
طالما شكّل البحث في منطلقات العنف لدى تيارات الإسلام السياسي مادة خصبة للدراسات الأمنية والفكرية، لما ينطوي عليه هذا الملف من ترابط وثيق بين صياغة الفكرة في العزلة وتطبيقها الدامي على أرض الواقع.
وفي هذا السياق المعرفي، صدرت حديثًا دراسة نشرتها المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف المصرية للكاتب والباحث المتخصص في شؤون الجماعات الأصولية عمرو فاروق، تحت عنوان "تيارات الإسلام الحركي وحتمية العمل المسلح".
تطرح دراسة فاروق تساؤلاً جوهرياً يمسّ فلسفة التطرف ذاتها: هل ينشأ الإرهاب من فراغ مفاجئ، أم أنّه يسلك متوالية هندسية تبدأ بفكرة مجردة، تتحول لاحقاً إلى أدبيات مقروءة، ثم تتجسد في تنظيمات سرية، لتنتهي في خاتمة المطاف بممارسات عنيفة وتفجيرات دموية؟
وتتبع الدراسة مسارات وجذور الأفكار الإيديولوجية التكفيرية، مبرهنة على أنّ الفكرة المشوهة قد تكون في كثير من الأحيان أخطر من السلاح ذاته، لكونها تؤسس للمسوغات الشرعية التي تبيح إراقة الدماء وتمنح الولاء للتنظيم على حساب المجتمع والدولة الوطنية.
التطرف الديني بين الفكر والتنظيم... المنطلق الهيكلي للعنف
تستهل الدراسة نقاشها بتفكيك العلاقة العضوية بين البنية الفكرية والعمل التنظيمي المسلح منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928م. ويؤكد الباحث أنّ العنف لم يكن يوماً طارئاً أو انحرافاً سلوكياً فردياً لدى بعض قواعد الجماعة، بل هو "تركة عنيفة" ونتاج لموروث إيديولوجي وتنظيمي عميق شكّل جوهر فكرتها التأسيسية، مهما حاولت القيادات التبرؤ منه علناً لدواعٍ تكتيكية.
وتتتبع الدراسة التطور الهيكلي لهذا العنف؛ بدءاً من "الجهاز الخاص" (التنظيم السري) الذي عاث اغتيالاً وتخريباً في أربعينيات القرن الماضي، مروراً بـ "لجان العمليات النوعية" التي دشنها التنظيم عقب سقوط حكمه بعد عام 2013م، وصولاً إلى الحركات الإرهابية المسلحة المعاصرة مثل "حسم"، و"لواء الثورة"، وحركة "ميدان".
هذا التسلسل التاريخي يثبت أنّ العنف يمثل التعبير العملي الوحيد والمحتم لعقيدة "التمكين" الإخوانية، وأنّ البنية التنظيمية للجماعة مصممة بالأساس لإنتاج الصدام بمجرد اصطدام مشروعاتها السياسية بالرفض الشعبي والمؤسساتي للدولة الوطنية.
حسن البنا وعقيدة "إعداد القوة"... الممر الأوّل للدم
تعيد دراسة وزارة الأوقاف قراءة رسائل المؤسس حسن البنا برؤية نقدية كاشفة، لتثبت أنّ لاهوت العنف قد أُرسيت قواعده بوضوح قبل كتابات سيد قطب بفترة طويلة. فقد حفلت رسائل البنا بإشارات صريحة وتأصيلية لحتمية الصدام والعمل المسلح، معتبراً أنّ "إعداد القوة" المادية والبدنية والعسكرية هو الركن الأساسي والسبيل الوحيد للوصول إلى أهداف الجماعة.
وتستشهد الدراسة بما خطّه البنا في "رسالة المؤتمر الخامس" حين قال علناً إنّ الإخوان سيعدون أنفسهم إعداداً كاملاً لأداء واجب الجهاد وفرض القتال، وهي التنظيرات التي لم تلبث أن تُرجمت ميدانياً في أربعينيات القرن العشرين من خلال عمليات اغتيال سياسي كبرى استهدفت رموز القضاء والدولة، مثل القاضي أحمد الخازندار، ورئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي، وتفجير محكمة استئناف القاهرة. إنّ هذا الربط الوثيق بين النص التأسيسي للبنا والممارسة الإجرامية للتنظيم الخاص يقطع الطريق أمام محاولات الجماعة المستمرة للترويج لفريّة "سلمية التأسيس" وتبرئة المرشد الأول من دماء ضحايا الاغتيالات.
من "المعالم" إلى خلايا التكفير... تفريخ أجيال الإرهاب المعاصر
تنتقل الدراسة إلى مرحلة التحول الكبرى في فكر تيارات الإسلام الحركي، التي صاغها المُنظّر القطبي سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق". فقد عملت أفكار قطب حول "الحاكمية لله" وتكفير المجتمعات الحديثة بدعوى وقوعها في "الجاهلية المعاصرة" على نقل العنف من مجرد عمليات اغتيال سياسي محدودة إلى استراتيجية صدام شاملة تشرعن تكفير الحاكم والمجتمع ومؤسسات الدولة وتدعو إلى الانفصال عنها شعورياً وعملياً.
وتثبت الدراسة بالدليل القاطع أنّ موروث البنا وقطب الفكري شكّل البنية التحتية والمنطلق العقائدي لكافة تنظيمات العنف المسلح التي ولدت من رحم الإخوان على مدار التاريخ المعاصر. فمن تنظيم "التكفير والهجرة"، إلى "الجماعة الإسلامية"، و"تنظيمات الجهاد"، و"طلائع الفتح"، وصولاً إلى التنظيمات الدولية الأكثر دموية مثل "القاعدة" وتنظيم "داعش"، يظهر خيط فكري رفيع ورابط يربط بين جميع هذه الشبكات الإرهابية.
هذا الخيط يكمن في تبنّي المرجعية التكفيرية نفسها والاعتقاد بحتمية العمل المسلح لفرض "أسلمة المجتمعات" بالقوة، وتحويل الإسلام كعقيدة روحية جامعة إلى إيديولوجيا سياسية وصيغة تنظيمية شمولية تستهدف إسقاط الدولة الوطنية.
عقم "الأممية الأصولية" ومأزق "العزلة الشعورية"
تطرح دراسة عمرو فاروق تحليلاً عميقاً لكيفية استخدام الجماعات الأصولية لمفهوم "العزلة الشعورية" و"حتمية العمل التنظيمي" كأدوات أساسية للاستقطاب والتجنيد. فالانتماء إلى الكيان التنظيمي يُفرض كشرط إيماني بديل، حيث يتم إقناع العضو الجديد بأنّ دخوله التنظيم هو تبرؤ من "جاهلية المجتمع" وتخلٍّ عن عاداته وقوانينه ومؤسساته التي يُنظر إليها ككيانات طاغوتية تحكم بغير ما أنزل الله.
هذه العزلة النفسية والذهنية الممنهجة تمهد الطريق لتفتيت ولاء العضو لوطنه ومجتمعه، وإحلال الولاء المطلق لـ "أمير الجماعة" أو "المرشد" بدلاً منه، ممّا يؤسس لمفهوم "الدولة الموازية" داخل الدولة الوطنية. وترى الدراسة أنّ هذا المنهج الحركي يصطدم بنيوياً وحتمياً مع مفهوم الدولة القومية الحديثة؛ إذ ترفض أدبيات الإسلام الحركي فكرة السيادة الشعبية والحدود الجغرافية والترابط الوطني، وتسعى لإحلال مشاريع وهمية عابرة للحدود مثل "الأممية الأصولية" ومظلة الخلافة الشمولية، ممّا يجعل الصدام العنيف والمسلح مع الدولة الوطنية نتيجة حتمية لا مفر منها لبقاء التنظيم وفكرته.
الوعي الفكري والتحصين المجتمعي
تخلص الدراسة المنشورة على منصة وزارة الأوقاف المصرية إلى أنّ مواجهة الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تقتصر على المقاربات الأمنية والعسكرية، بل تتطلب بالأساس معركة وعي فكري شاملة تفكك الأدبيات التي تفرخ هذه الأجيال المتطرفة. إنّ إظهار حقيقة تزييف تيارات الإسلام الحركي للنصوص الشرعية وتوظيفها لخدمة مآرب تنظيمية وسلطوية ضيقة هو السبيل الأوحد لاستعادة جوهر "الإسلام الوسطي" المتسامح وحماية الشباب من السقوط في فخاخ التنظيمات السرية.
وتثبت الدراسة مجدداً أنّ التحصين المجتمعي يبدأ من تفكيك المناهج الفكرية للبنا وقطب وكشف ترابطها العضوي مع وحشية "القاعدة وداعش"، ليكون المجتمع والدولة الوطنية يداً واحدة في صون الهوية والثقافة الوسطية المعتدلة، وقطع الطريق تماماً أمام دعاة العنف والظلام الذين يسعون دوماً لإحراق الأوطان تحت لافتات وشعارات دينية كاذبة تبرر حتمية السلاح والدم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A6_0.jpg.webp?itok=TYlXPcoT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A8_0_0.png.webp?itok=JmXKBBAU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_0.jpeg.webp?itok=pOj_zz6V)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%AA%D9%8A_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=BPVEcBqw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A5%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D9%8A%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D9%88%D9%86%20%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%20%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%82%D8%B9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=A9BdK_zM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_3_0.png.webp?itok=sijJxjhz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0_0.jpg.webp?itok=Ch-mrl3u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_24_0_0_0.jpg.webp?itok=_8GVUFtm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1591977953393945200_0_0_0_0.jpg.webp?itok=wJPMbiER)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%86_19_0_0_0_0.jpg.webp?itok=_tJT6dEv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_5_0_3.jpg.webp?itok=3aAe4Gpw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31_0.png.webp?itok=aWbKcAYD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4%20_0_0.jpg.webp?itok=uoeFySPp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_10_0.jpg.webp?itok=6-BCnQiw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_3.jpg.webp?itok=ZtcTiEs_)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2_0.png.webp?itok=M3unTI3i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_10_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=gq1aLNFF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_22_4_0.jpg.webp?itok=MvMKGF4p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1_0_0.jpg.webp?itok=0mP0eL9Q)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_3_0.jpg.webp?itok=9i6zbI2S)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_3.jpg.webp?itok=pHqrfLPb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HZqzmEM3wHkpGDbaSRAGBBQMhEa0hdlTTItgQp3YQ8vkDfD4RYKg23G5l2fLOzSA03MFwoRi3ZXf323e4nL3cGcgCtJZ1paZeCO0deQan3C9vbLdqv33J12rlbMXyvhrmx35wvn3PVmnqlgOasmOg-uxIOD0Ui5L3ldmqsEmQOVOc-DELTto2MSMQ5fvj8mD%20%281%29.jpg.webp?itok=wQ_c7z8P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
