حصاد الإخوان في أوروبا 2025: عام انكشاف الشبكات وتضييق الخناق

حصاد الإخوان في أوروبا 2025: عام انكشاف الشبكات وتضييق الخناق

حصاد الإخوان في أوروبا 2025: عام انكشاف الشبكات وتضييق الخناق


29/12/2025

 

شكّل عام 2025 محطة مفصلية في مسار تعامل الدول الأوروبية مع جماعة الإخوان المسلمين، بعد سنوات من المقاربة الرمادية التي اكتفت بالمراقبة الأمنية والتقارير الاستخبارية دون ترجمة سياسية حاسمة. 

خلال هذا العام خرج ملف الإخوان من نطاق التحليل الأكاديمي والرصد الأمني إلى دوائر القرار السياسي والتشريعي، في ظل قناعة متنامية بأنّ التنظيم لم يعد مجرد تيار فكري أو فاعل دعوي، بل شبكة إيديولوجية عابرة للحدود تعمل على إعادة إنتاج نفوذها داخل المجتمعات الأوروبية، مستفيدة من هامش الحريات والقوانين المنظمة لعمل الجمعيات.

هذا التحول لم يأتِ فجأة، بل جاء نتيجة تراكم تقارير أمنية وتجارب ميدانية أظهرت قدرة الجماعة على التغلغل الهادئ داخل المجتمعات الأوروبية، دون صدام مباشر مع الدولة، وبخطاب مزدوج يخاطب الداخل الأوروبي بلغة الحقوق، بينما يحافظ في العمق على مشروع سياسي مناقض لقيم الدولة الوطنية.

بنية التنظيم في أوروبا: العمل تحت السقف القانوني

تعتمد جماعة الإخوان في أوروبا على بنية تنظيمية مرنة تقوم على شبكات من الجمعيات الثقافية والدينية والتعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، التي تعمل ظاهرياً في إطار القانون، لكنّها تؤدي عمليّاً وظيفة سياسية وإيديولوجية. هذا الشكل التنظيمي أتاح للجماعة التحرك بحرّية نسبية، وتجنّب المواجهة المباشرة مع السلطات، مع بناء قواعد اجتماعية داخل الجاليات المسلمة، خصوصاً بين فئات الشباب.

خلال 2025 بدأت هذه البنية تتعرض لضغوط متزايدة، بعد أن باتت الأجهزة الأوروبية أكثر وعياً بوظيفة "منظمات الواجهة"، ودورها في تمرير الخطاب الإخواني، وتدوير التمويل، وبناء النفوذ بعيداً عن الأطر الحزبية التقليدية.

ألمانيا: الخطر الصامت على الديمقراطية

في ألمانيا، واصلت أجهزة حماية الدستور تصنيف جماعة الإخوان ضمن التهديدات غير العنيفة للنظام الديمقراطي. تقارير الاستخبارات الداخلية خلال 2025 شددت على أنّ خطورة التنظيم تكمن في استراتيجيته طويلة المدى، التي تستهدف التأثير التدريجي في المجتمع، وبناء هياكل موازية قائمة على الولاء الإيديولوجي لا على الاندماج المدني.

وركزت هذه التقارير على توسع النشاط الدعوي والتعليمي المرتبط بالجماعة، وعلى استخدام الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي كأداة أساسية للتأثير والتجنيد، وهو ما دفع إلى توسيع نطاق الرصد والمتابعة، خاصة فيما يتعلق بالتمويل والأنشطة العابرة للولايات.

فرنسا: الإخوان تهديد للتماسك الجمهوري

شهدت فرنسا خلال 2025 تصعيداً سياسياً واضحاً ضد جماعة الإخوان، تُرجم في تقارير حكومية رسمية اعتبرت التنظيم عاملاً مهدداً للتماسك الوطني. السلطات الفرنسية ربطت بين نشاط الإخوان وانتشار ما تصفه بـ "الانعزالية"، معتبرة أنّ الجماعة تستغل الهياكل الدينية والاجتماعية لترسيخ هويات مغلقة تتعارض مع قيم الجمهورية والعلمانية.

هذا الموقف ترافق مع تشديد الرقابة على الجمعيات، وإعادة فحص مصادر تمويلها، في إطار سياسة أوسع تستهدف تجفيف منابع الإسلام السياسي، وليس فقط التعامل مع مظاهره السطحية.

النمسا: نموذج التشدد القانوني

واصلت النمسا خلال 2025 تقديم نموذج أوروبي متقدم في التعامل مع جماعة الإخوان. فقد طبقت فيينا سياسات قانونية صارمة تتيح حل الجمعيات المرتبطة بالإسلام السياسي، وتوسيع صلاحيات الدولة في مراقبة الخطاب الديني والتمويل الخارجي. هذا النهج جعل من النمسا مرجعاً لدول أوروبية أخرى تبحث عن أدوات قانونية واضحة لمواجهة التنظيم دون الاصطدام المباشر بقيم الحريات العامة.

الاتحاد الأوروبي: الاعتراف بالمشكلة دون حسم التصنيف

على مستوى الاتحاد الأوروبي شهد عام 2025 نقاشاً متزايداً داخل البرلمان الأوروبي حول نفوذ جماعة الإخوان داخل دول الاتحاد، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويل واللوبيات غير الرسمية. ورغم عدم التوصل إلى تصنيف موحد للجماعة كتنظيم إرهابي، فإنّ التقارير البرلمانية عكست تحولاً مهمّاً من التجاهل إلى الاعتراف بوجود مشكلة بنيوية تتطلب معالجة مشتركة.

ويعود هذا التردد في الحسم إلى اعتبارات قانونية وسياسية، أبرزها صعوبة إثبات الطابع العنيف للتنظيم وفق المعايير الأوروبية، رغم الإقرار بخطورته الإيديولوجية.

المال خط الدفاع الأول

برز ملف التمويل كأحد أهم محاور المواجهة الأوروبية مع الإخوان خلال 2025، فقد أدركت الحكومات أنّ قدرة الجماعة على البقاء والتوسع ترتبط بشبكات مالية معقدة تمرّ عبر جمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية ودعوية. لذلك شهد العام 2025 تصاعداً في عمليات التدقيق المالي، وتعاوناً أوسع بين الهيئات الرقابية الأوروبية لتتبع التدفقات المشبوهة، خاصة تلك القادمة من خارج الاتحاد.

لم تخلُ هذه السياسات من جدل داخلي، فقد حذّر بعض الأكاديميين ومنظمات حقوقية من توسّع مفهوم "الخطر الإيديولوجي" على حساب الحريات العامة. في المقابل دافعت الحكومات الأوروبية عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية لحماية الديمقراطية من تنظيمات تعمل داخل القانون شكليّاً، وتستهدفه جوهريّاً.

أوروبا تعيد رسم حدود التسامح

بالنسبة إلى جماعة الإخوان، مثّل عام 2025 تراجعاً واضحاً في القدرة على المناورة داخل أوروبا. تقلّصت المساحات الرمادية التي كانت تتحرك فيها، وتزايد التدقيق في أنشطتها، وأصبح خطاب "الاضطهاد" أقلّ قدرة على إقناع الرأي العام الأوروبي.

في المحصلة، يكشف حصاد الإخوان في أوروبا خلال 2025 عن تحوّل أوروبي جاد نحو إعادة تعريف حدود التسامح مع التنظيمات العابرة للحدود. فالمواجهة لم تعد أمنية فقط، بل سياسية وتشريعية وفكرية، عنوانها حماية الدولة الوطنية من مشاريع إيديولوجية تتخفّى خلف واجهات مدنية، وتستثمر في الزمن أكثر ممّا تستثمر في الصدام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية