تركيا ما بعد فوز أردوغان.. ما شكل "العثمانية الجديدة"؟

تركيا ما بعد فوز أردوغان.. ما شكل "العثمانية الجديدة"؟

مشاهدة

27/06/2018

لم يشكل فوز الرئيس أردوغان وحزب العدالة، في الانتخابات الرئاسية التركية، التي جرت الأحد الماضي مفاجأة؛ إذ كانت تجمع غالبية التقديرات والاستطلاعات على أنّ السيناريو الأول المرجح في هذه الانتخابات؛ هو حسم انتخابات الرئاسة من الجولة الأولى، مع عدم قدرة حزب العدالة على تحقيق أغلبية برلمانية، فيما السيناريو الثاني جولة انتخابات رئاسية ثانية، يرجَّح أن تُحسم لصالح أردوغان "لو جرت".

هذه التوقعات بفوز أردوغان كانت مرتبطة بعاملين حاسمين في سياق العملية الانتخابية؛ الأول: أنّ الانتخابات جرت في ظلّ سيطرة متزايدة لحزب العدالة على البلاد، تعززت بقانون الطوارئ الذي تم فرضه في أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة، عام 2016، وما تبعها من إجراءات ضدّ الحريات الصحفية، وإقصاء الكثير من كوادر المعارضة في مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية والجامعات، وحتى ملاحقة كوادر المعارضة في دول مجاورة كما جرى في بعض دول البلقان، إضافة إلى إجراءات ومجموعة تشريعات تحت عنوان التضييق على الحريات العامة، كان من أبرز عناوينها إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي.

رغم النجاحات الاقتصادية المروّج لها بشكل مبالغ فيه هناك أزمة اقتصادية من حيث الديون ونزول قيمة الليرة

أما العامل الثاني: فرغم اتساع مساحات المعارضة التركية ضد العدالة والتنمية والرئيس أردوغان، واستحواذها على عناصر قوة، في ظلّ صراع اجتماعي واقتصادي وسياسي، بين مشروع أردوغان القائم على إحياء الشعور القومي التركي، و"أسلمة" تركيا، وطموحات باستئناف الخلافة الإسلامية، تحت عنوان "العثمانية الجديدة"، وإعادة تشكيل تركيا بما يخدم هذا البرنامج، رغم نتائجه بالاصطدام مع أوروبا العلمانية، وانعكاس ذلك على طموحات تركيا بالانضمام للاتحاد الأوروبي، إلا أنّ تشتت المعارضة التركية لأردوغان، وتنافسها معه على انتخابات الرئاسة، أسهم في عدم قدرتها على تحقيق أهدافها، رغم اتساع قواعدها المعارضة لبرامج التنمية، خاصة في المدن التركية، ارتباطاً بكون القواعد الرئيسة للعدالة كانت في الأرياف.

اقرأ أيضاً: "الذئب الرمادي".. أردوغان وسياسة التنقل بين المصالح

ليس مهماً اليوم الحديث عن نزاهة الانتخابات التركية، والاتهامات التي قد تثار هنا أو هناك، خاصة من قبل المعارضة، ولا تأكيدات "العدالة" بنزاهة تلك الانتخابات، ولا الحديث عن تجربة ديمقراطية بوصفها إسلامية أو علمانية، ولا الحديث عن الرئيس أردوغان باعتباره مخلص الأمة التركية والإسلامية من أوجاعها، ولا التقليل من هذا أهمية هذا الفوز، إنّما الأهمية، في تقديرنا، تكمن في الإجابة عن التساؤل: إلى أين ستذهب تركيا، وفي أية اتجاهات، تحت قيادة أردوغان الجديدة، داخلياً وخارجياً؟ وما الجديد الذي سيقدمه الرئيس أردوغان بعد أن ضمن الفوز بهذه الانتخابات؟ هل سيواصل سياساته الداخلية والخارجية كما هي، أم أنّ هذا الفوز سيجعله بوضع مريح يستطيع من خلاله إعادة النظر في بعض سياساته؟

التصريحات الأولية لأردوغان بعد إعلان فوزه لا تشير إلى تغييرات ستطرأ على سياساته الداخلية والخارجية

فعلى الصعيد الداخلي؛ تبرز تساؤلات حول اتجاهات الديمقراطية، والمطالب الواسعة بتعزيزها، وإنهاء حالة الطوارئ، والعلاقة بين العدالة والرئيس أردوغان من جهة، وقوى المعارضة، خاصة في البرلمان، ستكون ضمن تساؤلات كبرى؛ حيث ستبقي تركيا تحت متابعة حثيثة من قبل كافة القوى، إضافة لكيفية استعادة الوحدة الوطنية التركية، وهل سيكون الرئيس أردوغان رئيساً لكافة الأتراك، كما أعلن بعد فوزه، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الناشئة في المجتمع التركي، حتى ما قبل الانتخابات؟ وهل سيأخذ الرئيس المخاوف العميقة والواسعة التي تطرح داخل تركيا وخارجها حول كيفية تعامله مع الصلاحيات الواسعة الممنوحة له في ظلّ النظام الرئاسي الجديد؟

اقرأ أيضاً: "تصفير المشكلات".. إستراتيجية أردوغان التائهة

وعلى الصعيد الاقتصادي؛ فرغم النجاحات الاقتصادية التي يجري الترويج لها بشكل مبالغ فيه من قبل أنصار أردوغان، فهناك أزمة اقتصادية تتعدد مظاهرها، من حيث الديون الخارجية، ونزول قيمة الليرة التركية مقابل الدولار، إضافة إلى عدم قدرة التشريعات التركية على تأمين بيئة تستقطب الاستثمار الخارجي، إضافة إلى ارتفاع نسب التضخم، صحيح أنّ الأزمة في الاقتصاد الكلي التركي، وربما بدأت تظهر تداعياتها بانخفاض القوة الشرائية لليرة التركية، إلا أنّ هناك خشية باستمرار وتعمق هذه الأزمة، وربما تشهد بعض القطاعات انهيارات مفاجأة على غرار انهيار القطاع العقاري والأسواق المالية في الولايات المتحدة والعالم عام 2008.

ربما تتخذ صراعات الرئيس أردوغان أشكالاً جديدة تحت عناوين أكثر حدّة وربما تسهم في تعميق أزمات تركيا

العلاقات الدولية والإقليمية لتركيا موضع تساؤلات هي الأخرى، فيما إذا كان الرئيس أردوغان سيواصل سياسات المناكفة مع أوروبا، في ظل علاقات غادرت مربعات المدّ والجزر إلى مربعات ما يشبه القطيعة، في ظلّ تناقض المشروعين التركي القائم على الخلافة الإسلامية، وأوروبا العلمانية، كما أنّ تحالفاته مع روسيا وإيران والعلاقة غير الدافئة مع أمريكا التي تتجاوز الخلاف على مسألة الدعم الأمريكي للأكراد، موضع تساؤلات، ربما تدور أسئلة في هذه المرحلة حول: إلى أي مدى يمكن لأردوغان أن يحتفظ بعلاقات تحالفية مع إيران، رغم تبريرات تركية بأنّ التحالف اقتصادي فيما الخلافات السياسية مع إيران قائمة.

اقرأ أيضاً: 3 سيناريوهات لما بعد فوز أردوغان

التصريحات الأولية للرئيس أردوغان، بعد إعلان فوزه بالانتخابات، لا تشير إلى أنّ هناك تغييرات ستطرأ على سياساته الداخلية والخارجية، رغم الخطاب الدبلوماسي تجاه المعارضة داخلياً، وتصريحاته على الصعيد الإقليمي تؤكد استمرار برنامجه المعروف بـ "العثمانية الجديدة"، وهو ما يعني استمرار الأزمات التركية واستمرار الفاعلين، لكن ربما تتخذ صراعات الرئيس أردوغان أشكالاً جديدة، تحت عناوين أكثر حدّة، وربما تسهم في تعميق أزمات تركيا.

الصفحة الرئيسية