBe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=g550to_n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_6_3_1.jpg.webp?itok=Kw4Dd8xA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_13_0_0.jpg.webp?itok=Z77FcuxM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%8A%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=8x2y4tXt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)