تزييف الوعي والسطو على التاريخ: دراسة تفند مغالطات الإخوان المسلمين حول ثورة 23 تمّوز (يوليو) 1952

تزييف الوعي والسطو على التاريخ: دراسة تفند مغالطات الإخوان المسلمين حول ثورة 23 تمّوز (يوليو) 1952

تزييف الوعي والسطو على التاريخ: دراسة تفند مغالطات الإخوان المسلمين حول ثورة 23 تمّوز (يوليو) 1952


02/08/2026

لم يكن التاريخ يوماً مجرد سرد للأحداث الماضية، بل كان دوماً ساحة للصراع على الشرعية ومحاولة لتوجيه الحاضر ورسم معالم المستقبل، وتُعدّ علاقة جماعة الإخوان المسلمين بثورة 23 يوليو 1952 في مصر واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل والتشويه في التاريخ العربي المعاصر. فبين الحقائق الموثقة في أرشيفات الدولة ومذكرات قادة الضباط الأحرار، وسرديات التضخيم التي صاغتها قيادات الإخوان لاحقاً، تبرز فجوة معرفية هائلة أسست لما يمكن تسميته بـ "السطو التاريخي الممنهج".

في هذا السياق، قدّم الدكتور عبد الواحد النبوي، مدير برنامج الدراسات التاريخية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، دراسة تحليلية كاشفة بعنوان "الإخوان وثورة 23 تمّوز (يوليو)... الكذب على التاريخ" فندت آليات "تزييف الوعي" التي اتبعتها الجماعة لشرعنة وجودها التاريخي، وإثبات زيف ادعاءاتها بامتلاك أو قيادة هذه الثورة التي غيرت وجه المنطقة العربية.

تفكيك السردية الإخوانية ومحاولات السطو التاريخي

تنطلق الدراسة من فكرة أساسية تفيد بأنّ جماعة الإخوان المسلمين لعبت على كل الحبال واستخدمت كافة الحيل لتصوير ثورة تمّوز (يوليو) 1952 كعملية إخوانية التخطيط والتنفيذ، ورصدت مجموعة من مذكرات قادة الإخوان الذين تفرغوا لاحقاً لصياغة هذه السردية، مثل محمد حامد أبو النصر في كتابه عن الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر، وصلاح شادي في "صفحات من التاريخ"، وحسين حمودة، وأحمد عادل كمال.

وتشير الدراسة إلى أنّ هؤلاء الكُتاب حاولوا استغلال الاتصالات الفردية والتكتيكية التي جرت بين بعض الضباط الأحرار ورجال الجماعة ليجعلوا منها دليلاً على التبعية التنظيمية الكاملة.

وتوضح الدراسة كيف اشتطت العقلية الإخوانية في تضخيم الأحداث؛ فوصل بها الأمر إلى ادعاء أنّ الثورة كانت فكرة أسسها المرشد الأول حسن البنا في الأربعينيات، وأنّه أطلق على حركة الضباط الأحرار اسم "تنظيم جماعة الإخوان الضباط" كفرع عسكري تابع للجماعة، وزادت الادعاءات بتصوير جمال عبد الناصر كـ "نبتة إخوانية" خالصة، والزعم بأنّ البنا ترك وصية تقضي بأن يحل محله عبد الناصر أو عبد الرحمن السندي في قيادة الجماعة، بل إنّ السردية الإخوانية بلغت ذروتها بادعاء أنّ موعد الثورة تأجل يوماً كاملاً (من ليلة 22 إلى ليلة 23 يوليو) بانتظار موافقة المرشد الثاني حسن الهضيبي الذي كان متواجداً في الإسكندرية آنذاك، وهي مزاعم فندتها الدراسة علمياً ووثائقياً لإثبات تهافتها الفكري والتاريخي.

حقيقة الاتصال وسياقات حركة "الضباط الأحرار"

تعيد دراسة "المركز المصري" ضبط السياق التاريخي لطبيعة العلاقات التي جرت قبل الثورة، فمن الثابت تاريخياً أنّ تنظيم الضباط الأحرار كان حركة وطنية مصرية خالصة تولدت من رحم المعاناة الشعبية والغضب من الاحتلال البريطاني وفساد المنظومة الملكية وحرب فلسطين، ولم تكن الحركة تابعة لأيّ فصيل إيديولوجي، بل كانت تضم ضباطاً ينتمون إلى مختلف التيارات الفكرية والسياسية السائدة في مصر آنذاك، بما في ذلك اليساريون والوطنيون المستقلون ومن كانت لهم اتصالات سابقة بالإخوان.

وتشير الدراسة كذلك إلى أنّ الاتصال الذي جرى بين بعض الضباط والجماعة كان اتصالاً استكشافياً تكتيكياً فرضته ظروف العمل السري ومحاولة حشد أكبر تأييد ممكن للتخلص من النظام الملكي، ولم يكن يوماً التزاماً تنظيمياً بالسمع والطاعة للمرشد. 

بحسب الدراسة، سعى جمال عبد الناصر ورفاقه إلى تحييد الجماعة وضمان عدم وقوفها ضد التحرك العسكري، وهي مناورة سياسية بارعة أساء الإخوان تفسيرها لاحقاً، وحولوها في أدبياتهم المكتوبة بعد عقود إلى صك ملكية للثورة بأكملها، متجاهلين الحقيقة البديهية بأنّ الضباط الأحرار تحركوا بقرارات مستقلة نابعة من عقيدتهم العسكرية والوطنية دون انتظار إذن أو توجيه من المقطم أو الإسكندرية.

غياب الشواهد الميدانية ومزاعم "تأمين المنشآت"

يفند الدكتور عبد الواحد النبوي في دراسته واحدة من أكثر الأكاذيب الإخوانية تداولاً، وهي ادعاء الجماعة بأنّها اقتسمت الأدوار الميدانية مع الضباط الأحرار ليلة 23 يوليو، وأنّ تنظيمها الخاص تولى حماية المنشآت العامة، والسفارات الأجنبية، ودور العبادة، بالإضافة إلى الانتشار على طريقي السويس والإسماعيلية للتصدي لأيّ تحرك محتمل للقوات البريطانية المتمركزة في منطقة القناة.

وتؤكد الدراسة أنّ هذه الادعاءات تفتقر تماماً لأيّ شواهد ميدانية أو توثيق محايد؛ إذ لم ترصد الصحف المصرية الصادرة في تلك الفترة، ولا التقارير والمراسلات التي كتبها المراسلون الأجانب والأجانب المقيمون في مصر، أيّ وجود عسكري أو شبه عسكري لعناصر الإخوان في الشوارع ليلة الثورة أو في الأيام التالية لها، علاوة على ذلك، تفكك الدراسة هذا الادعاء من الناحية العسكرية البحتة؛ إذ من غير المتصور أو المقبول عسكرياً أن تخطط قيادة عسكرية محترفة لعملية انقلاب أو ثورة كبرى وتترك تأمين العاصمة، والطرق الحيوية، والسفارات الأجنبية، لميليشيا مدنية غير منضبطة وتحت قيادة خارجية، ممّا يثبت أنّ هذه الادعاءات كانت مجرد نسج خيال ترويجي تمّت كتابته بعد عقود من الحدث.

وثائق الغرب القاطعة ومذكرات الانتقام والتعويض

تستعين دراسة المركز المصري بالوثائق الرسمية الغربية المفرج عنها لقطع الشك باليقين بشأن غياب دور الإخوان في الثورة، فالمراسلات الدبلوماسية الرسمية والتقارير الاستخباراتية المتبادلة بين السفارتين الأمريكية والبريطانية في القاهرة ووزارتي الخارجية في واشنطن ولندن تؤكد بوضوح أنّ تحرك الجيش في 23 يوليو كان حركة وطنية بحتة قادها ضباط وطنيون مستقلون، وأنّه لا توجد أيّ علاقة تنظيمية أو هيكلية تربط قادة الثورة بالإخوان المسلمين أو بالحركة الشيوعية، هذه الشهادات الغربية المعاصرة للحدث تدحض بالكامل المزاعم الإخوانية وتؤكد استقلال حركة الجيش.

وتطرح الدراسة سؤالاً جوهرياً حول توقيت ظهور هذه السرديات الإخوانية؛ إذ تلاحظ أنّ مذكرات قادة الإخوان التي ادعت المشاركة في الثورة لم تُكتب إلا بعد مرور عقود طويلة، وتحديداً عقب الانفتاح السياسي الذي منحه لهم الرئيس أنور السادات في السبعينيات. 

وفق الباحث، كُتبت هذه المؤلفات بأقلام قيادات هرمة في أرذل العمر لتكون بمثابة أداة للانتقام السياسي من نظام ثورة يوليو وجمال عبد الناصر، ومحاولة لترسيخ خطاب المظلومية الإخوانية وتزييف وعي الأجيال الجديدة للجماعة للحفاظ على تماسك التنظيم واكتساب مريدين جدد.

 إنّ السكوت الطويل لقادة الإخوان لعدة عقود قبل تدوين هذه "الأكاذيب" يثبت أنّها كتبت لخدمة معارك سياسية لاحقة وليست لتوثيق حقائق تاريخية معاصرة.

زوال التزييف وانتصار الحقيقة الوطنية

تخلص الدراسة إلى أنّ الكذب على التاريخ كان وما يزال استراتيجية بنيوية لدى جماعة الإخوان المسلمين لتعويض فقرهم في الإنجاز الوطني الحقيقي وسعيهم الدائم للسطو على التضحيات الكبرى للشعب المصري وجيشه الوطني.

وتؤكد أنّ ثورة 23 يوليو 1952 تظل محطة وطنية فارقة قادها ضباط مصريون أوفياء استجابوا لنداء وطنهم لإنهاء الحقبة الملكية والاحتلال البريطاني وتأسيس الجمهورية، دون أيّ وصاية من تنظيمات مؤدلجة عابرة للحدود.

وتؤكد هذه الدراسة التاريخية الرصينة أنّ المعركة مع جماعة الإخوان ليست معركة أمنية أو سياسية فحسب، بل هي بالأساس معركة وعي وفكر وتاريخ، وسيبقى تفكيك الأكاذيب وتوثيق الحقائق عبر البحث العلمي الرصين هو السلاح الأقوى لحماية الهوية الوطنية والوعي الجمعي للشعوب العربية من محاولات التزييف والسطو الإيديولوجي التي ما تزال تمارسها جماعات الإسلام السياسي للبقاء على قيد الحياة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية