دعوى الجاهلية والحرب الأهلية

دعوى الجاهلية والحرب الأهلية

مشاهدة

05/08/2021

وليد فكري

الباحث على جوجل عن "المعهد المصري للدراسات الاستراتيجية" سيجد أن من أبرز الأسماء في هذا المعهد الذي أُنشأته جماعة الإخوان الإرهابية في تركيا برعاية من نظام أردوغان شخص يقدم نفسه باعتباره "المؤرخ محمد إلهامي"، ويشغل في المعهد مركز المسؤول عن ملف الحركات الدينية.

ولو أنك بحثت على موقع فيسبووك عن هذا الـ"محمد إلهامي" لوجدت أنه خير من يعبر عن الإرهاب الديني، الإرهابيون قد أجادوا إذن اختيار من يمثل "الظهير التاريخي" لهم.. بلى.. فالخطاب المتطرف ليس بالضرورة دينيًا بحتًا بل أنه غالبًا ما يحتاج إلى توظيف التاريخ لحسابه.. ولنا في الحركات والتنظيمات المتطرفة عبر التاريخ النماذج القوية، من النازيين دعاة تفوق الجنس الآري، والكوكلوكس كلان دعاة تفوق الأبيض الأنجلوساكسوني البروتستانتي، ومنظمة الذئاب الرمادية الداعية لتفوق العرق الطوراني التركي، وغيرها... كل هذه التنظيمات وغيرها من مختلف الانتماءات الدينية والعرقية والإثنية والسياسية أدركت أهمية وجود "دعاية تاريخية" داعمة لتطرفها، لهذا فإن أمثال محمد إلهامي هم عناصر مهمة في تنفيذ مخططات تنظيم إرهابي متطرف كجماعة الإخوان المسلمين.

المطالع للصفحة "الرسمية" لإلهامي هذا يجد أنه يتحدث باعتباره "حامل توكيل صكوك الإيمان" في الأرض، فهو يوزع "فراماناته" بأن أناسًا مثل الرئيس المخلوع في ثورة 30 يونيو 2013 محمد مرسي أو المتطرف المنفذ به حكم قضائي بالإعدام سيد قطب هم "شهداء"، بينما ينهال باللعنات والاتهام بالخروج عن الملة على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظامه بل وكل من يؤيده.

وهو يبرر لعناته وسبابه ودعاءه بالويل والثبور وعظائم الأمور بأن النظام المصري ورئيسه لم يدخروا-وفق اتهاماته-جهدًا في القيام بكل ما هو مخالف للإسلام ومناقض له ويمثل خروجًا عليه.

حسنًا، المنطق والإنصاف يلزماننا هنا أن نعامل محمد إلهامي بنفس منطلق فكره: فهو يتوافق مع فكر المتطرف سيد قطب في إدانة المجتمع بالجاهلية، ويتحدث من منطلق أن ما يقوله هو ما يتوافق مع رسالة الإسلام الناقضة-بطبيعة الحال-للمجتمع الذي يراه هو وأمثاله "جاهلي".

فلماذا إذن ينادي محمد إلهامي بدعوى الجاهلية؟

أين ومتى وقع ذلك؟ تعالوا نرى معًا.

فلنعد بالتاريخ لقرون مضت، عندما هاجر الرسول محمد إلى يثرب التي صارت "المدينة المنورة"، أعاد ترتيب أوضاعها وكانت أولويته القصوى هي إنهاء حالة الحرب والتصارع بين القبيلتان الكبيرتان الأوس والخزرج.. وبالفعل تم ذلك وصاروا يعرفون جميعًا بـ"الأنصار".

ولكن ذات يوم وقعت مشاحنة بين بعض الأوس وبعض الخزرج بسبب قيام بعض أعداء المسلمين بالإيقاع بين الفريقين بذكره واقعة قتال غير بعيدة العهد بينهما.. فثار كل قوم لقبيلتهم وتداعوا إلى السلاح والحرب.. فما أن عرف الرسول حتى أسرع يقف بين الفريقين وهو يقول لهم معاتبًا: "أدعو الجاهلية وأنا بين أظهركم؟"

لم تكن دعوى الجاهلية هنا هي اعتزاز قوم بقبيلتهم، وإنما بأن يتحول هذا الاعتزاز إلى تعصب يدفعهم للمسارعة بحمل السلاح والتلويح باستخدام القوة ضد بعضهم بعضًا.

في ضوء هذه القصة تعالوا نرى موقف إلهامي مما يجري في تونس الشقيقة التي ثار بها الشعب ضد الإخوان وقام رئيس الجمهورية باستخدام حقه الدستوري في محاصرة الجماعة الإرهابية.

فإلهامي يحمّل إخوان تونس مسئولية ما تعرضوا له.. وقبل أن يتسرع القارئ ويحسب أنه يحملهم مسئولية إثارة سخط الشعب وغضبه وثورته ضدهم أسارع بدوري فأؤكد له أن هذا ليس ديدن الإخوان الذين اعتادوا تحميل كل من سواهم المسئولية عن نتائج أخطائهم فهم "الجماعة الربانية" التي لا تخطيء وغيرهم متآمرون حاقدون.. كلا.. لم يحمّل إلهامي إخوان تونس مسئولية تصرفاتهم ولكنه حملهم المسئولية من منطلق أنهم "متراخون" أمام التيارات الأخرى.. فهو يلومهم لأنهم حرصوا على الاصطفاف والتوافق والتقارب مع باقي التيارات في الدولة، بل ويلومهم أنهم قد آمنوا بالديموقراطية والدستور بل وأنهم يؤمنون من الأساس بفكرة الدولة التونسية.. وهو يعلن عن فكره في أن "الأسوياء" لا يؤمنون بـ"الخرافات" مثل "الدولة والمؤسسات والقانون" بينما يؤمن بها "العبيد" و"المدجنون"!

وهو يقول إن لو كان الإسلاميون قبيلة يقودها شيخ قبلي أمّي أو حتى كانوا عصابة من البلطجية لكان هذا أجدى لهم مما وصفه بالتعليم المسموم والشهادات الأكاديمية.. ويقول-وهو الأخطر في منشوره لهذا فسأنقله كما هو نصًا: "شيخ القبيلة أو زعيم الطائفة لا يتردد في خوض الحرب الأهلية إذا هُدِدَ بالذبح، فإما خرج منها منصورًا، أو خرج منها بنصيب من السلطة والدولة يكافئ قوته ويحفظ به وجوده".

ثم يفاجأ البعض حين نصف هذه الجماعة بـ"الإرهابية"! إن إلهامي يتحدث ببساطة عن "الحرب الأهلية".. هو لا يصفها هنا أنها حرب بين "القبيلة/الجماعة/الطائفة" و"النظام" بل يصفها بأنها "حرب أهلية".. وهو لا يتحدث عن أحقية الجماعة في السلطة والدولة من منطلق الحق ذاته بل من منطلق القوة... وهو في نفس الوقت في منشوراته تلك يهاجم الجيش التونسي والرئيس التونسي بأنهما مشاركان في ما وصفه ب"جريمة الانقلاب".. انقلاب على ماذا يا إلهامي؟ إن استخدام جماعتك لتعبير "الانقلاب" يكون في سياق الحديث عن حقها المزعوم في السلطة من منطلقات مرتبطة بـ"الديموقراطية" و"القانون" و"الدستور" وهي نفس المنطلقات التي تهاجمها أنت باعتبار أنها "وهم لا يصدقه الأسوياء".. وأنت تدعو لتحكيم القوة.. فلو سايرناك لقلنا-جدلًا-أن الرئيس التونسي والجيش قد استخدما القوة حكمًا لهما.. فلماذا تستخدم تعبير "الانقلاب" تارة وتدعو لتحكيم القوة تارة أخرى؟

وأنت لا تدعو للحرب ضد جيش ودولة فحسب بل أنك تستخدم تعبير "الحرب الأهلية" أي أنك تدرك أن الاقتتال سيكون بين طرفان كلاهما من "أهل تونس".. فهل هذا مما يرضيك؟ أليست دعوة طائفة أو قبيلة أو جماعة لرفع السلاح وخوض الحرب الأهلية هي دعوى الجاهلية يا إلهامي؟! سبحان الله! هل تدين المجتمع بأنه جاهلي بينما أنت نفسك ترفع دعوى الجاهلية؟

الحقيقة أن هذا التناقض لا يدهشني، فالإخوان ينطبق عليهم المثل الشعبي المصري العامي "اللي تغلب به إلعب به".. ولكنني مع ذلك أراني ملزمًا بكشفه وفضحه لأن للأسف الكثيرون من البسطاء يقرأون مثل تلك المنشورات وينخدعون باستخدام صيغة "قال الله وقال الرسول" فينساقون وراء هذا الفكر الذي يطفح بالتطرف والإرهاب ودعاوى الدمار!

ربما يقول البعض "ومن محمد إلهامي وكم عدد المتأثرون به لتنفق وقتًا وجهدًا في الرد عليه؟" فهؤلاء مع احترامي لرأيهم أٌقول لهم: "إن كل متأثر بمثل تلك المنشورات وكل مصدق لأن ما يقوله إلهامي هو الحق وما يأمر به الدين، وكل متحمس لتنفيذ ما يجيء بمثل تلك المنشورات هم-بدون مبالغة-قتلة محتملون ينبغي أن نسارع لإنقاذهم من هذا الضلال الممنهج" فتخيلوا لو أن بعضهم قرر أن ينتقل من خانة اعتناق الفكر إلى خانة "التنفيذ"... إن إنقاذ إنسان واحد من هذا الفكر وعواقب اعتناقه لهو أمر يستحق أضعاف أي وقت وجهد قد يراه البعض موجهًا لشخص يراه تافهًا أو نكرة.

وللحديث بقية

عن "سكاي نيوز عربية"


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية