سجن تدمر: كابوس يروي تاريخ الخوف في سوريا

سجن تدمر

سجن تدمر: كابوس يروي تاريخ الخوف في سوريا

مشاهدة

07/07/2019

لا يكاد يمر يوم على سوريا، وشعبها، دون أن تكون حاضرة في حياتهم اليومية قصص وحكايات لا تنتهي عن السجن والاعتقال، والموت تحت التعذيب. حتى إنّ السوريين، ومن كثرة سماعهم شهادات مروعة عن ما يحدث من تعذيب وإذلال وإهانة لكرامة الإنسان داخل تلك السجون؛ باتوا يطلقون على السجون والمعتقلات في سوريا، بـ "المسلخ".

اقرأ أيضاً: السجون الإيرانية: سجلات دموية ووقائع مروّعة.. هؤلاء بعض الضحايا
مرّ "اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب" بتاريخ 26 حزيران (يونيو) الماضي. وطرحت المناسبة سؤالاً عما يمكن أن يستحضر المرء عن بلدٍ مثل سوريا؛ لم توقف عمليات التعذيب داخل سجونها ومعتقلاتها، هذا عدا القوائم الطويلة من مئات الأسماء التي باتت تظهر لأسماء معتقلين في المكاتب والدوائر الحكومية السورية، لشباب ماتوا "بسكتة قلبية"؛ أي تحت التعذيب.
يصعب أن يمضي هذا اليوم، دون أن يكون حاضراً في الذاكرة، السجن الذي يعد من أكثر السجون بشاعة في تاريخ سوريا المعاصر؛ "سجن تدمر".
الكاتب والمخرج المسرحي غسان جباعي

سجن في وسط الصحراء
يقع السجن بالقرب من مدينة تدمر الصحراوية، والمعروفة عالمياً بالمدينة الأثرية، لكثرة الآثار التي تشهد على تاريخ وجود حضارة عريقة حيث كانت المدينة جزءاً من مملكة اسمها مملكة تدمر. ويبعد السجن مسافة 200 كلم شمال شرق العاصمة دمشق. وافتتح السجن عام 1966، وجرى تدميره من قبل تنظيم " داعش"، عندما سيطر على المنطقة في عام 2015.

في فيلم "رحلة إلى الذاكرة" يتحدث المساجين الثلاثة عن فكرة الخوف من التعذيب أو الخوف من الموت داخل السجن

خلال حكم حافظ الأسد، وابنه بشار الأسد، والفترة التي سبقت بداية الثورة السورية، لم تتوافر شهادات كثيرة عن سجن تدمر، لقلة المسجونين الذي خرجوا أحياءً منه من جهة، ومن جهة أخرى كان الخوف يسيطر على كل من يخرج، في حال روايته ما حدث عبر وسائل إعلامية، أن يجري اعتقاله من جديد. لكن رغم ذلك كان هناك من تحدث عن هذه التجربة سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر.
أغلب السوريين يعلم ما كان يحدث داخل السجون، وخاصة أنّ المجزرة التي ارتكبها رفعت الأسد في سجن تدمر بتاريخ 27 حزيران (يونيو) 1980 في حق معارضين سياسيين، مازالت حاضرة في ذاكرتهم. وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إنّ "وحدات سرايا الدفاع تحت قيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد قتلت ما يقدر بنحو 1000 سجين أعزل". هذا عدا عن شهادات من معتقلين أردنيين ولبنانيين، كانوا قد قضوا فترة طويلة داخل سجن تدمر، وثقوا ما حدث معهم داخل السجن، كالمعتقل اللبناني السابق علي أبو دهن، الذي وثق تجربته في كتاب "عائد من جهنم: ذكريات من تدمر و أخواته".
أفلام وثقت تجربة السجن
وهناك عدد من الأفلام وثقت لتجربة هذا السجن أبرزها الفيلم التسجيلي " رحلة إلى الذاكرة " والذي أنتج في عام 2006، للمخرجة السورية هالا محمد، من خلال ظهور معارضين سوريين يتكلمون عن تجربتهم داخل سجن تدمر، وهم؛ الكاتب ياسين الحاج صالح، والكاتب والمخرج المسرحي غسان جباعي، والشاعر فرج بيرقدار.

 ياسين الحاج صالح
والفيلم عبارة عن رحلة داخل "ميكرو باص" إلى مدينة تدمر. أغلب مشاهد الفيلم تجري داخل الميكرو باص، لثلاثة أشخاص يروون سيرة محبسهم الطويلة.
ويبدأ كل كاتب منهم في التعريف عن نفسه، وطول المدة التي قضاها داخل السجن.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
يقول غسان جباعي "عندما دخلت السجن كان عمري 31 عاماً في عام 1982، وبقيت لعام 1992، عشرة أعوام، عام منها في فرع التحقيق العسكري تحت الأرض، وأربعة أعوام ونصف العام في سجن تدمر، بعد ذلك تم نقلنا إلى سجن صيدنايا، ومن ثم إخلاء سبيلنا".
أما فرج بيرقدار فيقول "أمضيت في السجن 14 عاماً. حين اعتقلت كان عمري 36 عاماً، وخرجت وأنا عمري 50 عاماً. العام الأول أمضيته في "فرع فلسطين" تحت التحقيق، بعدها نقلت إلى سجن تدمر الصحراوي، وأمضيت هناك خمسة أعوام تقريباً، فيما بعد نقلت إلى صيدنايا، وبقيت هناك حتى الإفراج عني عام 2000"
ومن ثم يقول ياسين الحاج صالح " دخلت إلى السجن عام 1980، وكان عمري وقتها 19 عاماً. قضيت 11 عاماً وأكثر قليلاً في سجن المسلمية في حلب، بعد ذلك قضيت أربعة أعوام في سجن عدرا بالقرب من دمشق، وفي عام 1993 حكمت علي محكمة أمن الدولة 15 عاماً، وبعد أن انتهت الفترة، أرسلوني إلى سجن تدمر، وقضيت هناك عاماً إضافياً، يعني أكملت 16 عاماً، وخرجت بأواخر عام 1996".
الذهاب إلى تدمر بدون قيود
يمازح غسان جباعي أصدقاءه في الرحلة، ويقول لهم؛ هل يعقل أن نذهب إلى تدمر من غير أن تكون أيدينا خلفنا ومقيّدة، وعيوننا معصوبة؟

سجن تدمر تجري فيه أكثر ممارسات التعذيب بحق السجون وهو المشهور بعبارة "الداخل مفقود، والخارج مولود"

يفتح هذا السؤال، الذي يحمل في طياته سخرية مريرة، رعب كل واحد منهم عندما علم أو لم يعلم، أنه ذاهب إلى قضاء فترة في سجن تدمر. إذ كانوا على معرفة مسبقة، أن سجن تدمر تجري فيه أكثر ممارسات التعذيب بحق السجون وهو المشهور بعبارة "الداخل مفقود، والخارج مولود".
لاحقاً سيكتب ياسين الحاج صالح عن دموية وبشاعة سجن تدمر، من خلال سرده لتجربة أعوام سجنه في كتابه "بالخلاص يا شباب" (صدر عن دار الساقي في بيروت)، أو من خلال سلسلة مقالات. كالمقال الذي نشر على موقع "الجمهورية.نت" تحت عنوان " تدمر كسياسة: عن المصنع السري للدولة الأسدية"  يشرح الحاج صالح من خلاله، كيف أنّه من الاستحالة على السجين أن يعرف شكل المكان، ومن ماذا يتكون، وهو بداخل سجن تدمر: "كمكان، لا يعرف السجناء هندسة المعسكر. قلما نخرج من مهاجعنا، وحيثما خرجنا من باب المهجع (إلى باحته) نكون منكّسي الرؤوس بشدة، فإذا خرجنا إلى الإدارة نكون مُطمّشي العيون أيضاً فوق تنكيس الرؤوس. حتى داخل المهاجع رؤوسنا منكسة، وإذا ضُبط أحدنا مرفوع الرأس يتعرض لعقاب عشوائي لا يعرف له مقدار. هذا يعطي السجن خاصية متاهيّة، ويفاقم من ثقله على السجناء. لو تخيلنا أنّ سجيناً استطاع الخروج من الأبواب الحديدية للمهجع ثم من حوش المهجع، فإنه لن يستطيع أن يشق دربه إلى الخارج لأنه لا يعرف الطريق. لم يكن الحال كذلك في سجنين آخرين قضيت فيهما أوقاتاً أطول".
الشاعر فرج بيرقدار

عن فكرة الخوف
وفي فيلم "رحلة إلى الذاكرة" يتحدث الثلاثة عن فكرة الخوف، إن كان الخوف من التعذيب، أو الخوف من الموت داخل السجن. بالنسبة لغسان جباعي كانت لحظة الخوف الأكثر تأثيراً عليه هو أن تهان كرامته كإنسان فيقول "ربما الخوف هو الخوف على كرامتك، تخاف أن تهان، وعندما تهان ما عاد هناك شيء تخاف عليه". ويقول فرج بيرقدار "سجن تدمر، خوف يومي. الخوف من ضربة طائشة قد تعطب جسدك، فتخرج بعاهة دائمة، وهناك كثيرون قد تشوهوا، وأحياناً قد يلحق السجين الأذى أثناء التحقيق، في حال كان يجري استعمال وسيلة قاسية. وأحياناً يكون الخوف، بأن ترى غيرك يُعذّب ..". وكان الشاعر فرج بيرقدار قد كتب عن تجربته في السجون السورية في كتابه "خيانات اللغة والصمت" (صدر عن دار الجديد في بيروت).

اقرأ أيضاً: بالأرقام.. سجناء يقضون بسبب التعذيب في السجون التركية
وفي مطلع عام 2017 صدر فيلم جديد عن سجن تدمر بعنوان "تدمر "Tadmor، للمخرجين " مونيكا بورغمان ولقمان محسن سليم". والفيلم ينتمي لنوع "الدراما الوثائقية". وهو يحكي عن المعتقلين اللبنانيين السابقين في سجن تدمر، بعد أن قرروا كسر حاجز الصمت والتحدث عن تجربتهم، كما يسلط الفيلم الضوء على آليات التعذيب التي كانت تمارس بحق المعتقلين داخل السجن.

الصفحة الرئيسية