حتى متى يترصد "شهريار" المرأة العربية باسم الشرف؟

حتى متى يترصد "شهريار" المرأة العربية باسم الشرف؟

مشاهدة

30/11/2020

 الكتابة في موضوع المرأة ليست بالجديد، فمنذ عقود طويلة، إن لم نقل منذ قرون؛ وباب البحث في موضوع المرأة ومكانتها في الحياة العامة مفتوح أمام الباحثين، والمفكرين، للنقاش والحوار والجدل، وكذلك مشاركتها في الحياة الاجتماعية - الاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية في المجتمعات كافة بوجه عام، وفي المجتمعات التقليدية، بوجه خاص.

اقرأ أيضاً: تونس: من يوقف الانتهاكات ضد النساء في "عاصمة المرأة العربية"؟

فقلما اهتمت الدراسات والبحوث المتعلقة بتحرر المرأة بأثر اضطهاد النساء في حياة الفرد، الذكر والأنثى، وحياة الأسرة والمجتمع، وفي قواعد بناء السلطة وطبيعة الدولة، اهتمامها بوصف مظاهر الاضطهاد والحرمان من الحقوق والتنديد بها. وقلما اهتمت بالبحث عن أسباب القمع والاضطهاد والحرمان، اهتمامها بـمزاعم "حرية المرأة في الإسلام"، وهي لم تتعد بعض النصوص إلى الممارسة الاجتماعية.

 

قلما اهتمت الدراسات والبحوث المتعلقة بتحرر المرأة بأثر اضطهادها في حياة الفرد والأسرة والمجتمع

لذا لم تنته إلى بلورة رؤية، في ماهية السلطة، التي تقمع وتضطهد وتحرم، وجوب دمقرطتها وأنسنتها وتوزيعها توزيعاً عادلاً بين الذكور والإناث، في الأسرة والمجتمع والدولة، ولم تدمج قضية المرأة لا في منظومة حقوق الإنسان، ولا في مبادئ المواطنة المتساوية. لذلك تحولت القضية إلى شعار وأدلوجة، أو إلى طوبى، بتعبير عبد الله العروي، الذي ربط قضية الحرية بالإصلاح السياسي، وتجاوز الأرثوذكسية.

اقرأ أيضاً: كيف عالجت الأعمال السينمائية جرائم الشرف؟

 وضع المرأة في مجتمعاتنا لم يتغير إلاّ قليلاً قياساً بوضع المرأة في المجتمعات المتقدمة، فإذا انطلقنا من النظام الاجتماعي، يتبين أنه ما زال قائماً على الأعراف التمييزية والتفاضلية بين الأنثى والذكر، وما زال يعتبر الأنثى شرف الرجل وشرف العائلة أو العشيرة، فلا ينظر هذا النظام إلى كفاءتها المهنية أو قدراتها الذهنية، المساوية لكفاءة الرجل وقدراته. أما القانون في هذه المجتمعات فهو امتداد للعرف الاجتماعي والسلطة الدينية والسياسية القائمة على التمييز بين الذكر والأنثى أيضاً؛ فالعرف الاجتماعي الذي يشرّع قتل المرأة بحجة الشرف، يتوازى مع وجوب رجمها في نظر فقهاء الشريعة، ويتوازى مع القانون في التخفيف من عقوبة القاتل بحجة الشرف أو الفعل المنافي للحشمة، مع العلم أنّ العرف الاجتماعي والفهم الديني لا يحاسبان الرجل كما يحاسبان المرأة على تلك الأفعال التي يعدها العرف والقانون الذكوري أفعالاً شائنة.

 

وضع المرأة في مجتمعاتنا لم يتغير إلاّ قليلاً قياساً بوضعها في المجتمعات المتقدمة

ليس للشرف في المجتمعات الذكورية وثقافتها من معايير أهم وأسمى من ولاية الرجال على النساء والسيطرة عليهن، وهذا مما يدعو إلى التساؤل: هل استقلال المرأة وحريتها وولايتها على نفسها تثلم شرف الرجل وشرف العشيرة، وتحط من شأنهما؟ وهل الهيمنة الذكورية هي التي تختبئ خلف وصف المجتمعات الغربية، التي نالت فيها المرأة حريتها واستقلالها وجميع حقوقها، بالانحلال الأخلاقي؟ فهو يسعى الآن في تلك الثقافة إلى ترسيخ تفوق الرجل على المرأة، بل يسعى إلى النكوص الأخلاقي على جميع المستويات (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية)؛ أي نكوص إلى عهد الحكم الكنسي وما قبله بقرون، فقد تكرر في مختلف البلدان العربية، قتل النساء بحجة الدفاع عن الشرف.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية.. حضور متزايد يقيّد أفق المرأة

 في عهد الحكم الكنسي قُتلت "هيباتا" عالمة الرياضيات والفيلسوفة الشهيرة، والتي سحلها أتباع الكنيسة أمام أفراد المجتمع آنذاك، ليس بحجة الشرف وحسب، إنّما خوفاً من أن يستنير أفراد المجتمع من علمها واستنارتها، وحفاظاً على هيبة السلطة الكنسية من الانهيار، ليثبتوا لهم ولهنّ أنّ النساء هنّ نساء يجب قتلهنّ إن خرجن عن طاعة النظام الاجتماعي الذي وضعه الرجل، مهما بلغن من العلم، ومهما بلغن من مراتب أخرى، فهنّ في أحسن الأحوال "حريم"، مفردها "حرمة" والحرمة هي: "ما لا يحلّ انتهاكه من ذمةٍ أو صحبة أو غير ذلك" كما ورد في قاموس اللغة العربية.

اقرأ أيضاً: جسد المرأة: صراع ديني علماني أم اقتصادي؟

ثقافة الحريم بدأت في حضارة الفرس؛ حيث فرضت على المرأة اللثام كي لا تدنس النار المقدسة بأنفاسها، حسب تعبير الدكتور "محمد شحرور" مروراً بحكم الكنيسة التي أعدمت خمسة ملايين امرأة على مدار ثلاثة قرون، منهنّ الطبيبات وعالمات في الرياضيات والفلك، ومحبات للطبيعة، وفنانات، وذلك بتهمة السحر والشعوذة كما ورد على لسان "دان براون" في روايته "شيفرة دافنشي"، وكما ورد في حكايات "ألف ليلة وليلة" قتل الكاتب جميع الفتيات انتقاماً لذكورة شهريار، ثم أنقذ البقية باستنارة "شهرزاد" وأعادها في نهاية المطاف إلى بيت "الحريم".

اقرأ أيضاً: لا شرف في "جرائم الشرف"

فما زال "شهريار" يكمن في عقول الكثيرين من الرجال والكثيرات من النساء إلى يومنا هذا؛ فنرى حالات قتل النساء تزداد بحجة الشرف وأكثرها في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة، إذ يزداد تشبث الأفراد بالطائفة والعائلة والعشيرة في أثناء الحرب، فيزداد التعلق بالموروث والعمل به، وتقول الإحصائيات بأن تسع نساء قتلن في إحدى المحافظات السورية خلال عام 2020، مع العلم أنّ عدد سكان المحافظة لا يتجاوز نصف مليون نسمة، فإذا استمرت جرائم الشرف على هذا النحو في مجتمعاتنا المتخلفة، سنسجل رقماً قياسياً وندخل كتاب "غينس" وبذلك نكون قد تفوقنا على الكنيسة في السلطة الموكولة إلى رجالنا الأكارم.

السلطة الاجتماعية والسلطة الدينية، هما امتداد للسلطة السياسية، التي تميّز في قوانينها بين الرجل والمرأة، فتعتبر المرأة نصف الرجل، ونصف مواطنة، لكن عندما يتعلق الأمر بالشرف؛ تكون المرأة هي العائلة بأكملها والعشيرة بعنفوانها.

 

ليس للشرف في المجتمعات الذكورية وثقافتها من معايير أهم وأسمى من ولاية الرجال على النساء

القيود الاجتماعية الصارمة أو المورثة، يجب أن تُستبدل بها قوانين وضعية عامة تسري على  جميع أفراد المجتمع بالتساوي، وبلا أي تمييز بسبب القوة والثروة والجاه، أو التمييز الجنسي أو الديني أو العرقي أو السياسي، مع أنّ القيَم الاجتماعية العامة متشابهة في غالبية المجتمعات، كما أنّها تندرج جميعها تحت مفهوم القيم الإنسانية، وهذا ما حدث في المجتمعات المتقدمة التي يسودها القانون. لكن المجتمعات المتأخرة، التي ضعفت فيها قوة الأعراف والعادات والتقاليد، وخضعت للاستبداد المحدّث؛ صارت كالغراب الذي أراد أن يقلّد مشية الحجل، فنسي مشيته ولم يتقن مشية الحجل.

المجتمعات المحكومة بالاستبداد ، يضعف فيها الوازع الاجتماعي والوازع الديني والوازع الأخلاقي عموماً، ولا تطبق فيها القوانين الوضعية إلّا على الضعفاء، "المستبد عدو الحق، عدو الحرية، وقاتلهما، والحق أبو البشر والحرية أمهم، والعوامّ صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم أخوتهم الراشدون، إن أيقظوهم هبوا، وإن دعوهم لبوا، وإلا فيتصل نومهم بالموت"، حسب تعبير الكواكبي.

الصفحة الرئيسية