
لم تعد أزمة النفايات الطبية في قطاع غزة مجرد قضية بيئية تناقش داخل أروقة المؤسسات الصحية أو في تقارير الخبراء، بل تحولت إلى مشهد يومي يراه السكان بأعينهم ويخشون تبعاته على صحتهم وحياتهم، فمع استمرار الضغط على القطاع الصحي، وتعطل العديد من مرافق المعالجة والتخلص الآمن من المخلفات الطبية، تتزايد المخاوف من انتشار الأمراض وتلوث البيئة، في وقت تتقلص فيه الإمكانات اللازمة لاحتواء الأزمة.
وتشمل النفايات الطبية المحاقن المستعملة، والضمادات الملوثة بالدماء، وبقايا الأدوية، والمواد الكيميائية، والمستلزمات الطبية ذات الاستخدام الواحد، وهي مخلفات تتطلب آليات دقيقة في الجمع والنقل والمعالجة، لأنّ أيّ خلل في إدارتها قد يحولها إلى مصدر مباشر للعدوى والأوبئة.
ويقدّر اتحاد بلديات قطاع غزة حجم النفايات المنتشرة بكل المحافظات بين 700 و800 ألف طن، في الوقت الذي ينتج فيه أكثر من مليوني فلسطيني يقطنون القطاع نحو 2000 طن من النفايات يومياً، وما يزال الاحتلال يمنع البلديات المحلية من الوصول إلى مكبّي النفايات الرئيسيين في غزة: الفخاري شرق خان يونس جنوب القطاع، وجحر الديك شرق مدينة غزة.
ويشكل الاحتلال الإسرائيلي العائق الرئيسي أمام نقل النفايات العشوائية إلى المكبات الرئيسية، مع إعلانه عن أماكن وجودها ضمن مناطق العمليات العسكرية.
ووفق دائرة التخطيط والتوعية في سلطة المياه والبيئة، فإنّ معدل جمع وترحيل النفايات الصلبة انخفض خلال العدوان إلى 40% بسبب ضعف البنية التحتية المتعلقة بإدارة النفايات.
ووفق الدائرة تتسبب النفايات الطبية في كارثة خطيرة، حيث كان قطاع غزة ينتج ما معدله 7- 9 أطنان يومياً، وكان يتم التخلص منها بطريقة آمنة نسبياً، بينما هذا النوع من النفايات زاد ليصل ما بين 10 و15 طناً يومياً، وبات التخلص منها يتم بمعدل أقلّ حجماً وأماناً.
قلق يثقل الحياة
ووسط هذه الظروف، يعيش المسن سمير عبد العال (59 عاماً) في منزله شبه المدمر بالقرب من أحد المرافق الصحية في مدينة غزة، ويبدأ حديثه قائلاً: "قبل سنوات كنا نرى سيارات النظافة تأتي بشكل منتظم، وكانت النفايات ترفع أوّلاً بأوّل، أمّا اليوم فالمشهد مختلف تماماً، أكوام من الأكياس الطبية تتراكم لساعات طويلة، وأحياناً لأيام، وبعضها ممزق فتظهر داخله محاقن وقفازات وضمادات ملوثة، وأصبحنا نخشى أن يقترب الأطفال منها أو تعبث بها الحيوانات".
ويضيف عبد العال: "في بعض الأيام لا نستطيع فتح النوافذ، فالرائحة ثقيلة، خصوصاً عندما ترتفع درجات الحرارة، وتشعر كأنّ الهواء نفسه يحمل المرض، وكبار السن يعانون من ضيق التنفس، والأطفال يسعلون باستمرار، وكل شخص يتساءل: ماذا يوجد داخل هذه الأكياس؟ وهل هي آمنة؟".
ويتابع حديثه بنبرة يغلب عليها القلق: "المشكلة أننا لم نعد نعرف أين تنتهي النفايات المنزلية وأين تبدأ النفايات الطبية، ونرى أكياساً بيضاء أو صفراء بجوار القمامة العادية، وبعضها مفتوح، فنشاهد أدوات طبية واضحة، وهذا المشهد وحده كافٍ لإثارة الخوف، لأنّ الجميع يعلم أنّ هذه المخلفات قد تنقل العدوى إذا لم تعالج بطريقة صحيحة".
ويؤكد أنّ السكان أصبحوا يعتمدون على اجتهاداتهم الشخصية لحماية أنفسهم، ويوضح: "نمنع الأطفال من الاقتراب من أيّ كيس قمامة، حتى لو بدا عادياً، ونطلب منهم ألّا يلمسوا أيّ جسم معدني أو بلاستيكي مرميّ في الشارع، لأننا لا نعرف مصدره، وأصبح الخوف جزءاً من حياتنا اليومية".
ويرفض عبد العال تحميل المسؤولية للعاملين في المستشفيات وحدهم، موضحاً: "عندما تتحدث مع أيّ ممرض أو عامل نظافة، تشعر أنّه يعاني مثلنا وربما أكثر، فهؤلاء يعملون ساعات طويلة، ويواجهون ضغطاً هائلاً، والإمكانات محدودة، والمشكلة ليست في الأشخاص، وإنّما في حجم الأزمة التي تجاوزت قدرة الجميع".
ويضيف: "رأيت عمالاً ينقلون النفايات بإمكانات بسيطة جداً، ويحاولون إنجاز عملهم رغم المخاطر، وهؤلاء أيضاً يحتاجون إلى حماية وإلى معدات وإلى أماكن آمنة للتخلص من هذه المخلفات".
مخاوف بيئية متفاوتة
ويرى عبد العال أنّ الأزمة لم تعد صحية فقط، بل أصبحت بيئية أيضاً، ويبين: "كلما تأخرت معالجة هذه النفايات، زادت المخاطر على التربة والهواء والمياه، ونحن لا نتحدث عن قمامة عادية، بل عن مخلفات قد تحتوي على بكتيريا وفيروسات أو مواد كيميائية، وإذا وصلت إلى أماكن غير مخصصة لها، فإنّ آثارها قد تستمر سنوات".
ويكمل عبد العال: "حتى الحيوانات الضالة أصبحت تقترب من أكوام النفايات، وتمزق الأكياس، فتتناثر المحتويات في الشوارع، وهذا المشهد يثير الذعر، لأنّ أحداً لا يستطيع تقدير حجم الخطر الحقيقي".
ويواصل: "الطفل لا يدرك معنى النفايات الطبية، وقد يلتقط أيّ شيء يراه أمامه بدافع الفضول، ونحن نخشى عليهم أكثر من أيّ شيء آخر، ونكرر عليهم التعليمات كل يوم، لكنّ الطفل يبقى طفلاً، وقد ينسى أو يقترب من مكان خطر دون قصد".
ويتابع: "حتى اللعب في الشوارع أصبح محفوفاً بالمخاطر، وكثير من الأهالي باتوا يمنعون أبناءهم من الخروج، ليس فقط بسبب الظروف العامة، وإنّما أيضاً خوفاً من النفايات المنتشرة".
وفي ختام حديثه، يوجه عبد العال رسالة إلى كل الجهات المعنية قائلاً: "هذه الأزمة لا تخص منطقة واحدة ولا مؤسسة واحدة، بل تمس الجميع، والمطلوب توفير وسائل آمنة لجمع النفايات الطبية، وتأمين أماكن مناسبة لمعالجتها والتخلص منها، وحماية العاملين والسكان في الوقت نفسه، لأنّ المخاطر ستتضاعف مع مرور الوقت".
خطر يهدد الجميع
هذه الحال لا تختلف لدى الفلسطيني صدقي النجار الذي يعيش في خيمة بالقرب من مكبّ للنفايات الطبية شرق دير البلح وسط قطاع غزة.
يقول النجار (61 عاماً): "كثيرون يظنون أنّ الخطر ينتهي بمجرد خروج المريض من المستشفى، لكنّ الحقيقة أنّ هناك رحلة أخرى تبدأ مع النفايات الطبية، هذه الرحلة إذا لم تكن منظمة وآمنة فإنّها تعيد الخطر إلى الناس من جديد، وربما بصورة أشد".
ويوضح: "في السابق كنا نرى حاويات مخصصة ومركبات تأتي في مواعيد منتظمة، أمّا اليوم فالمشهد تغير، وباتت الأكياس الطبية مكدسة لفترات طويلة قرب المناطق السكنية، ومع مرور الوقت تبدأ الروائح بالتصاعد، وتنجذب إليها الحشرات والقطط والكلاب الضالة، فتتمزق الأكياس وتنتشر محتوياتها".
ويشير إلى أنّ هذا المشهد أصبح مألوفاً إلى درجة مؤلمة، ويقول: "الاعتياد على رؤية الخطر لا يعني زواله، بل يعني أنّ الناس أصبحت مضطرة للتعايش مع وضع لم يكن من المقبول تخيله قبل سنوات".
ويرى النجار أنّ إحدى القضايا التي لا تحظى بالاهتمام الكافي هي تعرض بعض الأشخاص الذين يجمعون المواد القابلة لإعادة التدوير لخطر مباشر، ويتابع: "هناك أشخاص يبحثون بين النفايات عن البلاستيك أو المعادن أو الكرتون لتأمين دخل يومي، وهؤلاء قد يفتحون أكياساً لا يعرفون أنّها تحتوي على مخلفات طبية، ومجرد وخزة من إبرة أو ملامسة أدوات ملوثة قد تكون كافية لإحداث كارثة صحية".
ويوضح: "رأيت أكثر من مرة أشخاصاً يفتشون داخل المكبات دون أيّ وسائل حماية، كنت أصرخ محذراً إيّاهم، لكنّ الحاجة أقوى من الخوف عند كثيرين، فهم لا يبحثون عن المخاطرة، بل يبحثون عن لقمة العيش، لكنّ الواقع يجعلهم في مواجهة مباشرة مع مخلفات يفترض ألّا تصل أساساً إلى أماكن يسهل الوصول إليها".
اتساع الخطر
ويتابع النجار: "البعض يعتقد أنّ المشكلة هي الرائحة فقط، لكنّ القلق الحقيقي يكمن فيما لا نراه، ماذا يحدث عندما تتسرب سوائل ملوثة إلى الأرض؟ ماذا يحدث عندما تختلط النفايات الطبية بالنفايات المنزلية؟ هذه أسئلة تؤرقنا كل يوم".
ويكمل: "غالباً نسكب الماء أمام خيمتنا لتخفيف الروائح، لكننا نعلم أنّ الماء لا يعالج المشكلة، وإنّما يخفف الإزعاج مؤقتاً، أمّا أصل الأزمة فيبقى كما هو، وفي ساعات الظهيرة يصبح الهواء ثقيلاً، كأنّ المكان كله يرسل رسالة تحذير بأنّ الوضع لم يعد طبيعيا".
ويواصل: "الأطفال أصبحوا يميزون القفازات الطبية والكمامات والمحاقن، لكنّهم لا يدركون خطورتها بالكامل، لذلك نعيش حالة مراقبة دائمة، ونخشى أن يلمس أحدهم شيئا بدافع الفضول".
وأشار إلى أنّ الأسر أصبحت تفرض قيوداً على حركة أبنائها، ويبين: "لم يعد اللعب في الأزقة كما كان، كل أم وأب يفكران ألف مرة قبل السماح لأطفالهما بالخروج".
ويرى النجار أنّه "إذا لم تتم معالجة هذه المخلفات بطريقة سليمة، فإنّ آثارها تمتد إلى مساحات أوسع، فالرياح قد تنقل أجزاء خفيفة منها، والأمطار قد تجرف بعض الملوثات، والحشرات تنتقل من مكان إلى آخر، وكل ذلك يجعل المشكلة تتجاوز حدود الموقع الذي بدأت منه".
ويؤكد النجار أنّ "غزة لا تحتاج فقط إلى مزيد من الأدوية والأجهزة الطبية، بل تحتاج أيضاً إلى منظومة آمنة للتعامل مع ما ينتج عن العلاج، لأنّ حماية الإنسان لا تكتمل داخل غرفة العمليات أو قسم الطوارئ، وإنّما تستمر حتى آخر مرحلة من مراحل التخلص من النفايات الطبية".
أولوية بيئية وصحية
بدوره، يرى أستاذ الدراسات البيئية بجامعة القدس أحمد حمد أنّ "تراكم النفايات الطبية يشكل خطراً بيئياً حقيقياً، لأنّها تحتوي على مواد ملوثة وعناصر قد تنقل مسببات الأمراض، وعندما تتكدس لفترات طويلة أو تخلط مع النفايات المنزلية، فإنّها تزيد من احتمالات تلوث البيئة المحيطة، وتسهم في انتشار الروائح الكريهة وجذب الحشرات والقوارض التي قد تنقل الملوثات إلى مناطق أخرى".
ويضيف حمد: "أبرز المخاطر التي تترتب على تراكم النفايات الطبية، تتمثل في تلوث التربة والمياه، وانبعاث غازات وملوثات ضارة عند حرق النفايات بطرق غير سليمة، إضافة إلى زيادة فرص تعرض العاملين في جمع النفايات والسكان للإصابات بالأدوات الحادة أو للمواد الملوثة، وهو ما قد ينعكس سلباً على الصحة العامة والبيئة".
ويوضح: "إذا تركت النفايات الطبية في أماكن غير مهيأة أو جرى التخلص منها بشكل عشوائي، فقد تتسرب منها سوائل ملوثة إلى التربة، ومع مرور الوقت قد تصل إلى المياه الجوفية، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى أنظمة عزل ومعالجة مناسبة، ممّا يزيد من احتمالات تلوث مصادر المياه".
ويتابع: "من الضروري فرز النفايات الطبية من مصدرها، وجمعها في حاويات مخصصة وآمنة، ونقلها بوسائل مهيأة لهذا الغرض، ثم معالجتها أو التخلص منها وفق المعايير البيئية والصحية، ويجب توفير معدات الوقاية للعاملين، وتعزيز الرقابة على مواقع تجميع النفايات ومنع اختلاطها بالنفايات المنزلية".
ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني على "ضرورة إعطاء إدارة النفايات الطبية أولوية قصوى لما لها من تأثير مباشر على الصحة والبيئة، والعمل على توفير الإمكانات اللازمة للتعامل معها بشكل آمن، أمّا المواطنون، فأدعوهم إلى عدم العبث بأيّ مخلفات طبية أو الاقتراب منها، والإبلاغ عن وجودها في الأماكن العامة، حفاظاً على سلامتهم وسلامة المجتمع".



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_0_2.png.webp?itok=8FS_cDro)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89_0_2_1_2_3_0.jpg.webp?itok=CNFeXliw)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5_0.png.webp?itok=SL0FoY8v)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0_0.jpg.webp?itok=tveF5mr8)











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)