جماعات الإسلام السياسي باعتبارها الابن الشرعي للثورة الإيرانية

جماعات الإسلام السياسي باعتبارها الابن الشرعي للثورة الإيرانية

مشاهدة

14/02/2019

ترجمة: محمد الدخاخني


قبل عودته إلى إيران ليُصبح المرشد الأعلى، أمضى آية الله الخمينيّ عدّة سنوات في المنفى في فرنسا، بما يتضمّن أربعة أشهر قضاها في قرية نوفل لوشاتو الّتي تقع على مقربة من باريس، فقط قبيل عودته في شباط (فبراير) 1979. وقد ترك انطباعات مُتضارِبة عند الفرنسيّين. فانزعج بعضهم ورأى فيه آخرون رمزاً للأمل.

سيكون 1979 العام الّذي يحقّق فيه الإسلام السّياسيّ نجاحه الأكبر، رّغم أنّ فكرة ربط الدّين بالسّياسة لم تكن جديدة

الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو، الّذي كان في ذلك الوقت مفكّراً مؤثّراً على السّاحة العالميّة، امتدح الخمينيّ باعتباره رجلاً يمتلك خططاً عظيمة: "ربّما كان هذا أوّل عصيان عظيم ضدّ النّظام السّياسيّ القائِم في العالَم بأسره: الشّكل الأكثر حداثةً للتّمرّد - والأكثر جنوناً".

وكان لتجنّب فوكو للميول الدّكتاتوريّة الخاصّة بالواعِظ المذكور أن يؤدّي إلى وصمه بالسّذاجة السّياسيّة. ومع ذلك، ثمّة شيء واحد ثبتت صحّته: لقد أطلقَ الخمينيّ ثورة ذات أهميّة عالميّة وليس أقلّ من ذلك، ثورة سيمتدّ تأثيرها إلى ما هو أبعد من إيران، إلى الدّول المجاورة ومنطقة الشّرق الأوسط بأكملها.

ولادة الإسلام السّياسيّ

اجتذب الإسلام الثّوريّ، في شكله الشّيعيّ المُغاير كما بشّر به الخمينيّ، فوراً العديد من الإيرانيّين. وكان الشّاه محمّد رضا بهلوي، المدعوم من الولايات المتّحدة والّذي أُطيح به في كانون الثاني (يناير) قبل بضعة أسابيع من عودة الخمينيّ، قد أدارَ البلاد بعنف سُلطويّ لمدة 40 عاماً.

لقد استثمر الشّاه حكمه في تحويل إيران إلى دولة على النّمط الغربيّ، وهو مشروع دفعه بلا رحمة إلى الأمام بصرف النّظر عن تقاليد البلاد أو معايير حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة

وفي نظر العديد من الإيرانيّين، دافع الخمينيّ عن نموذج مُجتمعيّ قائم على الضدّ تماماً، نموذج يسترشد بالمبادئ الدّينيّة، ويسترجع العدالة الاجتماعيّة، الّتي جلب غيابها معاناة للكثيرين.

وهكذا، سيكون 1979 العام الّذي يحقّق فيه الإسلام السّياسيّ نجاحه الأكبر، بالرّغم من أن فكرة ربط الدّين بالسّياسة لم تكن جديدة. فالواعِظ الشّيعيّ جمال الدّين الأفغانيّ (ولد عام 1838) كان من الرّوّاد البارزين لهذا الفِكر. ويُذكر أنّ الأفغانيّ قد تظاهر بالتّسنّن من أجل التّدريس في الأزهر السّنّيّ.

أدرك السّادات قوّة الإسلامويّة فسعى لتفاهم مشترك مع الإخوان وأفرج عن العديد منهم من السّجن، واتخذ بعد فترة موقفاً قويّاً ضدّ الإسلامويّين

وهنا كان أن دعا الأفغانيّ طلّابه إلى "ترك الّلامبالاة وراء ظهورهم" و"العيش في حرّيّة وسعادة مثل الشّعوب الأخرى - أو الموت على الشّهادة". وتلك كانت فكرة العصيان القائم على الدّين كما عرفها العالم.

استمرّ هذا المفهوم في التّطوّر - منذ عشرينيات القرن الماضي، وبشكل رئيس على يد جماعة الإخوان المسلمين السّنّيّة - ونضج بشكل كامل للدّخول إلى المسرح العالمي في عام 1979. وقد تشكّل عبر ثلاثة أحداث: ثورة الخمينيّ في إيران؛ حصار المسجد الحرام في مكّة عام 1979 في السّعوديّة، والّذي نفّذه مئات من الأصوليّين المسلمين السّنّة بقيادة جهيمان العتيبيّ؛ غزو الجيش الأحمر الرّوسيّ لأفغانستان، ممّا أدّى إلى ظهور حركة طالبان، بدعمٍ من الولايات المتّحدة. وكانت تلك ثلاثة أحداث انطوت على رسالة واحدة: الإسلام الرّاديكاليّ باعتباره حركة احتجاج سياسيّ أصبح الآن قوّة لا يُستهان بها.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

لقد قاد الخميني "الشكل الأكثر حداثة للتمرد" بحسب فوكو

وقد أدرك أنور السّادات، رئيس مصر من 1970 إلى 1981، أيضاً قوّة الإسلامويّة. فسعى لتفاهم مشترك مع الإخوان المسلمين وأفرج عن العديد من ممثّليها من السّجن. وبعد فترة وجيزة، مع ذلك، اتّخذ مرّة أخرى موقفاً قويّاً ضدّ الإسلامويّين الرّاديكاليّين.

وكان محمد شوقي الإسلامبوليّ من بين هؤلاء الّذين جرى اعتقالهم والتّنكيل بهم. وهكذا، انتهى شقيقه، خالد، إلى اغتيال السّادات في تشرين الأوّل (أكتوبر) 1981. وكان هذا العمل، من جهة، احتجاجاً على سياسة مصر التّصالحيّة مع إسرائيل، ومن جهة أخرى، انتقاماً لشقيقه.

مثّل الإسلام السّياسيّ ردّة فعل قويّة على وحشيّة الأنظمة العربيّة، العلمانيّة والدّينيّة. وقد اتّضح هذا في إيران مع سقوط الشّاه، واقتحام السّفارة الأمريكيّة، وما تبع ذلك من احتجاز دبلوماسيّين كرهائن - الاحتجاز الّذي امتدّ لأكثر من عام.

سعى الثّوار الشّيعة علناً إلى المواجهة مع الولايات المتّحدة. وتابع كثير من المسلمين عن كثب الأحداث في طهران، وكانوا متعاطفين مع القضيّة. وبدا نظام الملالي في طريقه ليُصبح الطّليعة الجديدة للعالم الإسلاميّ.

الرد بالسلفية

مثّل انتشار الإسلام السّياسيّ كابوساً بالنّسبة للسعودية.. التي رفضت الأجندة الاجتماعيّة-الثوّريّة الّتي أخذت تُهيمن على طهران. وجاء ردّها عبر التّأكيد على الدّين المُهيمن في البلاد، الوهابية المُحافِظة، كما لم يحدث من قبل.

وعلى مرّ السّنين، عَمِل رجال الدّين في السّعودية على إعادة إصدار القوانين الدّينيّة وتجديدها. والهدف: تركيز اهتمام المؤمنين على التّنفيذ الصّحيح للإيمان بحيث لا يملكون الوقت ولا الطّاقة للسّياسة - لا سيّما السّياسة الثّوريّة.

هذا النّموذج كان، وما يزال، ناجحاً: فقد وجدت التّعاليم السلفية أتباعاً في كافّة أنحاء العالم الإسلاميّ، حيث اتّخذت الغالبيّة العظمى من الأصوليّين السّنّة الطّريق السلفية...

أرضيّة خصبة للرّدكلة

منذ عام 1979، قام الإسلام الرّاديكاليّ، الشّيعيّ والسّنّيّ سواء بسواء، بسدّ الثّغرات حيث فشلت الحكومات العلمانيّة أو - كما هو الحال في العراق في عهد صدّام حسين أو في سوريا في عهد حافظ الأسد - انحدرت إلى أنظمة ديكتاتوريّة.

وبالنّسبة إلى معارضي هؤلاء القادة، بدا الإسلام السّياسيّ الطّريق الوحيدة الموثوقة لإصلاح الأوضاع السّياسيّة والاجتماعيّة. وهكذا اجتذب عدداً لا يُحصى من المسلمين - ولكن أولئك الّذين اختاروا هذه الطّريق كانوا أكثر عُرضة للرّدكلة.

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟

ولم يترك هذا المزيج الدّينيّ والسّياسيّ مجالاً كبيراً للأصوات المعتدلة، وسيؤدّي في نهاية المطاف إلى الهجمات الّتي وقعت في الولايات المتّحدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001. كذلك ستشتدّ النّزعة الجهاديّة أكثر بعد الغزو الّذي قادته الولايات المتّحدة للعراق عام 2003.

على مرّ السّنين، تطوّر نظام الملالي في طهران ..، وفي الوقت نفسه، بدأت جماعات جهاديّة جديدة مثل "الدّولة الإسلاميّة" (داعش) في الانخراط في ممارسات وحشيّة جديدة، لم نرها في المنطقة لفترة طويلة، ورّبما لم تحدث من قبل.


المصدر: كيرستين نيب، دويتشه فيله

الصفحة الرئيسية