حين يصبح النوم خطرًا على الحياة… كيف يموت أطفال غزة في الخيام؟

حين يصبح النوم خطرًا على الحياة… كيف يموت أطفال غزة في الخيام؟

حين يصبح النوم خطرًا على الحياة… كيف يموت أطفال غزة في الخيام؟


27/01/2026

في قطاع غزة لا يقاس الليل بالساعات، بل بعدد المرات التي تستيقظ فيها الأمهات لتتفقد أنفاس أطفالهن، فهنا يصبح النوم خطراً، والبرد عدواً خفياً يزحف ببطء حتى يستقر في الصدور الصغيرة.

ولا يحتاج الموت دائماً إلى صاروخ، فأحياناً يكفي ليل بارد، وخيمة مثقوبة، وقلب صغير لا يحتمل أكثر.

ومنذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي ضرب قطاع غزة عدة منخفضات جوية، ممّا أسفر عن شهداء ومصابين، وغرق عشرات الآلاف من الخيام الهشة وتطايرها، التي باتت المأوى الوحيد للنازحين بعد أن دمرت إسرائيل منازلهم على مدار عامين من الإبادة.

وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة ارتفاع وفيات البرد الشديد في مخيمات النزوح إلى (21)، بينهم (18) طفلاً، جرّاء تبعات الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامين.

الخيمة لا تقي من الرياح ولا من المطر، والأغطية لدينا نادرة، والملابس الشتوية شبه معدومة

وقال فيليب لازاريني، رئيس الوكالة الأممية الرئيسية في الأراضي الفلسطينية: "إنّ الانخفاض الحاد في درجات الحرارة والرياح العاتية والأمطار الغزيرة والفيضانات  تزيد معاناة سكان قطاع غزة، حيث ما تزال الغالبية العظمى منهم نازحة قسراً، وتعيش في خيام ومبانٍ نصف قائمة".

وأضاف لازاريني في منشور على منصة (إكس): "92% من المنازل متضررة أو مدمرة، وما تزال هناك كميات هائلة من القنابل غير المنفجرة بحاجة إلى إزالة." 

حين يصبح البرد سبباً للوفاة

على باب خيمتها بمخيم أقيم للنازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس الفلسطينية نهاد عطوة (35 عاماً)، التي فقدت طفلها الرضيع (نور البالغ من العمر خمسة أشهر)، ليس بسبب قصف مباشر، بل بسبب ما تصفه بالشتاء الذي لا يرحم".

تجلس عطوة على الأرض أمام خيمتها المصنوعة من أقمشة بلاستيكية، وتبدأ روايتها بصوت منخفض، وتقول: "كنت أحتضنه طوال الليل، وعندما لمست جسده كان بارداً، اعتقدت أنّ الأمر طبيعي، فقد كانت درجات الحرارة منخفضة والرياح قوية في ذلك اليوم، وكنا جميعاً كباراً وصغاراً نشعر ببرودة شديدة تنخر أجسادنا. ولم يكن هناك وقود للتدفئة، ولا كهرباء، ولا مياه ساخنة، فاضطررت لتغطية طفلي بملابسي، وحتى الشال الذي أرتديه." 

وتتابع عطوة: "مع اقتراب ساعات الفجر الأولى لاحظت أنّ لون وجهه تغير، وأنّ حركته أصبحت أضعف، وبات يتنفس ببطء، لكنني لم أستطع فعل أيّ شيء له، فأقرب نقطة طبية تبعد ثلاثة كيلومترات عن خيمتنا، والطرق غير آمنة، ولا توجد وسائل نقل في ذلك الوقت." 

وتوضح: "انتظرت حتى ينجلي الليل لأذهب به إلى المستشفى، وعندما وصلت كان طفلي قد فارق الحياة، وأفاد الأطباء أنّ وفاته كانت بسبب البرد." 

وتصمت عطوة قليلاً، وهي تحمل صور طفلها في هاتف قديم، وتؤكد: "بعد وفاة طفلي يتكرر الخوف نفسه بداخلي مع كل موجة برد جديدة، وأخشى أن أفقد المزيد من أطفالي، لذلك مع كل منخفض أبقى مستيقظة طوال الليل، أتفقد أطفالي إن كانوا ما يزالون على قيد الحياة أم أنّهم توفوا بسبب البرد." 

خيمة لا تقي من الريح

يسرا شاهين (38 عاماً) التي تعيش وعائلتها في خيمة بالية بحي التفاح شرق مدينة غزة، فقدت قبل عدة أسابيع طفلها الرضيع أسامة ويبلغ من العمر شهرين، تقول: "ما حدث لم يكن مفاجئاً، لكنّه كان موجعاً أكثر ممّا يمكن احتماله، رغم علمي بخطورة البرد، لكنني لم أتوقع أنّه قد يؤدي إلى الموت." 

وتصف خيمتها بأنّها "أضعف من أن تُسمّى مأوى، فالهواء والرياح يدخلان من جميع الاتجاهات، وغالباً ما تكون الأرض رطبة بسبب دخول مياه الأمطار إلى داخل الخيمة." 

وتضيف: "نضع ما تيسّر من أقمشة قديمة على الأرض، لكنّ البرودة تتسلل من كل مكان، وعندما ننام يدخل البرد علينا من التراب قبل أن يأتي من السماء." 

ل فقدوا قدرتهم على تحمل الشتاء، فسابقاً كنا ندفئهم، أمّا اليوم، فقد ضعفت أجسادهم

وتتابع: "في الليلة التي توفي فيها طفلي كانت الرياح عاتية، وكانت الخيمة تهتز بعنف، وكان الطفل صامتاً على نحو مريب، ويرتجف من شدة البرد، ثم ما لبث أن هدأ، فوضعته بيننا، ولففته بكل البطانيات التي كانت بحوزتنا. ومع اقتراب الفجر لاحظت أنّ الطفل لم يعد يبكي، قلت لعله نام، وحين حاولت إيقاظه لم يستجب، وكأنّ قلبه قد توقف، ببساطة هكذا، بسبب البرد، بحسب ما قاله الأطباء." 

وتبين: "الأطفال فقدوا قدرتهم على تحمل الشتاء، فسابقاً كنا ندفئهم، أمّا اليوم، فقد ضعفت أجسادهم." 

وتؤكد أنّها منذ تلك الليلة لم تعد تنام نوماً كاملاً، فكل حين تستيقظ تتحسس أنفاس الأطفال، حتى بات الليل أطول من المعتاد، فالنهار يمضي، أمّا الليل فثقيل، ثقيل جداً.  

وتوضح: "نحن لا نريد شيئاً كبيراً، نريد فقط أن يعيش أطفالنا، وألّا يموتوا من البرد." 

قطعة من الثلج

عند أطراف مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حيث تمتد الخيام المهترئة فوق أرض موحلة لا تعرف الجفاف، تعيش الفلسطينية هنادي صبح (42 عاماً)، النازحة منذ أكثر من عام بداخل إحدى الخيام، بعد تدمير منزلها بشكل كامل خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

فقدت صبح حفيدها الرضيع أحمد (عمره ثلاثة أشهر)، وتقول بنبرة حزينة: "الطفل لم يكن مريضاً، كان يرتجف طوال الليل من شدة البرد، ومع الفجر سكت صوته." 

وتضيف: "كنت أغطيه بثلاث بطانيات، لكنّ الأرض باردة، والرياح الشديدة تدخل إلى الخيمة من كل اتجاه." وفي الليلة الأخيرة قبل وفاته لاحظت أنّ تنفسه أصبح بطيئاً، وجسده بات كأنّه قطعة ثلج، حاولت تدفئته لكن دون جدوى، ولا يوجد مستشفى قريب من مكان سكننا، ولا وسيلة نقل، ولا حتى هاتف مكتمل الشحن للاتصال بالإسعاف لمحاولة إنقاذه."   

نحن لا نريد شيئاً كبيراً، نريد فقط أن يعيش أطفالنا، وألّا يموتوا من البرد

وتشرح صبح: "الخيمة لا تقي من الرياح ولا من المطر، والأغطية لدينا نادرة، والملابس الشتوية شبه معدومة."  

وتتابع وهي تنظر إلى الخيمة التي تهتز مع الريح: "إذا لم يمت الطفل بالقصف، فإنّه يموت من البرد، فأين نذهب؟".

الاحتلال المسؤول الأول

يرى أستاذ القانون الدولي بجامعة القدس الدكتور معتز رباح أنّ "موت الأطفال في الخيام بسبب البرد لا يُعدّ وفاة طبيعية بالمعنى القانوني، بل وفاة ناتجة عن ظروف قسرية وغير إنسانية فرضت على السكان المدنيين، خاصة إذا كان البرد مقترناً بالحرمان من المأوى، والتدفئة، والغذاء." 

ويضيف رباح: "الاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول قانونياً عن هذه الوفيات، باعتباره القوة المسيطرة على الأرض، والطرف الذي يفرض الحصار، والجهة التي تمنع وصول المساعدات." 

ويوضح: "الحرمان من التدفئة والمأوى يصنف كأذى غير مباشر لكنّه متوقع النتائج، وهو محظور قانونياً عندما يؤدي إلى المساس بالحق في الحياة." 

ويؤكد "الأطفال يُعدّون فئة محمية بشكل خاص، ويجب توفير الحماية وضمان الحد الأدنى من سبل البقاء وعدم تعريضهم لظروف تهدد حياتهم، وذلك بموجب اتفاقيات جنيف واتفاقية حقوق الطفل. وإنّ عرقلة أو منع المساعدات الإنسانية الضرورية للبقاء، مثل البطانيات ومواد التدفئة، يُعدّ انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني." 

وبحسب وزارة الصحة في القطاع، قتل ما لا يقلّ عن (477) فلسطينياً في قطاع غزة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية