
على أطراف مدينة غزة، حيث تمتد الحقول الميتة وتتحول الشوارع إلى أطلال، يعيش آلاف السكان في مواجهة دائمة مع الخطر، فبين الركام الذي يملأ الأحياء المهدمة، يظهر شبح جديد يلاحق الناجين: "الخط الأصفر"، المنطقة التي يعتبرها السكان رمزاً للخطر الدائم، إذ تمثل الحدود الفاصلة بين الحياة والموت.
في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي انسحب الجيش الإسرائيلي من عمق محافظات قطاع غزة إلى ما يُعرف بـ "الخط الأصفر"، الذي تنصّ عليه المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، المُوقَّع بين حركة حماس وحكومة الاحتلال الإسرائيلي بوساطة قطرية مصرية تركية أمريكية.
وبحسب الخرائط التي نُشرت لخطوط الانسحاب، فإنّ جيش الاحتلال سيبقى مسيطراً على نحو 50% من مساحة قطاع غزة إلى حين تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
وبناء على "الخط الأصفر" لم يستطع سكان كل من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والمناطق الشرقية لمحافظة خان يونس، وشرق مدينة غزة، وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون شمالي القطاع، من العودة إلى منازلهم.
وعلى مدار الأيام الماضية عمل الاحتلال الإسرائيلي على وضع علامات ميدانية على طول الخط الأصفر لمنع السكان من الاقتراب منه، وسُجلت عشرات عمليات إطلاق النار تجاه فلسطينيين في تلك المنطقة.
وقد كثف الاحتلال الإسرائيلي أخيراً من عمليات القصف والنسف في تلك المنطقة، حيث تُسمع هذه الانفجارات بشكل مكثف في الليل وساعات الفجر في مناطق شرق حي الشجاعية والزيتون، وشرق خان يونس جنوبي القطاع.
بين الركام والخط الأصفر
يقول تامر فروانة (46 عاماً) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة: "بيتنا تهدم كليّاً، لكنّي أعود يومياً لأتفقد ما تبقى من الجدران، ولا أعرف إن كنا سنتعرّض لإطلاق نار، فالمنطقة مصنفة قريبة من الخط الأصفر، ومع ذلك تعود الناس لجمع ما يمكن إنقاذه من أغراضها."
ويضيف فروانة، الذي يعيش في خيمة على مشارف منزله المدمَّر: "كل شيء هنا يحمل ذكرى، كل حجر، وكل باب، ونحاول العيش، لكنّ الخوف لا يفارقنا، خصوصاً في الليل عندما نسمع أصوات الطائرات تحوم فوقنا."
ويوضح: "كل صباح نذهب لتعبئة المياه من بئر قريبة من الخط رغم الخطر الشديد، لكن لا يوجد بديل، لا ماء في الخيام ولا كهرباء، ونعرف أنّ رصاصة واحدة قد تنهي حياتنا، لكننا مجبرون."
ويتابع: "أطفالي حفظوا مكان الخط من خوفهم، حتى في لعبهم لا يتجاوزونه أبداً، ورغم ذلك فإنّهم يعانون من كوابيس، ولا ينامون إلا عندما تُضاء المصابيح في الخيمة، أيّ صوت طائرة يجعلهم يصرخون، فالحرب خلفت فيهم خوفاً لا ينتهي."
ويبيّن: "لا نستطيع النوم مطمئنين، أيّ صوت أو حركة تجعلنا نرتجف، فكثير من الجيران رحلوا، لكننا لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه، ونعيش في منطقة موت بطيء، وأصبحنا نعيش في زمن لا نخطط فيه للغد، كل ما نريده هو أن يمرّ اليوم بسلام."
ويؤكّد فروانة أنّه "رغم كل هذه المخاطر، فإنّه يرفض ترك المكان، ويفضل الموت في وطنه بين ركام منزله."
حياة مُعلقة بين الركام
يقول نصر شتيوي، من حي الزيتون، وهو يقف فوق أنقاض منزله الذي تهدم بالكامل: "بعد انتهاء القصف عدنا لنرى ما تبقى من بيوتنا، لكن لا يمكننا التحرك بحرّية، الخط الأصفر قريب، والناس تخاف، كل خطوة هنا محسوبة، وكأنك تمشي في حقل ألغام."
ويتابع شتيوي (33 عاماً): "نحاول العودة لجمع ما تبقى من ممتلكاتنا، لكنّ أيّ حركة باتجاه الشرق تجعلنا نشعر بأننا نقترب من الخطر، فالجيش الإسرائيلي يقول إنّه خط أمني، لكن بالنسبة إلينا هو جدار من الخوف."
ويوضح: "أستيقظ كل صباح على صوت الجرافات والطائرات، ولا نعرف هل يسمح لنا بالبقاء هنا أم لا، لكن لا مكان آخر نذهب إليه، حتى عندما نحاول جمع بعض المقتنيات من بيتنا المدمَّر، نحذر من الاقتراب أكثر من اللازم."
ويضيف: "قبل أيام وأثناء جمع أحد أبنائي الخشب لطهو الطعام، انفجر جسم صغير بين يديه، ولم نكن نعرف أنّه لغم، ونُقل إلى المستشفى وفقد أصابعه، والآن نخاف حتى من رفع الحجارة."
ويؤكد: "كل يوم نعيش في خوف، وأولادي لا يخرجون للّعب، حتى لجمع الماء أو الحطب، لكن ماذا نفعل؟ لا يمكننا ترك المكان."
حياة بلا حدود واضحة
في خيمة صغيرة نُصبت فوق أنقاض منزلها في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تقول الفلسطينية خديجة ورش آغا (47 عاماً): "عدت بعد توقف القصف لأرى البيت، فلم أجد شيئاً، فقط الغبار والحجارة، فأنا أعلم أنّ المكان خطير، كونه قريباً من الخط الأصفر، لكن لا أستطيع تركه، هنا ذكرياتي، وهنا دفنت ابني الصغير."
وتضيف: "عشت وعائلتي كل حياتنا هنا، تحت هذا السقف الذي لم يبقَ منه شيء، حيث ينام أولادي على الأرض بين الركام، ونخاف من أيّ حركة باتجاه الخط الأصفر".
وتوضح: "الخطر هناك لا يرى، لكنّه حاضر في كل نسمة هواء، ولا نعرف إن كانت الرصاصة ستأتي اليوم أم غداً، سابقاً كنا نخاف من القصف، والآن نخاف من الأرض نفسها."
وتتابع: "أطفالي يحفظون حدود الخطر أكثر ممّا يحفظون طريق المدرسة، حتى صار الخط الأصفر جزءاً من حديثنا اليومي، حيث نعيش على حافة الموت، لكننا نحاول التأقلم مع هذا الواقع الصعب."
وتؤكّد: "هنا لا نبحث عن الرفاهية، فقط نريد أن نعيش بدون خوف، أن ننام ليلة واحدة دون أن نحسب المسافة بيننا وبين الموت. نعيش حالياً فقط على الانتظار، فكل يوم نسمع عن احتمال عودة القصف، وعن تحذيرات من الاقتراب من الخط الأصفر، كأننا محاصرون داخل خوف لا ينتهي."
تقسيم جغرافي وسياسي
يرى الكاتب والمحلل السياسي خليل الشاهين أنّ "إسرائيل تحاول إيصال عدة رسائل بإنشائها الخط الأصفر؛ أبرزها رسائل أمنية مفادها إبقاء عمق تحرك إسرائيلي في القطاع لصالح ملاحقة بنى تحتية يعتبرها الاحتلال تهديداً له، وأيضاً إيصال رسالة سياسية بأنّ الانسحاب الكامل غير مضمون، وأنّ هناك حدوداً جديدة يمكن أن ترسم للقطاع، وأخيراً إيصال رسالة تفاوضية لخلق ورقة ضغط في أيّ مفاوضات مستقبلية بشأن الحدود وإدارة غزة وغيرها."
ويضيف الشاهين: "الخط الأصفر يمكن اعتباره بداية لتقسيم جغرافي وسياسي فعلي، لأنّ بقاء السيطرة العسكرية أو القيود على الحركة داخل نطاق واسع من القطاع لفترات ممتدة، سيؤدي إلى فصل اقتصادي واجتماعي بين أجزاء القطاع، وقد يتحول إلى واقع سياسي يُشكّل قاعدة لمطالب إنشاء آليات إدارة أو رقابة مختلفة عن السلطة القائمة."
ويوضح: "سيمنع الخط الأصفر عودة السكان إلى مناطق واسعة من القطاع، ويجعل من إعادة الإعمار فيها شبه مستحيلة ما لم تتغير شروط السيطرة، وهذا يؤدي إلى نزوح دائم، وضغط على البنية التحتية في الجنوب، وفقدان المساكن والوظائف والروابط المجتمعية."
ويؤكّد الكاتب والمحلل السياسي أنّه "في ظل هذا الواقع المأساوي، فإنّ أيّ أفق لحل سياسي قريب يُعدّ ضعيفاً جداً، ما لم يحصل ضغط دولي فعال أو تراجع استراتيجي من أحد الطرفين، في حين ستبقى الحلول المرحلية، كالهدنة، وتبادل الأسرى، ودخول المساعدات، أمّا الحلّ الدائم، فإنّه يحتاج إلى إطار إقليمي ودولي يشمل ضمانات أمنية وسياسية ومالية لإعادة الإعمار وعودة السكان."
وقد ارتكبت إسرائيل منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ولمدة سنتين، إبادة جماعية في غزة، خلّفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مصاب، معظمهم أطفال ونساء.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
