تونس: ماذا يعني إيقاف نائب رئيس حركة النهضة نور الدين البحيري؟

تونس: ماذا يعني إيقاف نائب رئيس حركة النهضة نور الدين البحيري؟


04/01/2022

دفع إعلان وزارة الداخلية التونسيّة، عن إيقاف نور الدين البحيري، نائب رئيس حركة النهضة الإخوانيّة، يوم الجمعة الماضي، بالعديد من التوقعات حول مصير راشد الغنوشي، وقيادات حركة النهضة، وذلك على خلفية الاتهامات الموجهة إليهم بالفساد السياسي، واختراق القضاء، والتمويلات الأجنبية، وكذا قضايا الاغتيالات والتسفير نحو بؤر التوتر، ومسارح العمليات العسكرية، لا سيما  في سوريا وليبيا.

أجهزة  الأمن التونسيّة اعتقلت نائب رئيس حركة النهضة، نور الدين البحيري، بعد اتهامات طاولته، تتصل بتجاوزات وقضايا عدة، عندما كان يتولى حقيبة وزارة العدل، بين عامي 2011 و2013، وذلك بحسب وسائل إعلام تونسيّة.

أثار قرار إيقاف البحيري، موجات متضاربة من الآراء؛ فقد ذهب البعض نحو السؤال عن تأخر ذلك، منذ القرارت الدستورية للرئيس التونسي في 25 تموز(يوليو) العام الماضي؛ حيث كانت اللحظة مواتية ومثالية؛ لحلحلة حركة النهضة، في ظل رفض الشارع لها، وتحميل قياداتها المسؤولية عن الأوضاع المتردية للبلاد، اقتصادياً وسياسياً، مع ضرورة تسريع ملف المحاسبة، لا سيما ما يخص قضايا الاغتيالات والتمويلات الأجنبية، وتحديداً بعد تصريحات الرئيس التونسي، وعلمه بخطط دبرت لاغتياله.

وبحسب مراقبين، فإنّ هناك ضرورة للعمل بتواز بين هذه الملفات الأمنية المهمة والمؤثرة، من ناحية، وبين الإصلاح السياسي، بشكل واضح ومحدد، من ناحية أخرى، عبر جدول زمني معلوم.

 

المبروك كرشيد: قرار الإقامة الجبرية الخاص بنور الدين البحيري، هو قرار إداري يصدره وزير الداخليّة؛ لدواع أمنية، بناء على ما لديه من معطيات

 

ءمن جانبه، يشدد المبروك كرشيد، الوزير السابق، ورئيس حزب الراية الوطنيّة، على ضرورة أن تكون هناك مسائلة جادة وقانونية، عن كافة الجرائم العديدة المرتبطة بحركة النهضة، لافتاً في حديثه لـ"حفريات"، إلى أنّ قرار الإقامة الجبرية الخاص بنور الدين البحيري، هو "قرار إداري يصدره وزير الداخليّة؛ لدواع أمنية، بناء على ما لديه من معطيات، وهو قرار له سمعة سيئة فى تونس؛ لاصطدامه أو بالأحرى عدم توافقه مع منظومة الحقوق والحريات".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: "جريمة" في مقر النهضة وتحريض في المغرب وتواطؤ في اليمن

يتابع الوزير السابق: "إنّ هذا الإطار القانوني، سيجعل الكثير من المتابعين ينتقدون القرار؛ بسبب المطالب الأخرى الجادة، التي ترى أنّ الأولوية هي أن تفتح ملفات التسفير والاغتيالات، والجرائم المرتبطة بحركة النهضة، بديلاً عن قرارات الإيقاف".

ويخشى كرشيد أن يتحول قرار إيقاف البحيري، إلى حصان طروادة، الذي تستعمله حركة النهضة للإفلات من العقاب، خاصّة أنّ الرئيس قيس سعيد، نجح فى جمع الخصوم، بعدما تأخر كثيراً في فتح الملفات القضائيّة الخاصّة بالنهضة.

 

ناصر التليلي: البحيري رجل ديماغوغي، يعتمد الخطاب الزئبقي؛ لمواجهة الحقائق المنطقية، وللتخلص من خصومه يرتدي قفازات الحرير لخنقهم

 

 وبسؤاله حول نية الرئيس قيس سعيد، اتخاذ إجراءات أكثر حسماً تجاه النهضة، يرى الوزير السابق أنّ الرئيس مايزال بعيداً عن أن يتخذ قراراً بحل حركة النهضة؛ لأنّه فوّت الفرصة بعد إجراءات 25 تموز (يوليو) الماضي، عندما كانت حركة النهضة متوقفة تماماً عن ممارسة أيّ نشاط، ومنهارة من الداخل.

ويختتم كرشيد تصريحاته قائلاً: "النهضة لم تعد تلك الحركة القادرة على رد الفعل العنيف؛ لأنّها ترهلت، ولم يعد منتسبوها على نفس العقيدة".

نور الدين البحيري.. الرجل الأخطر في الحركة

الكاتب السياسي التونسي، ناصر التليلي، يصف تصرف الجهات المعنيّة أثناء اعتقال نور الدين البحيري، بأنّه "أسلوب مباغت، وغير تقليدي"، مضيفاً أنّ العناصر الأمنية تدرك مدى خطورة "المايسترو نور الدين البحيري، باعتباره دينامو الحزب، وقلب النواة الصلبة لتنظيم حركة النهضة الإخوانيّة".

اقرأ أيضاً: حركة النهضة في اختبار "الحياة أو الموت" في تونس: الانتخابات أو الشارع

يتابع التليلي حديثه لـ"حفريات" بقوله إنّ "نور الدين البحيري رجل (ديماغوجي) يعتمد الخطاب الزئبقي؛ لمواجهة الحقائق المنطقية، وللتخلص من خصومه يرتدي قفازات الحرير لخنقهم".

حركة النهضة التي تحاورت مع نظام زين العابدين بن علي، في لقاء شهير بمدينة سوسة، مثّلها في ذلك الوقت القيادي، حمادي الجبالي، برعاية السفير الأمريكي، وكان نور الدين البحيري، في تلك الحقبة عنصراً محورياً في ترتيب وربط الخيوط، وعنصراً مهماً يشكل  قلب الرحى للتنظيم السري، وهذا يقودنا إلى أهمية ما يختزنه البحيري من معلومات خطيرة، وخصوصاً في عملية التمكين واختراق أجهزة الدولة الوطنية الحساسة؛ كوزارة الداخلية، والجيش، والحرس الوطني، إلى جانب وزارة التكنولوجيا والاتصالات، وبالتالي كافة الوزارات، والمجالس البلدية، وكذا المهربين ومافيات الفساد، حيث تمكنت النهضة من بث عناصرها في كافة المناحي والمكامن، للسيطرة على البلاد".

 

هدى نقّض: قضية الجهاز السري لحركة النهضة، هي قضية القرن بالنسبة لتونس، بل إنّ عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد مرهونة بذلك

 

 ويرى الباحث التونسي في الشؤون الاستراتيجية، أهمية قراءة إيقاف نور الدين البحيري، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، من خلال ملف الاغتيالات للسياسيين المعارضين لحكم النهضة: الشهيد شكري بلعيد، والشهيد محمد البراهمي، وشهداء الأمن الرئاسي، وشهداء الجيش، والأمن، والحرس الوطني، في سلسلة من العمليات الإرهابية، وكلها كان نظمها عقل واحد، وأثبتت كل الدلائل، وبشكل واضح، أنّها كانت لمصلحة سيطرة  حزب النهضة على تونس. ولعل إعادة فتح ملف الشهيد لطفي نقّض، الذي دفن ملفه في أروقة القضاء؛ بضغط من وزير العدل حينها نور الدين البحيري، لهو أكبر دليل على أنّ مسار كشف الحقائق يسير بخطى ثابتة وقوية؛ لمحاسبة كل المتورطين في الجرائم التي اقترفها تنظيم حركة النهضة، ومن تحالف معها.

ملف الاغتيالات يدين حركة النهضة

في حديثها لـ"حفريات" تقول هدى نقّض، أرملة الشهيد لطفي نقّض، الذي قتل علي يد الإخوان في تونس، أنّ إيقاف نورالدين البحيري، كان أمراً حتميّاً؛ خاصّة أنّه أثناء توليه وزارة العدل أقال قضاة شرفاء، وهدد آخرين بملفات ملفقة؛ ليساعده ذلك على إدارة بعض القضايا الكبرى، وخاصّة أحكام الاغتيالات، وكذا الأحكام التي صدرت في العام 2016، والتي أهدرت حق الشهيد لطفي نقّض، بعدم سماع الدعوى، ما يمثل دليلاً قاطعاً على قدرة النهضة، آنذاك، على تطويع مؤسسة القضاء لصالحها، رغم كل الأدلة والبراهين المرفقة بالملف، وهو ما جرى في ملف الشهيدين شكري بالعيد، والبراهمي.

وتضيف: "لذلك فنحن أبناء تونس الحرة، أصحاب حقوق الشهداء، نريد أن تكتحل أعيننا بمحاكمات جديّة وعادلة، خاصّة بعدما كشفت هيئة الدفاع عن الشهيدين، شكري بلعيد، ومحمد البراهمي، أخطبوط الجهاز السري لحركة النهضة وأعوانها".

وتختتم أرملة الشهيد لطفي نقّض، تصريحاتها لـ"حفريات"، بالتأكيد على أنّ قضية الجهاز السري لحركة النهضة، هي قضية القرن بالنسبة لتونس، بل إنّ عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد مرهونة بذلك.

نور الدين البحيري وملف استقلال القضاء

 شكّل إيقاف نائب رئيس حركة النهضة؛ نورالدين البحيري، المحامي ووزير العدل في حكومة الترويكا (ائتلاف حكومي ضم حركة النهضة الإخوانية مع حزبي التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والمؤتمر من أجل الجمهورية) برئاسة الأمين العام لحركة النهضة آنذاك، حمادي الجبالي (كانون الأول/ ديسمبر 2011 إلى آذار/مارس 2013) والوزير لدى رئيس الحكومة علي العريض (آذار/مارس 2013 إلى كانون الثاني/يناير 2014) في تقدير الكاتب الصحفي التونسي، نور الدين بالطيب، حدثاً هز الشارع التونسي، لافتاً إلى أنّ قرار إيقاف البحيري، جاء مرتبطاً كذلك مع إيقاف فتحي بلدي، القيادي بالنهضة، والذي عمل كمستشار في وزارة الداخلية، زمن علي العريض، الأمين العام لحركة  النهضة.

 

نور الدين بالطيب: قرار إيقاف البحيري، جاء مرتبطاً كذلك مع إيقاف فتحي بلدي، القيادي بالنهضة، والذي عمل مستشاراً في وزارة الداخلية، زمن علي العريض، الأمين العام لحركة النهضة

 

وأشار بالطيب، في حديثه لـ"حفريات" إلى أنّ ما حدث ليلة نهاية السنة، بعد عشر سنوات من حكم الإخوان في تونس، كان أمراً غير متوقع؛ إذ إنّ نورالدين البحيري، كان أكبر شخصيّة مؤثرة في المسار السياسي في تونس، من خلال تحكمه بشكل شبه كامل في منظومة القضاء؛ إذ كان أول من أسّس لسابقة لم يعرفها تاريخ البلاد، عندما فصل أكثر من ثلاثين قاضياً تونسياً من وظائفهم، دون محاسبة ولا عرض على المجلس الأعلى للقضاء، ولا على مجلس التأديب في وزارة العدل، عندما كان وزيراً، وهو ما اعتبرته أغلب المنظمات الحقوقية محاولة لوضع يد حركة النهضةعلى القضاء، وقد نجح أغلب القضاة المفصولين في استرداد حقوقهم في المحكمة الإدارية. 

يوصف البحيري بأنّه "العقل المدبر للنهضة" فله قدرته على التآمر وبناء التحالفات، والإيقاع به هو في الحقيقة إيقاع بالصندوق الأسود لحركة الإخوان في تونس، لكنّه قبل ذلك رسالة واضحة إلى القضاة؛ فخلال عشر سنوات تحكم البحيري بشكل شبه كامل في الجسم القضائي، إلى حد دفع عديد الناشطين إلى اتهام القضاء التونسي بأنّه قضاء نورالدين البحيري.

اقرأ أيضاً: سجين سياسي سابق يشعل النار في جسده وفي مقرّ النهضة.. ما الأسباب؟

وبعد عشر سنوات، لم تكن حركة النهضة الإخوانية تتصور، وهي التي عبثت بالبلاد، ونكلت بخصومها، أن تصبح محل تتبع، وهي التي تحكم البلاد منذ عشر سنوات، وصاغت كل القوانين، بما في ذلك الدستور، على مقاسها الخاص؛ لتقطع الطريق نهائياً على أمل بناء الدولة الوطنية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية