جميل عبد النبي: حماس كبّرت الوهم ودفعت غزة إلى الهاوية

جميل عبد النبي: حماس كبّرت الوهم ودفعت غزة إلى الهاوية

جميل عبد النبي: حماس كبّرت الوهم ودفعت غزة إلى الهاوية


22/08/2025

أجرت الحوار: تغريد سعادة

جميل عبد النبي، ناشط سياسي فلسطيني وأحد الأسرى المحرَّرين من سجون الاحتلال، راكم تجربة نضالية طويلة في قطاع غزة. ارتبط في بدايات تكوينه الفكري والشخصي بحركة الجهاد الإسلامي، لكنه بعد بحث عميق تركها. في حديثه إلى "زيتون نيوز"، قدّم عبد النبي قراءة نقدية لفكر الجماعات الإسلامية، معتبرًا أن حركة حماس لا تمتلك مشروعًا تحرريًا واقعيًا على غرار منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها تستند إلى الدين لتبرير خلافها مع حركة فتح.
كما تناول عبد النبي موضوع الانقسام وواقع حكم حماس في غزة على مدار ثمانية عشر عامًا، ليسرد تقييمًا غائبًا عن الإعلام، وصولًا إلى ما جرى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن برنامج السلطة الذي خوّنته حماس هو ذاته ما يسعى نتنياهو إلى إنهائه لمنع قيام الدولة الفلسطينية.
وكان لنا معه هذا اللقاء:

كنتم من قيادات حركة الجهاد الإسلامي في غزة. متى بدأت مسيرتكم القيادية؟ ومتى قررتم ترك الحركة؟ وما الأسباب الرئيسية التي دفعتكم إلى ذلك؟ وهل تصف نفسك الآن بالمستقل؟

أنا لاجئ، أنتمي إلى أسرة فقيرة أُجبرت على ترك بيوتها وأراضيها عام 1948. كان والدي فلاحًا يعمل في أرضه التي أُقيمت عليها إسرائيل. عندما اضطر للهجرة، خرج بملابسه الشخصية فقط، ولم تكن له مهنة أخرى. فاضطر للعمل في أراضي المواطنين بمنطقة جباليا، وكانت هذه الأعمال موسمية لا تكفي لسد حاجاتنا. عشنا على مساعدات "الأونروا" التي بالكاد أبقتنا أحياء، نرتدي الملابس القديمة المجمعة من تبرعات الخارج والتي كنا نستلمها في ما يُعرف بـ"السرة".
فتحت عيناي على هذا البؤس، وأدركت أن سببه قيام دولة إسرائيل على أنقاض شعبنا، دولة ادّعى مؤسسوها حقًا دينيًا زائفًا بالأرض. ومن الطبيعي أن ينشأ جيلي وفي داخله هدف واحد: مقاومة الاحتلال وانتزاع الحقوق.
كنت متدينًا، وحين بلغت وجدت الساحة الفلسطينية مليئة بالقوى الوطنية، لكن حركة الجهاد الإسلامي جذبتني لأنها جمعت بين الدين والمقاومة. انتميت إليها في سن مبكرة واعتُقلت أكثر من مرة، آخرها بين 1990 و1994. في السجون توسعت مداركي بالقراءة، وأخضعت أفكار الحركة للفحص. تيقنت أن فكرة القضاء على إسرائيل غير ممكنة واقعيًا، وأن إهدار طاقة شعب كامل في سبيل هدف مستحيل أشد ضررًا من الخيانة ذاتها.
مع الوقت توصلت إلى قناعة بضرورة الفصل بين الدين والدولة، وأن النصوص الدينية لم تُنزل لإدارة دنيانا بل لتسقيفها بقيم أخلاقية إنسانية. هذه المراجعات وسّعت المسافة بيني وبين حركات الإسلام السياسي. لم أنشق عن الجهاد بضجيج، بل غادرتها بهدوء، واخترت أن أعيش مستقلًا. اليوم، نعم: أنا مستقل تمامًا في فكري وخياراتي، لا سلطة لأي جهة عليّ.

 سمعناك على الشاشات تنتقد حماس وتعارض ما يجري في غزة وأنت مقيم فيها. لماذا كل هذا الغضب على حماس؟

 خلافي مع حماس سياسي وأيديولوجي منذ سنوات طويلة، حتى قبل خروجي من حركة الجهاد. حماس تنتمي إلى الإخوان المسلمين عالميًا قبل انتمائها الفلسطيني. سعت للاستحواذ على مسمى المقاومة، وعلى الدين، وأقصت الآخرين بالتخوين والتكفير. خطابها هذا قاد إلى الانقسام عام 2007، الذي رعته إسرائيل وساعدت على ترسيخه.
حماس واصلت بيع الوهم بقدرتها على إزالة إسرائيل، فدفعتنا إلى حروب محسومة مسبقًا لصالح الاحتلال. في 7 أكتوبر 2023 أشعلت حربًا لا طاقة لها بها، فاستغلت إسرائيل ذلك لسحق غزة بكل تفاصيلها. كان على حماس أن تتراجع أو تسلّم الملف للسلطة أو لمصر، لكنها اختارت المكابرة على حساب دماء شعبها. نحن الآن أمام خيارين: إما أن تمنح حماس نتنياهو فرصة استكمال مشروعه، أو أن تخرج من الحكم لإنقاذ ما تبقى من غزة.

قناة الجزيرة تسلّط الضوء على عمليات كتائب القسام وتظهرها كما لو أنها إنجازات لجيش منظم. ما الواقع؟

 قناة الجزيرة تكذب حرفيًا، ولها أجنداتها. لا القسام ولا غيره يمتلك جيشًا حقيقيًا؛ لا طائرات ولا دبابات ولا سلاح ثقيل. نحن شعب أعزل. ما تفعله الجزيرة أنها تهدي إسرائيل ذريعة، إذ تظهرها وكأنها تواجه جيوشًا لا مدنيين عُزّل. والأسوأ أنها تعرضنا دائمًا بصورة "الأبطال المنتصرين"، فتمنع شعوب المنطقة من التعاطف معنا. الحقيقة أننا نُذبح هنا يوميًا.

حماس تؤكد أنها لن تسلّم سلاحها. ما تعليقك؟

على حماس أن توضّح: أي سلاح هذا؟ إسرائيل دمّرت كل ما لدى حماس من قدرات، وما تبقى لا يتعدى البنادق لضبط الداخل، أي لحماية حكمها. هذا السلاح لم يحمِ غزة، بل صار ذريعة لإسرائيل لتدميرها. الحقيقة أن حماس تفاوض الآن فقط على بقاء حكمها، وليس على مقاومة الاحتلال.

هل تعتقد أن عملية "طوفان الأقصى" جاءت خدمة لنتنياهو؟

 نعم، لقد خدمت نتنياهو وإسرائيل كلها. قد لا تكون حماس تواطأت معه، لكن إسرائيل كانت على علم واستغلتها كـ"فرصة تاريخية". نتنياهو لا يرى في الفلسطينيين شعبًا ولا يعترف بحقهم في دولة، وحماس منحتْه الذريعة لتنفيذ مخططاته.

كيف تصف الانقسام الفلسطيني؟

إذا كانت النكبة الأولى عام 1948 هي التهجير، فإن النكبة الثانية هي الانقسام، ويأتي "الطوفان" بعدها كمقامرة مدمرة. الانقسام كان الأداة الأهم بيد اليمين الإسرائيلي لمنع قيام دولة فلسطينية، وقد استغل نتنياهو حماس في ذلك.

كيف تقيّم الـ 18 عامًا من حكم حماس في غزة؟

كان حكمًا فاشلًا بامتياز. رفعت حماس شعارات مثل "يد تبني ويد تقاوم"، لكنها حكمت غزة وكأنها دولة مستقلة، بينما كل تفاصيل حياتنا مرهونة بموافقة إسرائيل. الاقتصاد انهار، البطالة تفاقمت، الضرائب أرهقت الناس، الحريات صودرت، الحزب هيمن على كل شيء، والمعارضة قُمعت. النتيجة: هجرة غير شرعية، يأس، وفقر مدقع

من وجهة نظركم، ما هي الطرق الواقعية للخلاص مما يعيشه أهلنا في غزة اليوم، سواء على الصعيد الإنساني أو السياسي؟

ليست هناك حلول سحرية، خاصة الآن بعد حرب الطوفان، كما أنه قد بات من الواضح أن المسألة لم تعد محصورة في اختياراتنا الحرة كفلسطينيين، إنما هناك إسرائيل، بمعنى أن إسرائيل الآن هي التي تفرض إرادتها على واقع ومستقبل قطاع غزة، بل على واقع ومستقبل كل الفلسطينيين سواء في الضفة أو غرة، لكن غزة تحديدا تحاول إسرائيل أن تقرر لها مستقبلها، بعيدا عن إرادتنا كفلسطينيين، ولقد أعلن نتنياهو مرارا بأن غزة لن تعود مجددا إلى حضن السلطة الفلسطينية، ويعمل الآن على خلق جهة موالية لإسرائيل، قد تكون مؤقتة إلى أن يكتمل مخطط التهجير الذي يسميه زورا التهجير الطوعي بينما هو في الحقية ليس طوعيا على الإطلاق، فحينما يتم تحطيم كل مكونات الحياة من حولك وهذا ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة، ثم يقال لك أنك تمتلك حرية البقاء أو الهجرة! هذا كذب مطلق فالخيارات باتت محصورة في الهجرة أو البقاء في منطقة غير مؤهلة للبقاء. فهل هذا تهجير طوعي؟

الخوف الآن من أن يستطيع نتنياهو فرض مسألة التهجير، عندما يصبح حديثنا أو مقترحاتنا حول مستقبل غزة مجرد حبر على ورق، مع ذلك فإن نتنياهو ليس قدرا، ولا يزال بالإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه.


نقلًا عن صفحة نبيل أبو شرف الشخصية في فيسبوك




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية