سؤال الاعتراف في أفق التعدّدية الثقافية

سؤال الاعتراف في أفق التعدّدية الثقافية

سؤال الاعتراف في أفق التعدّدية الثقافية


11/09/2025

لا يمكن أن نفصل سؤال الاعتراف ـ كما بدت ملامحه مع الفلسفة السياسية المعاصرة ـ عن أفق التّعدُّدية الثقافية، كما أنَّ الرهان عليهما ضروريٌّ وأساسيٌّ حين يتعلَّق الأمر بسياقنا العربيّ المعاصر. تتمفصل العلاقة بين الاعتراف والتعدُّدية الثقافية تمفْصُلاً يسمح ببناء أفق تحليليّ دقيق للظَّواهر الاجتماعية والسياسية، وما ينتُج عنها من أشكال الصراعات الطائفية والحركات ذات المطالب الهُوياتية، وما جرى في مجراهما. ثمَّة، إذن، ما يدفعنا نحو نوع من "الفهم" يؤطِّر شكل العلاقة بين "الهويَّة الجماعية"، ومظاهر الصراع السياسيّ، أو لنقلْ فهم الكيفيات التي يمكن أن تؤدّي بها تلك "الهويَّات الجماعية" إلى تعزيز الصراع السياسي. وفوق ذلك كلِّه، يمكن التفكير في ضرورة إيجاد نموذج للمواطنة يتجاوز الشكل التقليديّ للدولة القومية، ويفتح السبيل أمام هذا القبول الموسَّع لأشكال التعدُّدية الثقافية.

يمكنُ القول ـ بدءاً ـ إنَّ الهويَّة ليست شأناً فرديًّا، ولا هي نتاج تأمُّل خاصّ، ولكنَّها نتاجٌ لسياقٍ حواريٍّ، ولا سبيل إلى وجودها من غير تحقّق الاعتراف من قبل الآخرين؛ لأنَّهم أساسٌ لا غنى عنه من أجل وجودها واستمراريتها. ما أحوجنا إلى إعادة تأمُّل مثل هذا التعريف الذي تصدح به الفلسفات السياسية المعاصرة كلُّها وليست تنكِره؛ إذ الواقع العربي موشوم بأشكال من التَّعدُّد والاختلاف الثقافيّ، والعرقيّ، والدينيّ، وغالباً ما يُواجه بأساليب من القمع، والإهمال، والتشويه، من قبل أنظمة الحكم المركزية، أو لنقل ـ على وجه التحديد ـ من قبل الثقافة المهيمنة، التي تدَّعي أنَّ قوام الهويَّة على الوحدة أو التطابق. ما حقيقة الصراع الذي يضرب بجذوره عميقاً في شتَّى بقاع العالم العربيّ؟ إنَّه صراع هوياتيّ يجد معينه في ما هو طائفيّ وعرقيّ؛ كما في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ولكنَّه صراعٌ يتأسَّس على محاولة لنزع الاعتراف بضرورة الاختلاف.

الهويَّة ليست شأناً فرديًّا، ولا هي نتاج تأمُّل خاصّ، ولكنَّها نتاجٌ لسياقٍ حواريٍّ، ولا سبيل إلى وجودها من غير تحقّق الاعتراف من قبل الآخرين

لطالما سعت الأقلِّيات الدينية، والمجموعات العرقية إلى اعتراف رسميّ ومُعلن بأحَقِّيتها في الوجود، ليس فقط من أجل الحصول على حقوق فردية متساوية؛ لأنَّ وجودها ـ في الأصل ـ وجود مؤسِّس، وليس وجوداً ثانويًّا؛ لأنَّها مكوِّناتٌ ضروريَّة من أجل بقاء المجتمع واستمراريته. غيرَ أنَّ ما يلاحظ، بالمقابل من ذلك، هو أنَّ تجاهُل مطالب هذه الفئات يزيد الهوَّةً عمقاً، ويؤدّي إلى استشعار تلك الفئات بالغبن والإقصاء، الأمرُ الذي يغذِّي منطق العنف والصراع عندها. تكشِف هذه الصُّورة عن غياب "السياسة الحواريَّة" بمعناها الأوسع، والتي تمنح لكلِّ فئة الحقَّ في أنْ تعبِّر عن رأيها، وفق ما يحدِّدُه مبدأ الاحترام، وأنَّه متى غابت هذه السياسة، فستظلُّ الهويَّة محلَّ صراع بدلاً من أن تكون مصدراً للتَّنوُّع والاختلاف.

ما السبيل، إذن، إلى ترسيخ قيم الاعتراف والتعدُّدية الثقافية؟ لا بدَّ أن يكون المدخل إلى هذا الطَّور نابعاً من نقد المفهوم الموسَّع للقومية، الذي تبنَّته ـ لردح طويل ـ كثيرٌ من الدول العربية بُعيد استقلالها؛ لأنَّ ما ترتَّب عن هذا النموذج من نتائج كارثيَّة لا يمكن حصرها على كافَّة الأصعدة والمستويات. همَّشَ هذا النموذج الهويَّات المحلية والفرعية لصالح الدفاع عن "هويَّة موحَّدة" ومركزيَّة أقلُّ ما يُقال عنها إنَّها متخيَّلةٌ وطوباوبيةٌ لا تمتّ إلى الواقع بصلة. لكن بالمقابل من ذلك فإنَّ أيَّ دولة تتبنَّى هذ النموذج، فهي مدعوَّةٌ إلى أنْ تتبنَّى فهماً محدَّداً للمواطنة يتجاوز الإطار الضيق للمساواة بين المواطنين، ليحمي حقوقهم الجماعية وليحفظ ثقافاتهم. ليس بوسع الدولة في سياقنا العربي، تبعاً لهذا المنظور، أن تغض الطَّرف عن أشكال التعدُّدية الدينية، أو اللغوية، أو العرقية.

تُبنى المواطنة وجوباً على أساس الاعتراف بأنَّ الأفراد ـ هم في الأصل ـ ذوو انتماءات ثقافية متعدِّدة، وأنَّ تلك الانتماءات جزءٌ لا يتجزَّأ من هويَّتهم. ربَّما يدفعُنا الإقرار بمثل هذه الدعوى إلى التأكيد على أهميَّة إعادة التفكير في الدساتير والقوانين، والسياسات العامَّة بما يضمن تمثيلاً عادلاً لمختلف المكوِّنات الاجتماعية، وهذا الأمر قد يضع الأنظمة السياسية الحالية أمام تحدِّيات كُبرى، في الوقت الذي تسعى هي (أي الأنظمة) إلى الحفاظ على سلطتها المركزية، وإنْ كان ذلك على حساب التعدُّد والتنوُّع.

راهنت القوميَّة لزمن طويل على الإسلام، وتوسَّلتْه بشتَّى الطُّرق، حتى يكون طوعاً لمشروعها القائم على تحقيق الوحدة العربية. لكن لا يمكن حصر الإسلام ضمن هذه الرُّؤية الضَّيقة التي تدمجُ منطق "العروبة" بمنطق الدِّين الذي يفترضُ أنَّه أوسع نطاقاً، ولربَّما أمسى هذا النَّقد ضروريًّا في سياق تطوَّرت فيه الحركات الإسلامية التي وجدت في الإسلام السياسي صوتها الناطق باسم الماضي والحاضر والمستقبل. يلقي هذا السياق بثقله كاملاً ويعيد إلى المشهد الفكريّ مسألة إعادة تعريف "الهويَّة الإسلاميَّة"، وتحقيق "الاعتراف" بها كـ "هويَّة جماعية" متنوِّعة ومتعدِّدة، في تجاوز كلِّيّ لمنطق "الفرقة الناجية"، أو لنقل بما يحقِّق مبدأ الانتقال من "الفرقة الناجية" إلى "التعدُّدية الثقافية". قد يقودنا "فهم" تلك النطاقات إلى فهم "الأسباب" القائمة من وراء توتُّر "الهويات الإسلامية" وتنافرها، ويمكن القول إنَّ هذا الصراع إنَّما غايته نزع الاعتراف بالهوية الدينية ومشروعية السردية التأسيسية.

وإذا كانت هذه الحال من داخل الإسلام؛ فَكَيف يُمْكن للإسلام أن يعترف بوجود الآخر غير المسلم، وكيف يمكن للآخر أن يعترف بالهوية الإسلامية دون أن يراها كتهديد؟ يمكن القول إنَّ الحلَّ يكمن في "الحوار"، لا في الإقصاء، وإيجاد أرضية مشتركة تؤسِّس لقيم التبادل المعرفيّ والثقافيّ بين الثقافات، وهو الأمر الذي يمثِّل تحدِّياً كبيراً بالنسبة إلى المجتمعات العربية والإسلامية في ظلّ التوترات الراهنة.

تُبنى المواطنة وجوباً على أساس الاعتراف بأنَّ الأفراد ـ هم في الأصل ـ ذوو انتماءات ثقافية متعدِّدة، وأنَّ تلك الانتماءات جزءٌ لا يتجزَّأ من هويَّتهم

تتشكل الهوية من خلال الحوار والاعتراف، وتلعب المؤسسات الثقافية، مثل التعليم والإعلام، دورًا حاسمًا في هذه العملية. في العديد من الدول العربية غالبًا ما يُستخدم النظام التعليمي والإعلام الرسمي لفرض هوية قومية أو دينية موحدة، مع تهميش أو تجاهل اللغات واللهجات المحلية، والتاريخ المختلف، والمعتقدات المتنوعة. فالمناهج المدرسية قد لا تقدّم التاريخ الأمازيغي أو الكردي بشكل كافٍ، أو قد تقدّم الإسلام من منظور واحد، ممّا يؤدي إلى شعور الأقليات بأنّ هويتها غير معترف بها. في المقابل، لو تم تبنّي نهج يعترف بالتعددية، فستكون المناهج التعليمية أكثر شمولية، وتعترف بالتنوع الثقافي للمجتمع، وتقدّم روايات تاريخية متعددة. هذا الأمر لا يعزز فقط من كرامة الأفراد، بل يرسخ أيضًا مبدأ المواطنة الشاملة القائمة على التنوع.

تشكّل السرديات التاريخية جزءًا أساسيًا من الهوية، وفي العالم العربي، غالبًا ما تُكتب هذه السرديات من منظور النخبة الحاكمة أو الأغلبية. هذا النهج يؤدي إلى إهمال أو تشويه تجارب الأقليات، ممّا يخلق فجوة في الوعي الجمعي. على سبيل المثال، قد لا يُدرَّس تاريخ مسيحيي المشرق أو يهود العرب بشكل كافٍ في المدارس. لتعزيز التفاهم المشترك من الضروري إعادة كتابة التاريخ ليصبح أكثر شمولية وصدقًا، بحيث تُقدم كل مكونات المجتمع قصصها الخاصة، وتُمنح هذه القصص قيمة متساوية. هذا النهج يساهم في التئام الجروح التاريخية ويؤسس لمستقبل يقوم على التفاهم المتبادل بدلًا من التجاهل أو الإنكار.

ويمثل الحوار بين الثقافات ضرورة لتجاوز الصراعات الهوياتية. فبدلًا من سعي كل مجموعة ثقافية لإثبات تفوقها على الأخرى، يجب عليها الانخراط في حوار حقيقي يوسع من آفاق كل طرف. في السياق العربي، هذا يعني أنّ الأغلبية يجب ألّا تنظر إلى المجموعات الأخرى كـ "آخر" يجب التحكم فيه أو قمعه، بل كجزء أصيل من النسيج الاجتماعي. وبالمثل، يجب على الأقليات أن تشارك في الحوار الوطني دون أن تتخلى عن هويتها. يتطلب تحقيق هذا الحوار وجود مساحات عامة للنقاش، ووسائل إعلام مستقلة، وأنظمة سياسية تُقدّر التنوع وتدافع عنه. إنّ فشل الدول في توفير هذه المساحات يفسّر جزئيًا انتشار العنف والصراعات الهوياتية، حيث تتحول الهوية إلى ملاذ وحيد للأفراد والجماعات، وتصبح قضية حياة أو موت في غياب الاعتراف الرسمي بها.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية