تونس: أخطاء فاحشة أصابت "النهضة" في مقتل

تونس: أخطاء فاحشة أصابت "النهضة" في مقتل

مشاهدة

29/09/2021

تؤكد مستجدات الأحداث في تونس ونتائج سبر الآراء، والدعم الكبير للرئيس التونسي، قيس سعيّد، أنّ حركة النّهضة الإسلامية فشلت أولاً في أخونة المجتمع، وفي كسب ثقته، خاصّةً في حكم البلاد؛ حيث أخفقت مراراً في الحفاظ على حكوماتها، التي سقطت واحدة تلو الأخرى، إما بمطالب شعبية أو لاختلافات سياسية.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يعلق على استقالات النهضة .. ماذا قال؟

وعلى امتداد عقد من الزمن لم تنجح الحكومات المتتالية على قيادة الحركة سوى في إشعال الحرائق السياسية وافتعال الأزمات الداخلية، ونشر الإرهاب، ورفع معدلات البطالة والفقر، من أجل صرف أنظار الشعب التونسي عن الفشل الحكومي الذي رافق حكمها وانتهى بإفلاس البلاد اقتصادياً وتدهور أوضاع الاجتماعية فضلاً عن دخولها أزمة سياسية غير مسبوقة في تاريخها.

وفشلت الحركة الإسلامية التي ادّعت تخليها عن الغطاء الديني في نشاطها، في معالجة الملفات الاقتصادية العالقة، منذ ثورة يناير 2011، بعد استحواذها على المشهد السياسي، وسيطرتها على كلّ مفاصل الدولة، عبر دمج ما يقارب من 130 ألف موظف في الدوائر الحكومية، وهي تهم توجهها المعارضة للحركة الإسلامية في دعوة لتطهير الإدارة التونسية، التي تحمّلت ثقل التعيينات العشوائية ما أثّر كثيراً في مردودها.

متورطة في الإرهاب

وتتهم أحزاب معارضة الحركة بربط علاقات مع لوبيات الفساد، ما أثر في الوضع الاقتصادي بضلوعها في ملفات الإرهاب، بدءاً باغتيال الشهيدين اليساريين، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وصولاً إلى تسفير الشباب إلى بؤر التوتر مثل سوريا وليبيا، وتحريك الخلايا النائمة للسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، وبناء طبقة سياسية تدين لها بالولاء.

وتتنصل الحركة من مسؤوليتها في إفلاس الفعل السياسي، عبر تحميل المسؤولية لخصومها أو حلفائها، مع سقوط كلّ حكومة أو مع اقتراب أيّ استحقاق انتخابي، لإخماد أصوات التونسيين الذين لم تتحسن أوضاعهم المعيشية، إلى حدود إعلان قيس سعيّد قرارات 25 تموز (يوليو)، التي قلصت دور الحركة سياسياً وأنهت وجودها السياسي، في الوقت الذي كان من المفترض أن تقدم فيه مقترحات عملية وسياسية للخروج من الأزمة التي تعيشها تونس.

اقرأ أيضاً: الغنوشي... الدرويش والسلطة

ويرى محمد ذويب، المحلل السياسي والكاتب الصحفي؛ أنّ حركة النهضة فشلت في الحكم لعدة اعتبارات؛ أهمها غياب برنامج وتصور واضح للحكم، حيث إنّ أغلب قيادات الحركة كانوا، قبل 2011، سجناء سياسيين بلا خبرات سياسية أو إدارية أو تقنية لإدارة دواليب الحكم، فجأة وجدوا أنفسهم وزراء ومستشارين وكتّاب دولة، وارتكبوا حماقات وجرائم سياسية في حقّ الوطن والشعب والثورة؛ ففي عهدها تراخت الدولة وتحولت إلى مرتع للإرهابيين والمهربين ومبيضي الأموال، الذين أصبحوا أقوى من الدولة، بسبب غضّ حركة النهضة الطرف عنهم واقتسامها معهم الغنيمة، وهو ما سهّل انتشار التهريب والإرهاب والخيم الدعوية والعصابات السلفية، وفقدت الدولة هيبتها وتحوّلت إلى مجرد جثة لا تستطيع أن تتحكم أو تمارس سلطتها.

في عهد "النهضة" تراخت الدولة وتحولت إلى مرتع للإرهابيين والمهربين ومبيضي الأموال، الذين أصبحوا أقوى من الدولة، بسبب غضّ الحركة الطرف عنهم واقتسامها معهم الغنيمة

وأشار ذويب إلى أنّ الحركة، منذ وصولها إلى السلطة، تبنّت خطاباً غير متزن وعنيف، قائم على التكفير وتقسيم التونسيين ووسم خصومها بأبشع النعوت، وقد استعملت في ذلك آلاف الصفحات على فيسبوك، كما سعت قياداتها إلى تعيين المقربين منهم في كلّ المناصب وتوزيع الهبات والعطايا والرخص على حساب مئات الآلاف من المفقرين والمعطلين والفئات الهشة التي شاركت أغلبها في الثورة.

جهاز سرّي عنيف

وكان القيادي السابق والمستقيل من حركة النهضة، عبد الحميد الجلاصي، قد اعترف في وسائل إعلام محلية بمسؤوليته عن "عملية باب سويقة"؛ التي ذهب ضحيتها مواطنان تونسيان توفّيا حرقاً، وجُرح آخرون.

 وقال الجلاصي في تصريحاته: "كنت قياديّاً مؤثراًّ في حركة النهضة، وعندي مسؤولية سياسية وأخلاقية (عن العملية)، أعترف بذلك وأعتذر للناس، وقيادة النهضة يجب أن تعترف بذلك وتعتذر للمناضلين وعائلاتهم وللتونسيين".

اعتراف أحرج حركة النهضة، التي يتهمها خصومها دائماً باستعمالها للعنف وارتكابها لعمليات حرق وتفجير وتشكيل تنظيم مسلّح، خصوصاً أنّ النهضة ترى أنّ خصومها يعملون على تشويهها وتلطيخ سمعتها لدى التونسيين، وأنّ لا علاقة لها بالعنف من قريب أو من بعيد.

كما اعترف منفّذ عملية باب سويقة والعضو السابق في حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً) كريم عبد السلام بأنّه كان وراء مقترح استهداف لجنة تنسيق التجمع الدستوري الديمقراطي بباب سويقة، سنة 1991، وأنّه خطط للعملية بمشاركة قياديين في الحركة الإسلامية، أمثال: منجي الرعاش، وعماد المغيربي، والهادي السعيدي، ومصطفى حسين.

اقرأ أيضاً: حركة "النهضة" تختنق: هل انتهى الغنوشي سياسياً؟

وقد كانت قيادة الحركة، بحسب اعترافات عبد السلام، على علم بهذه العملية وغيرها من العمليات المسلّحة والعنيفة على غرار افتكاك أسلحة لأمنيين والاعتداء على مواطنين بمادة ماء الفرق في كلّ من جندوبة والكرم.

وتفجّرت قضية الجهاز السري لحركة النهضة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، عندما كشف فريق هيئة الدفاع في ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وجود وثائق وأدلة تفيد بامتلاك النهضة لجهاز سرّي أمني موازٍ للدولة، متورط في اغتيال المعارضين، وفي ممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة وملاحقة خصوم حزب حركة النهضة.

وبحسب فريق الدفاع عن الشهيدَين؛ فإنّ الوثائق تتضمن مكالمات هاتفية ومراسلات بين المتهم الرئيس في اغتيال بلعيد والبراهمي، مصطفى خضر، المحكوم عليه بالسجن ثماني سنوات، ووزيرَي العدل والداخلية، في ذلك الوقت، نور الدين البحيري وعلي العريض، والقياديَّين في حركة النهضة.

توافقات مغشوشة

 والملاحظ في تونس أنّ جميع تحالفات حركة النهضة السياسية انتهت بتشتت حلفائها، سواء سياسيون مستقلون أو أحزاب، بدءاً بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي يقوده الرئيس السابق المنصف المرزوقي وحزب التكتل من أجل العمل والحريات، وصولاً إلى حزب نداء تونس، والذين تلاحقهم اتهامات بالفساد أو بالاستفادة من النظام السابق، كتحالفها سابقاً مع الرئيس الراحل الباجي القايد السبسي، المحسوب على النظام القديم، وتحالفها الأخير مع نبيل القروي، المتهم بتبييض الأموال وقضايا فساد.

الناشط السياسي اليساري، عبيد البريكي، لـ "حفريات": ما وصلت إليه البلاد، بعد عقد من حكم النهضة، يعود أساساً إلى طبيعة الإسلام السياسي، فهي ليست حركة مدنية كما تروّج

وكانت حركة النهضة قد تعمدت دعم رئيس الحكومة الأسبق، يوسف الشاهد، في مواجهة الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، واستطاعت إشعال نار الفتنة بين الرجلين، وهو ما تسبب في سقوط حزب النداء وانقسامه إلى عدة أحزاب، لتحمّلهم في النهاية مسؤولية الأزمة التي مرت بها البلاد في تلك الفترة، وهي السياسة المتبعة في كل مرة.

في هذا السياق، يقول  المحلل السياسي، عبد الجبار المدوري،  في تصريحه لـ "حفريات ": إنّ التحالفات المغشوشة التي عقدتها حركة النهضة طيلة عقد من الحكم بعد الثورة في تونس، كانت جميعها تصبّ في قدر خدمة مصالحها السياسية في إطار حرب الزعامات مع خصومها، فتلوّنت مثل الحرباء من أجل مسايرة الأوضاع والظروف السياسية التي عاشتها البلاد.

المحلل السياسي عبد الجبار المدوري: إنّ التحالفات المغشوشة التي عقدتها حركة النهضة طيلة عقد من الحكم بعد الثورة في تونس، كانت جميعها تصبّ في قدر خدمة مصالحها السياسية

ويضيف المدوري: قيادات النهضة ونوابها الذين رفضوا تمرير قانون تجريم التطبيع وعارضوا إنجاز المحكمة الدستورية، في المقابل مرّروا قانون المصالحة مع رموز نظام بن علي، وهو ما مثّل خطوة إلى الوراء، وكان له انعكاس وخيّم على سمعة الدولة التونسية ومصداقية عملية الانتقال الديمقراطي.

الغنوشي زعيم مدى الحياة

من أخطاء النّهضة التي عجّلت بسقوطها من الداخل، ترأس راشد الغنوشي لها منذ منذ تأسيسها، عام 1972، تحت اسم  الجماعة الإسلامية، وحتى الآن.

وفي ردّه على رسالة موقّعة من قياديين في حركة النهضة لمطالبته بعدم الترشح لرئاسة الحركة، قال راشد الغنوشي؛ إنّه زعيم من فئة نادرة، وهو ضمن "زعماء جلودهم خشنة، يتحملون الصدمات، ويستوعبون تقلبات الزمان، ويقاومون عامل التهرئة".

وكان مئة قيادي في حركة النهضة، قد توجهوا، في منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي، من بينهم:  وزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي، وسمير ديلو، ونور الدين العرباوي، وآمال عزوز، وفتحي العيّادي، وآخرون، برسالة إلى راشد الغنوشي لمطالبته بالتعهد باحترام النظام الداخلي للحركة، وعدم الترشح لرئاسة جديدة، خلال المؤتمر المؤجل منذ زمن.

اقرأ أيضاً: قرارات جديدة للرئيس قيس سعيد.. والغنوشي يرد

وخلال الأسبوع الحالي، قدم 113 عضواً في النهضة، بينهم قيادات مركزية وجهوية وأعضاء بمجلس الشورى وأعضاء بالبرلمان المجمدة عضويته، استقالتهم، احتجاجاً على ما وصفوه بـ "الإخفاق في معركة الإصلاح الداخلي للحزب"، حسبما جاء في بيان، وأرجعوا قرارهم إلى "الخيارات السياسية الخاطئة لقيادتهم"، ما أدّى، بحسبهم، إلى "عزلة (الحركة) وعدم نجاحها في مقاومة الخطر الاستبدادي الداهم" للتدابير الاستثنائية الجديدة التي أعلنها، الأربعاء، الرئيس التونسي قيس سعيّد.

 رعاية مصالح إقليمية

حركة النهضة، التي تعاملت مع الحكم على أساس تقسيم الكعكة، معتمدة في ذلك على ما تتيحه المنظومة السياسية والانتخابية لها، باعتبارها الحزب الأكثر حضوراً في البرلمان، حاولت دائماً ضمان الصورة الحكومية التي تؤمن مصالحها، وتحقق طموحاتها السياسية والأيديولوجية، وترضي حلفاءها الإستراتيجيين في المنطقة، الذين يمولون ويوفرون لها الغطاء الإعلامي والسياسي، ويعملون على ممارسة شتى أنواع الضغوط لتحقيق مصالحهم.

في هذا الخصوص، يقول ذويب؛ إنّ حركة النهضة، منذ 2011، سعت إلى إرضاء الخارج وتحقيق مآربه، وتخندقت في حلف قطر وتركيا وأمريكا، وفرضت على تونس التواجد في سياسة محاور إقليمية لا طاقة لها بمقاومتها، ودخلت في معارك مع دول شقيقة وصديقة، على غرار سوريا والجزائر، أما داخلياً؛ فيرى ذويب أنّ الحركة، عوض محاسبة رجال الأعمال والمجرمين في حق الشعب، تحالفت معهم في عمليات ابتزاز ومساومة وتحالفات مشبوهة على حساب عامة الشعب.

كلّ هذه الأخطاء القاتلة والجرائم المرتكبة في حقّ الشعب خلقت، في نظر ذويب، رأياً عاماً وطنياً مناوئاً لهذا الحزب، سرعان ما ساهم في التقليص من شعبيته، ثم الإجهاز عليه نهائياً".

من جهته، قال الناشط السياسي اليساري، عبيد البريكي، في تصريحه لـ "حفريات" إنّ "ما وصلت إليه البلاد، بعد عقد من حكم النهضة، يعود أساساً إلى طبيعة الإسلام السياسي، باعتبارها ليست حركة مدنية كما تروّج لذلك، فهي لا تحمل أيّ تصوّر واضح للحكم  بقدر تفجير الخلافات الداخلية والصراعات، مضيفاً أنّ نهاية الحركة لن تختلف عن نهاية حليفها السابق نداء تونس.

ويضيف البريكي: "النهضة أخطأت حين تعاملت مع الحكم بالمفهوم الغنائمي ورسكلة المنظومة السابقة، خدمةً لمشروع حلفائها الإقليميين في المنطقة"، مشيراً إلى أنّ النهضة رفعت شعاراً واحداً في السنوات العشر بعد الثورة، وهو أنّه لا مبادئ في التحالفات من أجل الاستمرار في الحكم، وتحقيق أهداف داعميها السياسيين.



الصفحة الرئيسية