"ديانت": تقويض العلمانية داخل تركيا وخدمة أحلام أردوغان خارجها

"ديانت": تقويض العلمانية داخل تركيا وخدمة أحلام أردوغان خارجها

مشاهدة

14/09/2021

ظهرت رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) رسمياً، بالتزامن مع إعلان الدستور التركي عام 1924، وأنيط بها آنذاك بعض المهمات البسيطة، وذلك في إطار سعي مصطفى كمال في حينها إلى إبعاد رجال الدين عن السلطة، والسيطرة على المؤسسات الدينية لفرض حكم يتناسب مع الأفكار العلمانية.

وقبل تلك الفترة، كان "شيخ الإسلام"، وهو موظف حكومي، يدير الشؤون المتعلقة بالإسلام في الدولة العثمانية، وله صلاحيات تتعلق بالإشراف على شؤون التعليم والقضاء إلى جانب الشؤون الدينية والأوقاف، وعلى الرغم من أنّ رئاسة الشؤون الدينية هي النسخة المؤسساتية التي حلّت مكان "مشيخة الإسلام"، إلا أنّ صلاحيات المؤسسة الجديدة كانت بسيطة ومسيطراً عليها من قِبل الحكومة العلمانية وتابعة إدارياً وقانونياً لرئاسة الجمهورية.

اقرأ أيضاً: برلمانية: "ديانت" من بقايا عصر الجاهلية دورها أبعد من المجال الديني

أما مهمتها القانونية فحددها قانون التأسيس، بتسيير الأعمال الخاصة بمجال العبادات والاعتقاد في دين الإسلام، وإدارة المؤسسات الدينية، ومنح القانون رئاسة الشؤون الدينية مسؤولية إدارة المساجد وموظفيها فقط.

وفي العام 1982، حدد الدستور المعايير التي يتعين على رئاسة الشؤون الدينية التقيد بها أثناء أداء مهامها كالآتي: "على رئاسة الشؤون الدينية القيام بأعمالها ضمن إطار مبدأ العلمانية وذلك عبر حفظ التضامن الوطني والتكامل بعيداً عن كافة الآراء والأفكار السياسية"، وسمح أيضاً بتحويل رئاسة الشؤون الدينية إلى أداة للتبشير بالعلمانية وبرؤى الدولة لهوية الأتراك والتركيز على حب الوطن والمؤسسة العسكرية ونبذ التطرف الديني. فيما بقي لرئيس الجمهورية الحق في تعيين رئيسها وتحديد مهماته، إضافة لتحديد مهمات رجال الدين ومضمون خطبهم وتعاليمهم، ومنحهم رتباً ومعاشات على اعتبارهم موظفين حكوميين.

تضخيم "ديانت" واستغلالها

ومع تغيير هوية الحكم في تركيا وصعود حزب العدالة والتنمية، فتح الباب واسعاً أمام رئاسة الشؤون الدينية للعب دور جديد في المجتمع التركي؛ إذ إنّ المؤسسة الحكومية لم تعد مجرد إدارة ذات صلاحيات بسيطة وعدد قليل من الموظفين والكوادر، بل باتت اليوم تضم عشرات الآلاف من الموظفين ولها ميزانية ضخمة تعطيها إمكانية للتأثير في الشؤون الدينية والاجتماعية كما السياسية.

مع تغيير هوية الحكم في تركيا وصعود حزب العدالة والتنمية، فتح الباب واسعاً أمام رئاسة الشؤون الدينية للعب دور جديد في المجتمع التركي

وباتت المؤسسة تلعب اليوم إلى جانب الحزب الحاكم، دوراً في تعزيز مكانة الدين في الشأن العام والحياة، وتدفع باتجاه التخلص من أثر العلمانية و"الأتاتوركية" السابق في المجتمع والدولة.

وسجلت "ديانت" خلال النصف الأول من العام الماضي 2020 رقماً قياسياً جديداً في النفقات، بعدما أنفقت ما يزيد عن 5.6 مليار ليرة، متجاوزة عدداً من الوزارات.

مع الارتفاع الجنوني لنفقات رئاسة هيئة الشؤون الدينية في تركيا، أصبحت الهيئة في المركز 12 بين أكثر الهيئات الحكومية إنفاقاً، متقدمة على 28 مؤسسة حكومية، بحسب ما ذكرته صحيفة "زمان" التركية.

وتجاوزت هيئة الشؤون الدينية التركية وزارة السياحة التي أنفقت 3.7 ملياراً، ووزارة الصناعة التي أنفقت 2.2 ملياراً، خلال المدة ذاتها.

هل تسعى "ديانت" لإقامة إمارة إسلامية في تركيا؟

يرى الكاتب التركي أرجين يلديز أوغلو، إنّه بينما بدأت طالبان في بناء إمارة على أساس الشريعة في أفغانستان، لفت رئيس الشؤون الدينية في تركيا؛ علي أرباش، الانتباه بتصريحاته المخيفة مع صعوده السريع في جسم الدولة.

سجلت "ديانت" خلال النصف الأول من العام الماضي 2020 رقماً قياسياً جديداً في النفقات، بعدما أنفقت ما يزيد عن 5.6 مليار ليرة، متجاوزة عدداً من الوزارات

وقال الكاتب، في مقاله المنشور في صحيفة "جمهورييت" التركية، إنّه "خلال نظام حزب العدالة والتنمية الذي يعرف بأنه أحد أحزاب الإسلام السياسي، بدأت رئاسة الشؤون الدينية في التبلور باعتبارها مركز السلطة الثاني بعد الرئيس داخل الدولة".

وأكد الكاتب أنّه مع التصريحات المثيرة التي أطلقها ارباش وقوله إنّه "في المجالات التي لا تشكل موضوعاً للقانون، يمكن الاستفادة إلى حد ما من الأعراف أو القواعد الأخلاقية التي لها وظائف مشتركة مع القانون من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية"، ذكر رئيس الشؤون الدينية أنه يمكن تطبيق التفسيرات المبنية في منطقة أوسع إلى جانب القانون.

تغول على الحياة العامة

وأشار الكاتب إلى أنه (أرباش) "يرغب بالتدخل في العمليات التي تنظم الحياة"، علاوة على ذلك، قال إنّه "يجب سن قانون وسائل التواصل الاجتماعي"، و"يجب أن يكون الفقه قادراً على التدخل في المجالات التي تكون فيها الأنظمة القانونية غير كافية".

ونوه الكاتب أنّه باختصار، يجب التحكم في "وسائل التواصل الاجتماعي"، وهي المنطقة الأكثر ديناميكية في "النظام البيئي الثقافي"، ليس فقط من خلال القوانين الثابتة، ولكن أيضاً من خلال التفسيرات التعسفية لـ "ديانت" التي تتغير وفقاً للوضع. 

وأكد الكاتب على أنّ ديانت تريد سلطة "متكاملة"، نظاماً شمولياً، من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة.

يرى الكاتب التركي أرجين يلديز أنّ ديانت تريد سلطة "متكاملة"، نظاماً شمولياً، من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة

وختم الكاتب مقاله بالقول إنّ ديانت، التي تمت تعبئتها مع إنشاء الإمارة في أفغانستان، تريد أن تتمتع بسلطة المثقفين الدينيين هناك وأنّ ترسخ احتكار المعرفة الدينية وهيمنة هذه المعرفة على جميع عمليات المعلومات الأخرى تحت إرادتها. كما أنّ الرغبة النهائية للإسلام السياسي تتجلى في أنها "إمبراطورية".

ذراع لأردوغان خارج تركيا

أما في الخارج، فبات حضور رئاسة الشؤون الدينية قوياً في السنوات القليلة الماضية، حيث بات لها مكاتب وفروع في معظم الدول، مثل؛ ألمانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكا، وكذلك في أوزبكستان وأذربيجان وكازاخستان، حيث تواجه رئاسة الشؤون الدينية تنافساً حاداً مع الطرق الصوفية والجماعات الدينية التركية المنتشرة بقوة بين المهاجرين الأتراك. 

اقرأ أيضاً: تسييس الدين.. "ديانت" أداة أردوغان لاستلاب مسلمي وعرب فرنسا

وتوفد الهيئة مئات الخطباء والأئمة خارج تركيا للعمل في مساجد الاتحاد الإسلامي التركي "ديتيب" الذي وجهت لها أيضاً اتهامات بتكليف العاملين فيه بالتجسس على المعارضين للرئيس رجب أردوغان في عدة دول.

وعلى الرغم من أنّ هذه الطرق والجماعات كانت قد ثبتت أقدامها بين المهاجرين منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أنّ دخول رئاسة الشؤون الدينية في السنوات الأخيرة على خط هذا الصراع زاد من الحدية بين المؤسسات والقوى الإسلامية المختلفة لبسط نفوذها في الخارج، كما أعطى لرئاسة الشؤون الدينية فرصة لتوسيع تأثيرها الخارجي، وذلك لامتلاكها شرعية من السلطة التركية من ناحية، كما للأموال اللازمة لتنظيم نفسها والعمل بشكل ناشط أكثر من ناحية أخرى، وفق ما أورد معهد "hudson" للأبحاث.

في الخارج، تزيد المؤسسة من نفوذها بين الأتراك خدمة لسياسات الحزب الحاكم في إضعاف الجماعات الدينية الأخرى، ولخدمة للحكومة التركية في ملف العلاقة مع الدول الأوروبية

ويعود قسم من هذا الاهتمام إلى الحصول على نفوذ في الخارج لحسابات سياسية تفيد الحزب الحاكم، وهي تتعلق بالتصويت في الانتخابات الداخلية التركية الدائمة، كما في أمور أخرى ترتبط بعلاقة تركيا مع أوروبا وحاجة هذه الأولى إلى كتلة شعبية تعطي ولاءها للحكومة التركية وتضغط على الحكومات الأوروبية عند الحاجة.

ولا تتعارض اليوم توجهات رئاسة الشؤون التركية مع سياسة الحكومة التركية بتاتاً، وهذا الأمر ليس نابعاً من كونها مؤسسة رسمية فقط، إنما لأن مصدر قوتها الجديد والمتعاظم نابع من إرادة الحكم التركي في جعلها قوية وقادرة.

ففي الداخل، تسعى المؤسسة الدينية إلى توسيع إطار نشاطاتها وتأثيرها على مجمل الشؤون الحياتية والدينية والاجتماعية والتربوية مستفيدة من الميزانية الضخمة التي ترفدها بها الحكومة التركية، كما باتت تتدخل بشكل مباشر في الشؤون السياسية وتصبغ الحكم التركي بالمزيد من الشرعية، وهو أمر يقوض العلمانية ومبادئها الأساسية.

أما في الخارج، فتزيد المؤسسة من نفوذها بين الأتراك خدمة لسياسات الحزب الحاكم في إضعاف الجماعات الدينية الأخرى، ولخدمة للحكومة التركية في ملف العلاقة مع الدول الأوروبية.

حياة بذخ ورفاهية

وتتعرض رئاسة الشؤون الدينية إلى انتقادات من أوساط القوى العلمانية، وهي انتقادات تتخطى دور المؤسسة بذاته في المجال الديني أو السياسي، وتطال أسلوب حياة البذخ والرفاهية الذي يعيشه مسؤولو هذه المؤسسة، كما ممتلكاتها المادية التي تضم سيارات فارهة طائرات خاصة يقدمها أردوغان إلى المسؤولين فيها، وفق ما أورد موقع "حُريات نيوز" التركي.

 الانتقادات الأساسية التي تطال هذه المؤسسة تتعلق بدورها المتعاظم في الشأن التركي العام، والذي يتخطى مسؤوليتها التقليدية والتاريخية في الاهتمام بالأمور الدينية حصراً

إلا أنّ الانتقادات الأساسية التي تطال هذه المؤسسة فتتعلق بدورها المتعاظم في الشأن التركي العام، والذي يتخطى مسؤوليتها التقليدية والتاريخية في الاهتمام بالأمور الدينية حصراً، والتي باتت تهتم بالسياسة والتعليم وبسط النفوذ بين أتراك الخارج.

الصفحة الرئيسية