
في أحد الأزقة التي محتها الغارات من الخريطة بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، يبدأ سامر صافي (42 عاماً) رحلته اليومية، يحمل فأساً صدئة، وكيساً بلاستيكياً مثقوباً، ووصية صامتة لأطفاله بأن ينتظروا عودته.
يقول صافي: "أخرج ولا أعرف إن كنت سأعود أم لا"، يقولها بهدوء خالٍ من الدراما، كأنّ الموت بات احتمالاً عادياً لا يستحق الانفعال.
وبحسب تقارير اقتصادية، ارتفعت أسعار الحطب في غزة بنسبة 1500% منذ اندلاع الحرب الأخيرة، إذ وصل سعر الكيلو الواحد إلى (7ـ 10) شواكل، وتحتاج العائلة إلى نحو (5) كيلوغرامات يوميّاً للطهو فقط، ومع ندرة الأخشاب الطبيعية في القطاع المحاصر، ظهرت أسواق صغيرة للحطب المصنوع من بقايا الأثاث والمنازل المهدّمة.
ووفق مكتب الإعلام الحكومي، يحتاج قطاع غزة في الظروف الطبيعية إلى ما بين (400 و500) طن من الغاز يوميًا لتلبية احتياجات السكان والمخابز والمطاعم والمستشفيات، لكن ما يدخل فعليّاً منذ بدء الهدنة لا يتجاوز (120 إلى 150) طنّاً في أفضل الأيام، أي أقلّ من ثلث الاحتياج الأساسي.
السير بين فكّي الخطر
يقول صافي: "لدينا طحين، وعدس ومعلبات، ولكن من دون نار لا شيء يؤكل، فالأطفال لا يحتملون الجوع والبرد."
ويوضح: "رحلة البحث عن الحطب تبدأ غالباً من المناطق المدمرة في البيوت التي سويت بالأرض، والمدارس، والمساجد، وحتى أشجار اقتلعت أو احترقت بفعل القصف."
ويتابع: "الطريق إلى جمع الحطب ليس آمناً، وتحديداً أنّ البحث يكون على مقربة من أماكن تواجد قوات الاحتلال داخل الخط الأصفر، وقد أتعرّض لإطلاق النار والقصف في أيّ لحظة، وتشكّل المباني المنهارة مصائد موت صامتة، فالخطر ليس فقط من السماء، فالأرض نفسها قد تبتلعك."
ويروي حادثة وقعت قبل أسابيع: "كنت أبحث في منزل مدمّر، وفجأة انهار سقف جزئي، ابني كان معي، أصيب في ساقه، ولم نجد وسيلة لإسعافه، حملناه وبعض السكان بالمنطقة على باب خشبي، الباب نفسه الذي جئنا به لنتخذه حطباً."
ويوضح: "نجمع الأبواب، والنوافذ، وأحياناً قطع أثاث وجدناها في البيوت المدمرة، فنحن نحرق ذاكرة بيوت الناس كي نعيش."
ويبين: "مع ندرة الحطب نشأ ما يشبه سوقاً سوداء بدائية، وتباع رزم الخشب بأسعار خيالية، فقد وصل سعر الكيلوغرام الواحد إلى (8) شواكل (دولارين ونصف)، ونقايض أحياناً بالطعام أو الملابس."
ويؤكد صافي: "حين أعود بالحطب أشعر بالراحة والخوف معاً، الراحة لأننا سنأكل، والخوف لأنني أعرف أنني أخاطر بحياتي، فنحن لسنا أبطالاً، نحن فقط نحاول تأجيل الموت."
نخاف، ولكن الجوع أقسى
سمية النجار (38 عاماً) من بلدة بني سهيلا في خان يونس جنوب قطاع غزة، حين تستيقظ قبل الفجر لا توقظها ساعة منبّه، بل الخوف من يوم جديد بلا نار، وبلا طعام ساخن، وبلا يقين إن كانت ستعود من رحلتها أم لا.
تخرج من الخيمة المهترئة التي تؤويها هي وأطفالها الأربعة، تشدّ غطاء رأسها، وتحمل كيساً فارغاً متجهة نحو الركام بحثاً عن الحطب.
تقول: "لم أتخيل يوماً أن أترك أطفالي وحدهم لأذهب أبحث عن خشب، لكن في غزة الأم تفعل ما لم تكن تتصوره يوماً."
وتوضح: "زوجي أصيب قبل أشهر بطلق ناري في قدمه أثناء جمعه الحطب، ولم يعد قادراً على المشي لمسافات طويلة، وأنا أخرج الآن، وإن لم أفعل، فلن يأكل أطفالي."
تسير النجار مسافات طويلة بين المباني المنهارة، تتجنب الطرق المفتوحة، وتبحث عن أيّ بقايا خشب، وتقول: "أبحث عن باب خشبي مكسور، أو نافذة، أو لوح سرير، أو جذع شجرة."
وتتوقف النجار عند بيت مدمّر جزئياً، وتشير إلى زاوية مظلمة، وتقول: "هنا وجدنا فتاة ميتة قبل أيام بطلق ناري وهي تجمع الحطب مثلنا في منطقة قريبة من تواجد الجيش الإسرائيلي، أنا أخاف من الموت لكنّ الجوع أقسى من الخوف، وأعلم أنّ كل امرأة هنا تعرف أنّها قد تكون التالية."
وتصمت قليلاً، ثم تتابع: "في إحدى المرات سقطت بين الركام وأصبت في قدمي بخدوش وكدمات، نزفت، لكنني ربطت الجرح بقطعة قماش، ولم أعد فوراً، أكملت البحث، وكنت أفكر، الدم يوقفه الوقت، لكنّ جوع الأطفال لا ينتظر."
ومع ندرة الخشب، تحوّل الحطب إلى عملة، تقول: "أحياناً أبادل قطعة حطب بعلبة طعام، أو أُعطي نصف ما جمعت لجارة عجوز لا تستطيع الخروج."
وحين تعود يستقبلها أطفالها بنظرات مختلطة من الفرح والخوف، ويسألونها: "ماما، رجعتِ؟ كأنّ العودة بحد ذاتها إنجاز، وتتابع: أضع الحطب قرب الموقد، وأبدأ بإشعال النار، وحين تشتعل أشعر بأنني أنقذتهم اليوم فقط."
الطريق إلى الخشب طريق إلى القلق
ولم يعد الفلسطيني سيد أبو جراد يحصي أيام الحرب، بل عدد المرات التي خرج فيها وعاد حيّاً، ورغم أنّه لم يتجاوز العشرينات من عمره، لكنّ ملامحه أكبر من سنه بكثير، يحمل على كتفيه كيساً كبيراً، ومطرقة، ويتحرك بخفة بين الركام، كأنّ المدينة علمته كيف ينجو.
يبدأ أبو جراد (22 عاماً) رحلة البحث عن الحطب مع ساعات الفجر الأولى، ويختار الأزقة الضيقة، ويتجنب الشوارع المفتوحة تجنباً لأيّ خطر قد يواجهه.
يروي حادثة لن ينساها: "قبل شهر تقريباً كنت مع صديقين نقوم بجمع الحطب، وإذ بانفجار قريب أسقطنا أرضاً، قتل أحد الأصدقاء وأصبت وصديقي الآخر بجروح مختلفة، جئنا نجمع الحطب، وعدنا نحمل جسداً."
ويضيف: "الخوف موجود، لكن لا وقت له، والدي مريض، ووالدتي تخاف عليّ أكثر ممّا تخاف من الجوع، وكل مرة أخرج أرى الخوف في عينيها، لكن إن لم أخرج، فسأرى شيئاً أسوأ، وهو أن يبقى أفراد عائلتي جائعين."
ويوضح أبو جراد الذي نزح من بيت لاهيا شمال قطاع غزة إلى مخيم البريج شرق القطاع: "أنا لا أبحث عن الحطب فقط، أنا أبحث عن سبب يجعل البيت يستمر ليوم إضافي."
وكان أبو جراد طالباً جامعيّاً قبل الحرب، يدرس الهندسة ويخطط لمستقبل لم يعد موجوداً، واليوم تحولت مهامه إلى تأمين الحطب والماء والغذاء لعائلته المكوّنة من سبعة أفراد.
يقول: "الحصول على غاز الطهو يحتاج وقتاً طويلاً يزيد على (50) يوماً، وإن لم نشعل ناراً، فلن نأكل. نحن الشباب صرنا الوقود، نخرج لأننا الأسرع والأقوى، ولأنّ الجميع يعتمد علينا، نحمل الحطب بدل الأحلام، ونواجه الموت بلا دروع."
عنف اقتصادي غير مباشر
يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي محمد جودة أنّ "لجوء بعض السكان في غزة لجمع الحطب يعكس انهيار الأسواق وفقدان القدرة الشرائية، فقد يستبدل الاقتصاد النقدي باقتصاد يعتمد على الموارد البدائية، وهذا سلوك اقتصادي قسري ناتج عن غياب البدائل، وليس خياراً استهلاكيّاً".
يقول جودة: "الموت أثناء تأمين الاحتياجات كالحطب وغيره يُعدّ شكلاً من أشكال العنف الاقتصادي غير المباشر، وخاصة حين تجبر الظروف السياسية والعسكرية الأفراد على دفع حياتهم ثمناً لوصولهم إلى احتياجات أساسية."
ويضيف: "الأولويات لدى السكان بغزة لم تعد التعليم أو الادخار، بل توفير الحد الأدنى من الطاقة للطهو والتدفئة، مهما كانت التكلفة أو المخاطر."
ويوضح: "توقف محطة الكهرباء وارتفاع أسعار الغاز أدّيا إلى تشوّه أنماط الاستهلاك، فقد ارتفعت تكلفة الحطب من حيث الوقت، والجهد، والمخاطر، رغم أنّها مجانية ظاهريّاً."
ويتابع: "كلما شحّ الوقود، زادت المسافة التي يقطعها الأفراد، ودخلوا مناطق مدمرة أو مكشوفة، وهو ما يحول الحاجة الاقتصادية إلى مقامرة بالحياة."
وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 شنت إسرائيل حرباً على غزة استمرت عامين، أسفرت عن مقتل أكثر من (71) ألف فلسطيني وإصابة أكثر من (171) ألفاً آخرين، وتدمير 90% من البنية التحتية المدنية، بتكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو ( (70مليار دولار.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
