حملات التضليل والاستقطاب: كيف اصطف "داعش والقاعدة والإخوان والحوثي" في خطاب رقمي واحد؟

حملات التضليل والاستقطاب: كيف اصطف "داعش والقاعدة والإخوان والحوثي" في خطاب رقمي واحد؟

حملات التضليل والاستقطاب: كيف اصطف "داعش والقاعدة والإخوان والحوثي" في خطاب رقمي واحد؟


17/11/2025

يمثل الفضاء الرقمي إحدى الساحات المركزية للتنافس السياسي والأمني والإيديولوجي، ولم تعد الحملات الإلكترونية تقتصر على فصيل أو تنظيم، وإنّما تنخرط التنظيمات الجهادية، مثل تنظيمي (داعش) و(القاعدة) الإرهابيين، وقوى الإسلام السياسي بتنوعاتها كجماعة الإخوان "المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية"، في عملية توظيف شبكات الإعلام الرقمي بطرق متقاربة نحو هدف واحد، وهو تعبئة المجتمعات للبحث عن حواضن وحوامل اجتماعية، وتحويل سردياتها إلى مظلة لشرعنة سياساتها المتشددة وأعمالها القتالية العنيفة. 

الفضاء الرقمي كبنية تحتية للدعاية

هذه التنظيمات الإرهابية لم تعد ترى في الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للنشر والدعاية فقط، وإنّما بنية تحتية يتم تشكيلها وتمتينها لإدارة صراعاتها وبناء تحالفاتها وتمرير أفكارها، حيث إنّها تتخطى الإعلام إلى التجنيد ثم جمع التبرعات. ومن هنا، تعددت وسائطها الرقمية من مجلات ومواقع لصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تنتشر فيها الفيديوهات والأخبار التي تهدف إلى جذب فئات من بيئات متفاوتة وتعميم رموزها، إلى جانب وسائل لقياس اتجاهات الرأي العام. ويمكن القول إنّ الخطاب الإعلامي السياسي والإيديولوجي في المجال الافتراضي والرقمي يعتمد على فكرة مفادها أن تؤسس المنصات لقاعدة عمليات ميدانية وحركية، إلى جانب توليد محتوى يستهدف الجمهور المحلي والإقليمي والدولي. 

سردية "التمكين" و"المظلومية" هي رواية القوى الإسلاموية والتنظيمات الجهادية، وتُعدّ نقطة التمركز أو القاسم المشترك الذي يجمعهما، حيث يتم الإلحاح على فكرة الدعوة لتأسيس كيان للأمّة، أو الجهاد العالمي أو الأممية/ الخلافة الإسلامية، أو "أستاذية العالم". ومن ثم التركيز على معانٍ لها صلات بمفاهيم البطولة والفداء التي تماثل متخيلهم، وبما يتوافق مع فكرة الانجذاب للموت والشهادة في سبيل "الخلافة"، واستمرار ثنائية "دار الإسلام" و"دار الحرب"، الأمر الذي يبرر ويشرعن العنف.

وقد أظهر تحليل أصدره مركز (كارتر) الأمريكي أنّ مجلة (دابق) التي يصدرها تنظيم داعش الإرهابي لا تقتصر على كونها وسيلة إخبارية، بل هي مشروع إيديولوجي معقد يعتمد على تكييف النصوص الدينية وتحويلها إلى مواد لها حمولة إيديولوجية بغرض استقطاب المقاتلين وشرعنة ممارسات التنظيم.

المعركة الكونية

التقرير الأمريكي، الذي حلل حوالي (15) عدداً من المجلة، كشف عن تحول منهجي في استراتيجية (داعش) للتواصل وبناء الشرعية. إذ كان التنظيم يعتمد على نبوءة مجلة (دابق) "البلدة السورية" كمحور مركزي لخطابه، مشيراً إلى أنّ تسمية المجلة تهدف إلى ترسيخ فكرة المعركة الكونية الحتمية بين "المسلمين" و"الروم"، وفقاً للأحاديث النبوية التي يستغلها التنظيم.  وأوضح أنّ المجلة تروّج لسردية "الخلافة"، مصورة التنظيم على أنّه يمثل استئنافاً "للسنن الإلهية" التي مرّ بها مجتمع الإسلام الأول. ومن ثم يركز خطابه الدعائي المؤدلح على ضرورة "الهجرة" و"القتال دفاعاً عن النفس" لتأسيس دولة الشريعة. ويشير خبراء مركز (كارتر) إلى أنّ هذه اللغة تهدف إلى مخاطبة الأفراد الذين يشعرون بالإقصاء في الغرب أو الذين تأثروا بشكل مباشر بالصراع في الشرق الأوسط، وتحويلهم إلى أدوات فعالة في المشروع الجهادي.

وكشفت الدراسة عن تحول في تركيز مجلة (دابق) بمرور الوقت؛ في المراحل الأولى (الأعداد 1-5)، كان التركيز داخلياً حول التنظيم، وخارجياً حول هجمات ضد الغرب. أمّا في المراحل اللاحقة، فقد تحولت الدعاية لتركز على قتال الفصائل الأخرى المعارضة لـ (داعش) في المنطقة، مثل "جبهة النصرة" و"الصحوات"، إلى جانب استمرار التركيز على أعداء التنظيم الدوليين.

ولاحظ التقرير استخدام استراتيجيات خطابية محددة لتصوير الأعداء كـ "جهات عاجزة" أو كمتلقين سلبيين للعنف، ممّا يقلل من شأن مقاومتهم ويبرر ممارسات العنف المفرط من قبل التنظيم.

ثمّ خلص مركز (كارتر) في تقريره إلى أنّ تفكيك الدعاية التي تعتمدها مجلة "دابق" يُعدّ أداة أساسية لفهم استراتيجيات تجنيد (داعش) ووضع استراتيجيات مضادة فعالة لنزع الشرعية عن خطاب التنظيم المتطرف.

إذاً، برز الإعلام الرقمي كأداة استراتيجية لها فعاليتها لدى التنظيمات الجهادية وقوى الإسلام السياسي، خصوصاً مع صعود (داعش). كما أنّ حرب غزة كشفت مرة أخرى دور هذا الإعلام، فضلاً عن القواسم المشتركة بين هذه القوى والتنظيمات، واصطفافاتها السياسية، أو مصالحها، وارتباطاتها الإيديولوجية، وقدرتها على تجاوز التباينات التي تبدو شكلية وظاهرية من الناحية العقائدية (السنة والشيعة). فقد تحولت منصات مثل (إكس وتليغرام وإنستغرام وفيسبوك) إلى ساحات استقطاب قصوى تُنتج فيها السرديات وتُفكّك وتُعاد صياغتها لحظياً في ظل أوضاع الصراع المحتدم الذي دام عامين منذ هجمات حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فالتدفق السريع للمحتوى خلق وعياً تفاعلياً تجاوز الإعلام التقليدي وخلق فجوات عديدة.

ولعبت الوسوم العابرة للحدود واللغات في الفضاء الرقمي دوراً في عملية الاستقطاب، فقد استخدمت كل الأطراف المنصات الرقمية لتوجيه الجماهير، وتحريك المزاج السياسي، في ظل معركة السيطرة والهيمنة أو احتكار الحقيقة. بعبارة أخرى، لم تكن حرب غزة مجرد صراع ميداني، بل كانت حرباً على المخيلة العامة والشرعية السياسية، جرى فيها استثمار الإعلام الرقمي كأحد أكثر الأسلحة تأثيراً في موازين الصراع.

استعادة النشاط العملياتي

وبحسب دراسة "أفول الميليشياوية الإسلاموية" للباحث المصري كريم شفيق، الصادرة عن مركز (تريندز للبحوث والاستشارات)، فإنّ تعاطي هذه القوى مع أحداث غزة لا يدلّ فحسب على موقفها الداعم لفلسطين ولحماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية، وإنّما يدلّ على استغلالها هذه الأحداث لاستعادة نشاطها العملياتي داخل المنطقة وخارجها. فقد استغل إعلام التنظيمات الإرهابية الأجواء المشحونة بواقع التأثر بمشاهد استشهاد أطفال فلسطين، من خلال خلط مفاهيم الدفاع عن قضية عادلة بمفاهيم التطرف والعنف، هذه المفاهيم التي تسعى إلى الترويج لها بين قطاع جماهيري أوسع، يصبح قادراً على تنفيذ أهدافها، مثلما استغلت التنظيمات الإرهابية أحداث فلسطين لتدوير أفكارها حول الجهاد العالمي ضد الغرب الكافر. 

وامتدّت دعوات التحريض على العنف إلى دول جوار فلسطين، فقد ورد في بيان فرع تنظيم (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي): "استأسد أحفاد القرود يهود في أكناف بيت المقدس، تحميهم جيوش الاحتلال العلماني لدول المسلمين، وتحيط دويلة يهود المسخ بأسوار الحماية، تحرسهم من غضبة أمّة الإسلام، فاعرفوا أيّها المسلمون عدوكم، وهبّوا لنصرة إخوانكم المسلمين في فلسطين. وما بيننا وبين تحرير بيت المقدس إلا هدم حدود (سايكس بيكو) التي فرّقت أمتنا، والالتحام بمجاهدي أرض الرباط". 

وقد ركّز بيان فرع التنظيم في اليمن على توجيه دعوة لمواطني مصر والشام ولبنان والأردن، بالقول: "أنتم أقرب البقاع لفلسطين، والحمل أثقل عليكم، فقوموا لنصرة إخوانكم هناك، وأعدّوا العدة لدعمهم ومساندتهم، ولا يُثنيكم حُكّام العمالة والتبعية للغرب".

وحرّض بيان "القيادة العامة" بشكل صريح على العنف في الدول التي وقّعت الاتفاقيات الإبراهيمية لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، إضافة إلى الدول التي يُرجح أن تقيم علاقات معها، وجاء في البيان دعوة صريحة إلى العنف لاستهداف الإسرائيليين، قائلاً: "على أبناء الإسلام أن يتحمسوا بحماس المجاهدين، ويقتبسوا من نورهم ونارهم شعلةً لاستهداف الصهاينة في شوارع دبي وأبوظبي بالإمارات، ومراكش والرباط في المغرب، وجدة والرياض في السعودية، والمنامة في البحرين".

تجانس تام وتخادم استراتيجي

وعليه، فإنّ الثابت في مواقف القوى الإسلاموية، بعيداً عن حل معضلاتها، وأزمة إخفاقها السياسي وفي الحكم -كما هو الحال بمصر وتونس والمغرب- هو التجانس التام في المواقف، تحديداً بإزاء ما يخصّ رغبتها القصوى في تديين الصراع السياسي، وأسلمة القضية، وإغلاق المجال العام على الرؤى الشمولية المتشددة، بما يؤشر إلى أنّ موقع القضية الفلسطينية لا يتعدى مجرد كونها أداة إجرائية لترميم البنى الإيديولوجية ذاتها، التي تتراكم بوساطتها مقولات عنف تتصل برؤيتهم للعالم الذي بات يتشظى إلى مربّعين حضاريين، ليس بينهما إلا الصراع الدموي والصدام الحتمي، وفق دراسة "أفول الميليشياوية الإسلاموية". إذ إنّ "موقف تنظيم (القاعدة) كما في بيان قيادته العامة، المعنون بـ"ألا إنّ نصر الله قريب"، جاء فيه أنّ "الطوفان القادم من أبطال الإسلام سيُنسي الصهيوصليبيين أهوال أيلول (سبتمبر)، ثم حرّض على عمليات مسلحة ضد كُلّ مَنْ وصفه البيان بأنّه "صليبي وصهيوني وإسرائيلي في حرب مفتوحة".

ويُلاحظ أنّ ما جاء في بيان (القاعدة)، كما في بيانات أخرى مماثلة للأفرع المختلفة للتنظيم الإرهابي حول العالم، لا يكاد يختلف عمّا جاء في بيانات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين (لندن). ويُذكر أنّ صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في لندن، قد أصدر بياناً نشره موقع الجماعة الرسمي في 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ثمّن/ "بارك" فيه عملية "طوفان الأقصى". وألحّ على ضرورة "التفاعل الشعبي والتظاهرات لدعم الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة". 

إذاً، مع تصدُّر وسم  #تحالف_الشر_الإخواني على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أيام، في حملة رقمية موسعة دشنها نشطاء ومغردون، بهدف كشف ما وصفوه بـ "التحالف الخفي" أو بالأحرى التخادم السياسي بين "الإخوان والحوثي والقاعدة وداعش"، لا يبدو الأمر مباغتاً، بل يتكشف المرّة تلو الأخرى، فإنّ المتغير هو الوعي الجديد الذي يتشكّل في وسائط غير تقليدية لمقاومة الخطاب الأصولي والإسلاموي. وتهدف الحملة، بحسب القائمين عليها، إلى فضح "الأهداف المشتركة" لهذه التنظيمات لضرب الأمن والاستقرار في المنطقة، ضمن "مشروع موحّد" لتنفيذ أجندات خارجية. وأوضح المشاركون في الحملة أنّ اتهاماتهم ترتكز على أنّ تنظيم الإخوان يمثل "الغطاء السياسي والإعلامي" للجماعات الإرهابية، ويوفر لها الدعم والتبرير.

وقالوا: إنّ "تشابه الخطاب والتحركات بين "الإخوان والحوثيين والقاعدة وداعش" لم يعد خافياً، بل أصبح دليلاً واضحاً على وجود تنسيق منظّم يهدف إلى إثارة الفوضى"، مشيرين إلى أنّ تلك التنظيمات، رغم "اختلاف مسمّياتها"، تتفق على هدف واحد، هو "إسقاط الدول وتدمير مؤسساتها"، مستغلين الشعارات الدينية والسياسية "لخداع الشعوب وتبرير أعمالهم الإرهابية". وقد طالب الناشطون في الحملة بـ "ضرورة تصنيف تنظيم الإخوان جماعة إرهابية عالمياً، ومحاسبة كل من يدعمها أو يتستر على جرائمها"، معتبرين الأمر بمثابة "واجب وطني لحماية الشعوب من التطرف والإرهاب".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية