جوليان أسانج.. قرصنة اللعب مع الكبار

2237
عدد القراءات

2018-04-29

لم تُصِب لعنةُ التشكيلية "كريستين آن" بابنها فقط؛ بل بالعالم كلّه، وجعلته مضطرباً متلاطماً، ولو إلى حين، فالسيدة "كريستين" هربت خفية من زوجها الأول، المثقف والناشط "شيبتون"، من أجل مسرحي مغمور يدير فرقة صغيرة جوالة، ويعتقد بتناسخ الأرواح وحلولها، وتنقّلت معه من شرق أستراليا إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها ووسطها، يعرضون مسرحيات قليلة الأهمية.

ما لا يأتي به إلّا الجنون، أنّ السيدة كريستين، جالت وصالت بطفل (شيبتون) داخل بطنها، مع صديقها الجديد في حلّه وترحاله، لا تخشى عليه شيئاً، فليخرج إن شاء قبل موعده، أو يسقط، لا يهم.

إلى أن خرج إلى الحياة في تموز (يوليو) 1973، ببلدة تاونسفيل التابعة لمقاطعة "كوينزلاند" في أستراليا، فأطلقا عليه اسم "جوليان"، ولم تشأ كريستين أن تنسبه لأبيه، فألحقته بصديقها المسرحي "ريتشارد بريت أسانج"، فكان أن أضافا للعالم جنوناً جديداً ولعنة أخرى.

التنقل القلق

ما فعلته "كريستين" من إلحاق نسب ابنها بصديقها، والهروب المتواصل به منذ كان نطفة في رحمها، كان محاولة جبارة منها، على طريقتها الخاصة، للاحتفاظ به، دون أبيه، فكان أن جالت به زهاء 42 منزلاً، منذ ولادته وإلى أن بلغ 14 عاماً من عمره، الأمر الذي أثّر سلباً على شخصيته، وجعله يبدو مع ذكائه المتّقد، شديد الاضطراب النفسي، غير أنّ ذلك لم يحل دون تحقيقه حلمه الأكبر، وإنجاز ولعه بالعلوم والرياضيات، على نحوٍ جعله ليس الأشهر في فضاء هذا المجال فحسب؛ بل في العالم برمّته.

بسبب القلق العائلي تنقّل جوليان أسانج بين مدارس عديدة حتى درس الفيزياء وبرمجة الحاسوب في جامعة كوينزلاند سنترال

بسبب ذلك القلق العائلي، تنقّل جوليان أسانج بين عديد المدارس، حتى درس الفيزياء وبرمجة الحاسوب في جامعة كوينزلاند سنترال، وتخرّج فيها العام 1994، وسرعان ما ابتدر حياته العملية في العام نفسه، كمبرمج ومطور برمجة، وتمكّن، خلال عام واحد فقط، من تأسيس قاعدة بيانات مفتوحة المصدر، وتطوير بروتوكول للتحكم في الماسح الضوئي (strobe.c)، إلى جانب الكثير من أنظمة التشفير والبرمجيات.

وكعادته، لم يستقرّ له حال، فغادر عمله، وبدأ يعمل وحده أعواماً، إلى أن استدعته أكاديمية (Suelette Dreyfus) للانضمام إلى فريقها الأكاديمي لإعداد بحث تفصيلي عن الجوانب السلبية لشبكة الإنترنت، فراق له الأمر وعكف عليه، كونه ربما منسجماً مع وضعه النفسي وطريقة حياته، وإلّا لم يكن ليستفيد منه ويطوره إلى كتاب بحثي عظيم، أصدره العام 1997، تحت عنوان (تحت الأرض)، ليتصدر، حينها، قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في أستراليا ودول أخرى.

لعلّ كتابه "تحت الأرض" هو ما أوحى إليه لاحقاً، بتأسيس أشهر موقع تسريبات في العالم

صعود ويكيليكس

لعلّ كتابه "تحت الأرض" هو ما أوحى إليه لاحقاً، بتأسيس أشهر موقع تسريبات في العالم، فبعد مغادرته الأكاديمية، والتحاقه بجامعة ملبورن لدراسة الرياضيات، العام 2003، ومغادرته غير نادم العام 2006، العام نفسه الذي أطلق فيه (ويكيليكس) غير الربحي، بهدف نشر الأخبار الخاصة بالحرب الأمريكية على العراق وأفغانستان، من خلال الكشف على وثائق سرية من مصادر مختلفة ومتنوعة، بحسب تصريحات سابقة له لـصحيفة "سيدني موريننغ هيرالد".

مُستفيداً من براعته في أنظمة القرصنة والتشفير، وغير آبه ولا عابئ بتهمة القرصنة التي وجهت إليه العام 1995، حصل جوليان أسانج وأربعة من معاونيه، على أكثر من مليون وثيقة سريِّة حال إطلاقه موقعة الجديد، ونشرها عليه تباعاً، فأربك العالم، وضجّ بعضه وارتج، وأصابت الآخر (هاء السَكْتْ) فالتزم الصمت.

أصدر العام 1997 كتابه "تحت الأرض" الذي تصدّر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في أستراليا ودول أخرى

وفي ذلك، سواء أكان  يفاخر "أسانج" ويسخر، أم ينوح ويتحسّر، لا فرق، فقد قالها بصوتٍ عالٍ: "إنّه لأمرٍ مخزٍ أن يتمكّن خمسة أشخاص من كشف معلومات للبشرية، عجزت الصحافة بأجهزتها وإمكانياتها الضخمة عن كشف ربعها، خلال عشرات السنوات"، ربما لم يكن يدري أنّ الصحافة تسير وفق هوى السلطة، وأنّ مقارعته لهذا الهوى ستكون وبالاً ونكالاً عليه يوماً ما، فينفق سنين عدداً بين ظهراني سفارة الإكوادور في بريطانيا محتمياً بها، أسيراً بطريقة غريبة وغير معتادة، لا هو سجين بحكم القانون، ولا هو محض اختيار شخصي للاعتكاف بسحر أمريكا اللاتينية من تعسف أمريكا وحلفائها.

في غضون شهور قليلة من تدشين (ويكيليكس) أصبحت هذه البقعة من العالم الافتراضي "محَجّة" إلكترونية

محجة إلكترونية

في غضون شهور قليلة من تدشين (ويكيليكس)، أصبحت هذه البقعة من العالم الافتراضي "محَجّة" إلكترونية، يطوف بها الجميع، ويسعون للحصول على ما لا يجدونه في الإعلام التقليدي المأسور قيد السلطات الحكومية.

بضعة أشهر فقط، وعلى وقع التقرير المصوَّر لطائرة أمريكية تهاجم مدنيين عراقيين، بينهم صحفيان من (رويترز)، وتقتلهم عن بكرة أبيهم، حتى أدرجته (الأنتربول) على قائمة المطلوبين لديها، ليس بناءً على التقرير (الهليكوبتري) المنشور، إنّما -وفق ما قيل- إنّه طلب من محكمة سويدية تنظر في جرائم جنسية تشتبه في أنّ (أسانج) اقترفها بحقّ امرأتين من بلاد (الفايكنج)، فكان أن وقع أسيراً تحت قبضة السلطات البريطانية، في 7 كانون الأول (ديسمبر) 2010.

في غضون شهور قليلة من تدشين موقع "ويكيليكس" أصبح "مَحَجّة" إلكترونية عالمية خارج الإعلام التقليدي

وبعدها بعامين قرر ذات القضاء إرساله مخفوراً  إلى السويد، لكن "الساحر" لم ييأس أو يقنط، فحاول الاستئناف لدى محكمة أخرى، ففشل، ولجأ إلى المحكمة العليا، فأقرّت الحكم السابق، فطعنه لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لكنّه لم ينتظر قرارها، فلجأ إلى سفارة الإكوادور في العاصمة البريطانية (لندن) تحت حمايتها، ودعم رئيسها، وظلّ رهنها حتى اللحظة، لاجئاً سياسياً حيناً، ومواطناً (إكوادورياً) بعد حصوله على جنسيتها بقرار سياسي.

اتهامات تقصم الظهر

لا يواجه، جوليان أسانج، محنته وحيداً؛ فإلى جانب دولة الإكوادور وملايين المتعاطفين معه حول العالم، ودعم والدته، تزوره بشكل دوري بسفارة الإكوادور، وسط لندن، الممثلة الحسناء (باميلا أندرسون) حاملة إليه صحائف الطعام، وباقات الورد وأنخاب الحبّ.

لجأ إلى سفارة الإكوادور في العاصمة البريطانية بعد ملاحقته قضائياً مايزال رهنها حتى اللحظة

يواجه أسانج اتهامات تقصم الظهر، وتضع الرقبة على شفير المقصلة، فقد اخترق موقع وزارة الخارجية الأمريكية عدة مرات، وكذلك موقع البحرية الأمريكية، ووكالة ناسا، والعديد من المؤسسات ذات الصلة بالبنتاغون، وهيئة الاتصالات الأسترالية، وسيتي بنك، وشركة لوكهيد مارتن، وموتورولا، وباناسونيك، وزيروكس، والجامعة الوطنية الأسترالية، ولاتروب، وستانفورد، ولما لا يُعدّ ولا يُحصى، لكن (باميلا) لا تأبه؛ فلحظات برفقة القرصان الأكبر تجعلها تستدعي زينة السماء إلى قفر  الأرض، وهي تحصي دقات قلبها، وأوجاع فستانها الزاهي.

انتظار لحظة الحرية

مَن غير ابن الترحال، يخطّط بهذه الدقة المتناهية من أجل أن يضع يده على أطنان من المعلومات الخطيرة التي تعجز أعتى أجهزة المخابرات، بما لديها من أموال ورجال، مستفيداً من قوانين حماية الشخصية الخاصة بالحفاظ على سرية المعلومات والقوانين الأخرى؛ حيث يعدّ ذلك البلد الأسكندنافي البارد كما جليده، الأكثر تطوراً في هذا المجال، وكأنّه كان يعلم ما سيحدث له مستقبلاً، جراء هذا (الويكيليكس) اللعين.

لكنّ أسانج ماطل خصومه حتى اعتصم بسفارة السحرة اللاتينيين، فقلّص المحققون السويديون، في آب (أغسطس) 2015، الاتهامات بحقّه إلى اثنتين فقط؛ التحرش الجنسي والإكراه غير القانوني، بسبب انقضاء المهلة القانونية لاستجوابه.

الشرطة البريطانية ما تزال مصرّة على أنّها ملتزمة بالقبض عليه بتهمة الامتناع عن المثول أمام المحكمة

وفي تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، سحبت الشرطة البريطانية أفرادها المحيطين بسفارة الإكوادور، منذ ثلاثة أعوام من تاريخه، بسبب التكلفة المالية التي بلغت 12 مليون جنيه إسترليني، وهكذا توالت الأحداث لصالح القرصان، وربما سينقلب السحر على السحرة قريباً، ففي شباط (فبراير) 2016، أصدرت لجنة تحقيق أممية حكماً غير ملزم لصالح مؤسس "ويكيليكس"، وفي أيار (مايو) من العام نفسه، توقف التحقيق السويدي في مزاعم ضلوعه في جرائم جنسية، وألغى بالتالي أمر الاعتقال الدولي الصادر بحقه، لكنّ الشرطة البريطانية ما تزال مصرّة على أنّها ملتزمة بالقبض عليه بتهمة الامتناع عن المثول أمام المحكمة.

إلى ذلك، فإنّ القرصان يقترب الآن من لحظة الحرية؛ فهل يبحر في لجة جديدة، أم ينزل إلى (تحت الأرض) ليجترح طقوساً جديدة لاختراق حصون السلطات المنيعة ودكّها كما يجب؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: