
لم يعد تنظيم «داعش» يُقاس اليوم بقدرته على السيطرة على الأرض أو إعلان «خلافة» جغرافية كما فعل قبل سنوات، بل بمدى قدرته على التكيّف مع المتغيرات الدولية، وإعادة إنتاج نفسه كخطر أمني طويل الأمد يتجاوز حدود الدول وبنى الجيوش التقليدية.
فالتجارب السابقة أظهرت أن التنظيمات الجهادية لا تنهار بالضرورة مع الهزيمة العسكرية، بل غالبًا ما تتحول إلى أشكال أكثر مرونة وأقل وضوحًا، لكنها أشد تعقيدًا في المواجهة.
في السياق، صدرت دراسة تحليلية مهمة بعنوان: «الجهاديون: كيف تغيّرت خريطة نشاط داعش عالميًا؟» عن المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، تناولت بالتحليل والتحليل المقارن التحولات البنيوية والاستراتيجية في نشاط تنظيم داعش خلال المرحلة الأخيرة، خاصة بعد فقدانه معاقله الرئيسية في سوريا والعراق.
وركّزت الدراسة على انتقال التنظيم من نموذج “الدولة” إلى نموذج الشبكة، وعلى إعادة توزع بؤر نشاطه جغرافيًا، وتغيّر أدواته الدعائية والتنظيمية، بما يجعل التهديد أكثر انتشارًا وأقل قابلية للاحتواء.
نهاية السيطرة المكانية وبداية التهديد الممتد
حسب الدراسة، فإن فقدان داعش لسيطرته الميدانية في سوريا والعراق شكّل نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ التنظيم، إذ أنهى مرحلة «التمكين الجغرافي» التي سمحت له بإدارة موارد، وتجنيد مقاتلين، وفرض نموذج حكم بالقوة. غير أن هذا الانهيار لم يؤدِّ إلى تفكك التنظيم، بل دفعه إلى إعادة تعريف نفسه كفاعل أمني غير تقليدي.
وتوضح الدراسة أن التنظيم انتقل من شنّ عمليات واسعة النطاق إلى هجمات محدودة ومنخفضة الكلفة، تعتمد على خلايا صغيرة، أو أفراد يعملون بشكل شبه مستقل، ما يقلّل من فرص رصدهم مسبقًا.
ووفق هذا النموذج، لم يعد داعش بحاجة إلى السيطرة على مدينة أو إقليم ليؤكد حضوره، بل يكفيه تنفيذ عملية نوعية لإعادة بثّ رسالته الإعلامية.
كما تشير الدراسة إلى أن هذا التحول منح التنظيم ميزة إضافية، تتمثل في خفض كلفة الاستنزاف الأمني عليه، مقابل رفع كلفة المواجهة على الدول، التي تجد نفسها أمام تهديد غير مركزي، يصعب التنبؤ بمكانه أو توقيته.
وتخلص الدراسة إلى أن مرحلة ما بعد «الخلافة» لا تعني تراجع خطر داعش، بل دخوله طورًا أكثر خطورة، لأن التنظيم بات يعيش بلا مركز واضح يمكن استهدافه، ويعتمد على المرونة بدل السيطرة.
ضط التحول إلى تنظيم شبكي لامركزي
تؤكد الدراسة أن من أخطر التحولات التي شهدها داعش هو اعتماده المتزايد على البنية الشبكية اللامركزية، حيث تعمل الفروع والخلايا في مناطق مختلفة باستقلال عملياتي، مع احتفاظها بالولاء الأيديولوجي العام للتنظيم.
وحسب الدراسة، فإن هذا النموذج يسمح للتنظيم بالبقاء حتى في حال ضرب بعض فروعه، إذ لا يؤدي تفكيك خلية أو مقتل قائد محلي إلى انهيار الشبكة ككل. وهو ما يجعل داعش أقرب إلى «علامة جهادية عالمية» منها إلى تنظيم تقليدي بهرم قيادي واضح.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول انعكس في تنوّع جغرافي للهجمات، حيث بات التنظيم أو أنصاره ينشطون في مناطق متباعدة، من الشرق الأوسط إلى إفريقيا وأجزاء من آسيا، وحتى في دول غربية عبر هجمات فردية أو «مستلهمة».
وترى الدراسة أن هذا النموذج يفرض على الأجهزة الأمنية تحديًا مزدوجًا: مواجهة تهديد عالمي متشظٍ، وفي الوقت نفسه التعامل مع خلايا محلية لا ترتبط تنظيميًا بشكل مباشر بقيادة مركزية يمكن تتبعها.
إفريقيا… مسرح التمدد الجديد
حسب الدراسة، برزت القارة الإفريقية، وخاصة مناطق الساحل ووسط إفريقيا، كأحد أهم مسارح نشاط داعش خلال المرحلة الأخيرة. فقد استغل التنظيم هشاشة الدول، وضعف السيطرة الأمنية، وانتشار النزاعات المحلية، ليؤسس أو يعزز فروعًا نشطة في دول مثل مالي، النيجر، نيجيريا، والكونغو الديمقراطية.
وتوضح الدراسة أن هذا التمدد لا يقوم فقط على العنف، بل على الاندماج في اقتصاديات الفوضى، مثل تهريب السلاح، واستغلال النزاعات العرقية، وتوظيف المظالم المحلية في خدمة الخطاب الجهادي.
كما تشير الدراسة إلى أن داعش في إفريقيا لا يسعى بالضرورة إلى تكرار نموذج «الخلافة»، بل يركّز على إدامة عدم الاستقرار، واستنزاف الدولة، وفرض نفسه كفاعل مسلح دائم الحضور.
وتحذّر الدراسة من أن هذا التوسع الإفريقي يمنح التنظيم عمقًا استراتيجيًا جديدًا، ويجعل خطره أقل ارتباطًا بتطورات الشرق الأوسط، وأكثر ارتباطًا بالأزمات البنيوية في دول الجنوب.
الفضاء الرقمي كساحة مركزية للقتال
تؤكد الدراسة أن خسارة الأرض لم تُضعف الحضور الإعلامي لداعش، بل دفعته إلى تكثيف استثماره في الفضاء الرقمي، حيث باتت المنصات المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي أدوات رئيسية للتجنيد والتحريض.
وحسب الدراسة، يستخدم التنظيم الدعاية الرقمية للحفاظ على التماسك الأيديولوجي بين أفراده، وتحفيز ما يُعرف بـ«الذئاب المنفردة»، دون الحاجة إلى تواصل تنظيمي مباشر.
كما تشير الدراسة إلى أن هذا النمط من النشاط يجعل التهديد أكثر غموضًا، إذ تتحول الأيديولوجيا إلى محرك ذاتي للعنف، دون أوامر واضحة أو بنية قيادية يمكن اختراقها.
وترى الدراسة أن المعركة مع داعش لم تعد عسكرية فقط، بل باتت معركة سرديات وخطاب، تتطلب أدوات فكرية وقانونية إلى جانب الإجراءات الأمنية.
مأزق المواجهة الدولية وحاجة المقاربة الشاملة
حسب الدراسة، فإن الاستراتيجيات الدولية الحالية لا تزال تعاني من فجوة بين طبيعة التهديد وأدوات المواجهة. فالدول تملك خبرة واسعة في مكافحة التنظيمات المسلحة التقليدية، لكنها أقل جاهزية في التعامل مع تنظيم شبكي عابر للحدود.
وتشير الدراسة إلى أن التركيز على الضربات الأمنية وحدها قد يحدّ من الهجمات، لكنه لا يعالج الجذور الفكرية والاجتماعية التي تسمح للتنظيم بإعادة إنتاج نفسه.
وتوصي الدراسة بضرورة تبني مقاربة شاملة، تجمع بين العمل الاستخباراتي، ومراقبة الفضاء الرقمي، وتعزيز مناعة المجتمعات، وتجفيف بيئات الاستقطاب.
وتخلص الدراسة إلى أن خطر داعش في مرحلته الجديدة أقل صخبًا لكنه أكثر استدامة، ما يجعله تحديًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا يمكن احتواؤه إلا بفهم عميق لتحولاته.
كما تخلص الدراسة إلى أن تنظيم داعش لم ينتهِ، بل تغيّر، فبعد أن خسر الأرض، ربح المرونة؛ وبعد أن فقد المركز، كسب الانتشار. وهو ما يجعل التهديد الجهادي اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في قدرته على التكيّف مع أخطار القرن الحادي والعشرين.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

