"حكم الرجل الواحد" في تركيا: سياسات أردوغان التي تقود نحو الهاوية

"حكم الرجل الواحد" في تركيا: سياسات أردوغان التي تقود نحو الهاوية

مشاهدة

01/07/2020

تتعمّق الأزمات في تركيا على أكثر من مستوى، وتتراوح بين السياسي والاقتصادي؛ إذ تعكس الأرقام الرسمية المعلنة ومؤشراتها تراجعاً حاداً في الملف الاقتصادي، وتوضح، بصورة دقيقة، نتائج السياسات التي يدشّنها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وتبرز أوضاعاً سلبية عديدة.

 ويعاني الاقتصاد التركي من تدهور هائل، وخسائر متباينة، بعد أن سجّل الرصيد النقدي للحكومة التركية عجزاً بقيمة 9.73 مليار ليرة (1.4 مليار دولار)، في أيار (مايو) الماضي، كما أنّ الرصيد الأساسي قد سجل هو الآخر عجزاً بقيمة بلغت نحو 1.02 مليار ليرة، بينما فقدت الليرة التركية حوالي 14% من قيمتها، خلال العام الحالي، وذلك في ظلّ الأزمات المتصلة بتراجع الاحتياطي النقدي، وشحّ التمويل الخاجي، ما يتسبّب في عدم استقرار الليرة بالأسواق.

أردوغان وصناعة الأزمة

تسبق الأزمة الاقتصادية في تركيا تداعيات الفيروس التاجي، بينما تعود بالأساس إلى سياسات الرئيس التركي، وتوغله المستمر في مختلف القرارات الداخلية؛ حيث قام على مدى العامين الماضيين، بتغيير رئيس المعهد الإحصائي التركي، المسؤول عن نشر بيانات التضخم، وغيرها من الأرقام الخاصة بالملف الاقتصادي، إضافة إلى محافظ البنك المركزي، بمسؤولين آخرين.

بالتزامن مع تصريحات زعيم المعارضة التركي؛ أعلن أردوغان أنّ حكومته ستسعى إلى تطوير الاقتصاد التركي، وتعزيز أوضاعه بفضل دعم الصناعة

وتضاف إلى ذلك سياسته الإقليمية التي تسبّبت بأزمات محلية وإقليمية، أكسبته مزيداً من الأعداء والمعارضين، الأمر الذي انعكس بالجملة في عدة صور، تمثلت في عزوف المستثمرين الأجانب عن ضخّ أموال بالبلاد، وبيع الليرة بأحجام كبيرة في الأسواق، وكذا استنفاد احتياطي النقد الأجنبي، ما ترتّب عليه فقدان أكثر من 85 مليار دولار استعان بها أردوغان بغية دعم الليرة، في أقل من عام ونصف العام، كما تشير وكالة "بلومبرغ" الأمريكية.

كما أشار تقرير لمؤسسة "ترونتو دومينيون سيكيورتي"، إلى أنّه من المتوقع أن يسجل الدولار الأمريكي مستويات قياسية أمام الليرة التركية، وذلك مع نهاية العام الجاري؛ حيث يصل إلى 7.90 ليرة تركية، وقد حذّر مراقبون من استمرار نزيف الليرة التركية، وتراجع مستوياتها أمام العملة الأجنبية، ما قد يعيد مجدداً أوضاع الأزمة الاقتصادية ذاتها التي حدثت في الربع الأخير من عام 2018.

الاقتصاد يعرّي سياسات النظام

تشير البيانات الرسمية في تركيا، التي تشكّك فيها قوى المعارضة، إلى أنّ الديون وصلت، مع مطلع العام الحالي، لنحو 220 مليار دولار، ومن بين هذه الديون نحو 586.2 مليار ليرة بالعملة التركية، ونحو 511.9 مليار ليرة بالعملات الأجنبية، بينما وصل إجمالي ديون الإدارة المركزية في تركيا، سواء الداخلية أو الخارجية، إلى 876.5 مليار ليرة تركية، قبل ثلاثة أعوام، مما يعني زيادة في المديونيات، قدرها 260.5%، خلال تلك الفترة الأخيرة.

وإلى ذلك، ألمحت مجموعة "إس إي بي" الاقتصادية، إلى عجز القطاع المصرفي التركي عن سداد الديون المستحقة، في شباط (فبراير) من عام 2021، خاصة في حال استمرار تدهور قيمة الليرة التركية أمام الدولار، وعليه؛ خفّض صندوق النقد الدولي، من جانبه، توقعاته في إمكانية نمو للاقتصاد التركي، بحسب ما أوضح في تقريره الصادر مؤخراً حول التوقعات الاقتصادية العالمية، وقال إنّ "اقتصاد تركيا سيشهد انكماشاً بنحو 5% خلال العام الحالي".

تواصل المعارضة التركية اتهاماتها، في ظلّ الواقع الاجتماعي المتداعي والمتأزم، فضلاً عن استمرار حراكها السياسي والحقوقي المتصاعد ضدّ النظام وحزب العدالة والتنمية، وقد شهد الأخير انشقاقات مهمة في قاعدته التأسيسية وكوادره المؤسسة، الأمر الذي يشير إلى احتمالات فوز الحزبَين الجديدَين، اللذين أسّسهما أحمد داوود أوغلو وعلي باباجان، القيادين السابقين في العدالة والتنمية، في الانتخابات المقبلة، وذلك لقدرتهما على كسب الأصوات التي فقدها النظام الحالي، خاصة في ظلّ انحسار شعبية الرئيس التركي، وهو ما يواجهه أردوغان بمزيد من الإجراءات القمعية المتعسفة ضدّ معارضيه، والتي تخصم من رصيده السياسي؛ إذ كشفت وكالة أنباء "رويترز" تشريعاً جديداً يتمّ الإعداد له، يهدف إلى منع وصول الأحزاب الجديدة إلى البرلمان أو الترشح في الانتخابات.

تراجع شعبية العدالة والتنمية

وقد كشفت مراكز استطلاع الرأي العام في تركيا تآكل الحاضنة الشعبية للنظام التركي، ومؤيدي حزب العدالة والتنمية؛ حيث بلغت أدنى مستوياتها، وذلك لأقل من 30%، بسبب سياسة أردوغان، المحلية والإقليمية، التي أثارت التوتر بين معارضيه في الداخل والخارج، علاوة على الاستعانة بالإجراءات القمعية طوال الوقت لتبرير سياساته، بينما انتقدت المعارضة النظام الرئاسي الذي دشّنه أردوغان، وطالب المعارضون بالعودة إلى النظام البرلماني، للتخلص من طبيعة الحكم القائم حالياً، والذي يفرض سلطة "الرجل الواحد"، ما يسبب أضراراً بالغة في الحقوق السياسية، والحريات الاجتماعية، ناهيك عن تأزم الوضع الاقتصادي والمعيشي.

كما تشير نتائج استقصاء اتجاهات الرأي العام في أنقرة، إلى تراجع هائل في شعبية أردوغان، وقد ألمحت إلى صعوبة فوزه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، المزمع عقدها عام 2023، وذلك بحسب مركز "أوراسيا للأبحاث والاستطلاعات"؛ إذ أوضح أنّ أردوغان في حال إذا انعقدت الانتخابات، فإنّه سوف يحصل على 38.9% تقريباً من أصوات الناخبين، في مقابل 52%، يرون أنّه فشل في مهامه كرئيس للجمهورية، وهي الكتلة التصويتية ذاتها التي حصل عليها في الانتخابات الأخيرة، في حزيران (يونيو) عام 2018.

وفي ظلّ أزمة الليرة التركية، وتدني الوضع الاقتصادي، تساءل ألباي أنتمن، العضو في حزب الشعب الجمهوري المعارض، ونائب رئيس مقاطعة ميرسين، جنوب أنقرة، عن أموال حملة التبرعات، التي أطلقها أردوغان في أيار (مايو) الماضي، على خلفية أزمة فيروس كورونا المستجد، بهدف مساعدة المرضى والمصابين؛ حيث تمّ جمع نحو ملياري ليرة تركية (291.75 مليون دولار)، حسبما أعلن الرئيس التركي نفسه، بيد أنّ المعارض التركي ألمح إلى فقدان هذه الأموال، التي "تقاسمها مسؤولون حكوميون"، كما جاء في تصريحاته الصحفية.

وفي السياق ذاته؛ انتقد زعيم المعارضة التركية، كمال كيلتشدار أوغلو، النظام الرئاسي في أنقرة، معتبراً أنّ "نظام حكم الرجل الواحد، الذي بدأ عام 2018، هو ما أدّى إلى ارتفاع سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار، واتهم سياسة الرئيس التركي بأنّها وراء تدني وانهيار الوضع الاقتصادي"، موضحاً أنّ ترتيب تركيا تراجع من المركز 17 في الاقتصاد العالمي إلى المركز 19.

الانقلاب المزعوم.. حجة أردوغان الأخيرة

وبالتزامن مع تصريحات زعيم المعارضة التركي، أعلن أردوغان أنّ حكومته ستسعى إلى تطوير الاقتصاد التركي، وتعزيز أوضاعه، بفضل دعم الصناعة، للحفاظ على نموّ يمكّنه من تطوير القطاعات الاقتصادية التي تضررت بشدة جراء فيروس كورونا المستجد، مؤكّداً: "هدفنا تخفيض التضخم على مراحل؛ من 8.5% عام 2020 إلى 6% عام 2021، وتحت الـ 5% عام 2022".

تقارير: قضاة يحصلون على ترقيات بفضل اتصالاتهم السياسية، دون أن تكون لهم خبرة مهنية، ما ينعكس سلباً على الأحكام، وينذر بانهيار أنقرة سياسياً

ومن جانبها، تشير الصحفية السورية، لامار إركندي، إلى أنّ "النظام التركي، منذ محاولة الانقلاب المزعوم في تركيا، التي على ما يبدو أنّ أردوغان هو من خطّط لها بنفسه"، حسبما تقول، استعان بالحادثة "المدبرة"؛ كفرصة جوهرية ليخلق لنفسه الذرائع التي تمكّنه من سجن وعزل وقمع كلّ الرافضين لحكمه، إضافة إلى المعارضين لسياساته، وذلك في ظلّ التغييرات التي يقوم بها، والسياسات التي يعمد إلى فرضها؛ فاكتظت السجون بالسياسيين وضباط الجيش، وكذلك الحقوقيين والقضاة والصحفيين، ناهيك عن آلاف المدنيين، بمختلف أعمارهم، فالأطفال أيضاً مغيبون في غياهب سجونه.

وتلفت الصحفية السورية إلى أنّ "وزارة الدفاع التركية قد عزلت، منذ تاريخ الانقلاب المزعوم، عام 2016، نحو أكثر من 19.495عسكري وضابط في المؤسسة العسكرية"، وتضيف لـ "حفريات": "بينما يعمد أردوغان إلى التخلص من كبار ضباط الجيش، عبر زجّهم في حروب خارجية، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا، وحتى اليمن، وغيرها، فإنّه كذلك يعزل تركيا عن محيطها الإقليمي، مما يفاقم من أزماتها، وهي التي تعاني بالأساس من انهيار حادّ في اقتصادها؛ ففشل أردوغان الداخلي والخارجي، يجعله يصبّ نيران غضبه على معارضيه، كما أنّه يخطط لسنّ تشريع يعرقل ترشّح المعارضة، خاصة الأحزاب الجديدة، لأيّة انتخابات قادمة.

وثمة عشرات التقارير الواردة من داخل تركيا تحذّر من انهيار القضاء، مثلاً، خلال مدة حكم العدالة والتنمية بقيادة أردوغان، بحسب إركندي؛ حيث استُخدمت منصة العدالة في غير أهدافها، ومن ثم، تمّ تحويلها إلى أداة ضدّ خصوم أردوغان، في حال عدم قدرته على إنجاز القمع بالوسائل السياسية؛ فبعد المحاولة الانقلابية المزعومة، ألغت الحكومة التركية برنامجاً تدريبياً للمسؤولين في القضاء التركي، كان يدعمه الاتحاد الأوروبي، بينما تشير التقارير ذاتها إلى أنّ قضاة آخرين يحصلون على ترقيات بفضل اتصالاتهم السياسية، دون أن تكون لهم خبرة مهنية، ما ينعكس سلباً على الأحكام، وينذر بانهيار أنقرة سياسياً، بسبب تدخلات الرئيس التركي، وتحكّمه المستمرّ بكلّ مفاصل الدولة، والتي يذهب بها نحو الهاوية.


الصفحة الرئيسية