تركيا في لبنان: قوّة "استعماريّة" غير مؤثّرة

تركيا في لبنان: قوّة "استعماريّة" غير مؤثّرة

مشاهدة

03/08/2021

ترجمة وتحرير: محمد الدخاخني

كتب وزير الخارجيّة التّركي، مولود جاويش أوغلو، الشّهر الماضي، في صحيفة "لوبنيون" الفرنسيّة، قبيل لقاء جمعه بنظيره الفرنسيّ: "تركيا وفرنسا دولتان صديقتان وحليفتان، وستبقيان كذلك، يجب أن نتأكّد من عدم حدوث أيّ سوء تفاهم يخلّ بعلاقة الصّداقة هذه الّتي نلتزم بها بصدق"، وقبل بضعة أشهر فقط، كان الرّئيس التّركيّ، أردوغان، قد شكّك في الصّحّة العقليّة للرّئيس الفرنسيّ، ماكرون، في خطاب ألقاه. وللرّجلين تاريخ في الإدلاء بتصريحات قاسية عن بعضهما.

لا يمكن لتركيا أن تكون طرفاً في حلّ سياسيّ لأزمة لبنان، باستثناء أجزاء من المجتمع السّنّي، لا توجد مجموعة لبنانيّة لديها توجّه إيجابيّ نحو تركيا

عندما هزّ انفجار كارثيّ في ​​ميناء بيروت لبنان، في 4 آب (أغسطس) 2020، ولفت انتباه الجمهور الدّوليّ إلى الدّولة الشّرق أوسطيّة الصّغيرة، لم يكن جو بايدن قد انتُخب بعد رئيساً للولايات المتّحدة، كما لم تكن تركيا تكافح لإصلاح علاقاتها السّياسيّة مع الغرب، ضرب الانفجار، النّاجم عن أطنان من نترات الأمونيوم، مساحات شاسعة من بيروت، وأثّر على كلّ لبنان، وجاءت المأساة في وقتٍ كانت فيه البلاد تعاني من احتجاجات مناهضة للحكومة، اندلعت في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، فضلاً عن ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا وتراجع اقتصاديّ أدّى إلى انخفاضٍ غير مسبوق لقيمة الليرة اللبنانيّة مقابل الدّولار الأمريكيّ، أعقبت الحادثة المأساويّة على الفور زيارات رفيعة المستوى من قِبل شخصيّات حكوميّة فرنسيّة وتركيّة.

 هرع ماكرون إلى بيروت، وتعهّد بدعم إعادة إعمار المدينة، لم يَعِد بتقديم مساعدات إنسانيّة فحسب، بل دعا السّياسيّين اللبنانيّين، أيضاً، إلى تبنّي "صفقة سياسيّة جديدة"، سيعود إلى العاصمة الّلبنانيّة بعد ثلاثة أسابيع لحثّ السّياسيّين في البلاد، هذه المرّة، على تشكيل حكومة إصلاحيّة، ومنحهم مهلة لحدوث ذلك.

بعد يومين فقط من زيارة ماكرون، وصل إلى بيروت وفد تركيّ يضمّ فؤاد أقطاي، كبير مساعدي أردوغان، وجاويش أوغلو، بعد لقائه الرّئيس ميشيل عون ورئيس الوزراء، حسان دياب، ورئيس مجلس النّواب، نبيه بري، لفت أقطاي الانتباه إلى الإمدادات الطّبيّة والغذائيّة التي أحضرها، وأكّد دعم تركيا المستمرّ للبنان، كما عرض أقطاي على السّلطات اللبنانيّة الاستخدام المؤقّت لميناء هاتاي التركيّ إلى أن يعود ميناء بيروت الذي تعرّض للانفجار إلى العمل.

رأى البعض هذه الزّيارات بمثابة عودة للقوى الاستعماريّة السّابقة، مع تزاحمهما على السّلطة على البلاد، ونُقِل عن ماكرون قوله: "إذا لم تلعب فرنسا دورها، فإنّ الإيرانيّين والأتراك سيتدخّلون في الشّؤون الدّاخليّة الّلبنانيّة، ومن المرجّح أن تكون مصالحهم الاقتصاديّة والجيوسياسيّة على حساب اللبنانيّين"، وردّاً على ذلك، قلّل المسؤولون الأتراك من أهميّة تعليقات ماكرون في بيروت، قال أقطاي: "فرنسا هي التي تتدخّل في السّياسة الدّاخليّة اللبنانيّة؛ لا ينبغي أن نأخذ ماكرون على محمل الجدّ، إنّه مثل طفل مدلّل في المنطقة".

 أعطت المشاحنات، إلى جانب التّنافس الأخير بين القوّتين الإمبرياليّتين السّابقتين حول سوريا وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسّط​​، العالم انطباعاً بوجود صراع على السّلطة.

بالنّسبة إلى محلّلي السّياسة الدّوليّة، عكست التّداعيات الأخيرة استمرار الخلاف طويل الأمد بين أردوغان وماكرون. تقول جانا جبّور، الأستاذة في "سيانس بو" في باريس، ومؤلّفة كتاب "تركيا: دبلوماسية قوة صاعدة": "أرادت أنقرة من خلال هذه الزيارة "تحديد حيّزها" والدّفاع عمّا تعدّه مجال نفوذها، تعدّ أنقرة لبنان جزءاً من "المناطق النّائية" الخاصّة بها، بالتّالي، فَهِمت بشكل سلبيّ للغاية زيارة ماكرون للبلاد، وبهذا المعنى، هَدِفَت زيارة المسؤولين الأتراك الدّفاع عن نفوذ تركيا ودورها في لبنان ضدّ "التّدخّل الأجنبيّ" المتصوّر لفرنسا".

عامل شرق المتوسّط

يُعدّ لبنان بالفعل ساحة معركة للصّراع الإقليميّ على السّلطة بين المملكة العربيّة السّعودية وإيران، بالتّالي، الجهات الفاعلة المتمركزة حول الدّولتين: تركيا وفرنسا والولايات المتّحدة وروسيا. 

يخصّص الطّابع الطّائفيّ للدستور الّلبنانيّ المناصب التّنفيذيّة العُليا لمجموعات طائفيّة مختلفة، ويَحكُم بأنّ جميع الطّوائف يجب أن تُمثّل في مجلس الوزراء، وهو نظام يسهّل استغلال المآزق الحكوميّة من قِبل الرّعاة الأجانب. 

اقرأ أيضاً: أردوغان يواصل دعمه لإثيوبيا.. ماذا عن علاقة تركيا بمصر؟

منذ استقالة رئيس الوزراء، سعد الحريري، في تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، عجز لبنان عن تشكيل حكومة قويّة، بسبب الخلافات بين مختلف الفصائل السّياسيّة والطّائفيّة على المناصب الوزاريّة، والواقع أنّ رفع النّظام الطّائفيّ كان من بين المطالب الرّئيسة للمحتجّين.

لم تعكس تصرّفات الحكومة التّركيّة بعد الانفجار خصومتها مع حكومة ماكرون فحسب، بل عكست العداوات الإقليميّة الّتي وجدت نفسها منخرطة فيها في الأعوام الأخيرة نتيجة الّلهجة العدوانيّة في سياستها الخارجيّة، يقول محمّد نور الدّين، أستاذ التّاريخ التّركيّ الحديث في الجامعة الّلبنانيّة: "في الآونة الأخيرة، وجدت تركيا نفسها في معركة مع فرنسا ومصر والمملكة العربيّة السّعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، بالنّسبة إلى تركيا، يُعتبر لبنان ساحة معركة مهمّة ضدّ هذه القوى".

في مقالته لصحيفة "لوبنيون"، شدّد جاويش أوغلو على الأولويّات المشتركة بين تركيا وفرنسا حول سوريا وليبيا، لم يذكر لبنان، ومع ذلك، ينظر المحلّلون إلى المواجهة المتعلّقة بلبنان، في آب (أغسطس) الماضي، على أنّها انعكاس للخلاف حول قضايا إقليميّة أوسع. وبحسب نوراي ميرت، الأستاذة والخبيرة المخضرمة في شؤون الشّرق الأوسط، فإنّ ذلك "يعكس الخلاف التّركيّ الفرنسيّ في الشّؤون الإقليميّة بشكل عامّ، والرّهان الأكبر هو طموحات تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسّط​​".

شكّلت احتياطيّات الغاز البحريّة المكتشفة مؤخّراً في شرق البحر الأبيض المتوسّط ​​لعبة تغيير السّياسة الخارجيّة للدّول السّاحليّة في المنطقة، وهي اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر وتركيا، لم تُدرِك حكومة أردوغان، حتّى الأشهر القليلة الماضية، عُزلتها في لعبة شرق المتوسّط، وحاولت إصلاح علاقاتها مع مصر وإسرائيل، وعادت إلى طاولة المحادثات التّشاوريّة مع اليونان. 

خفّف أردوغان من حدّة حديثه الدّاعم تجاه حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة التي وقّعت معها أنقرة اتّفاقيّة "منطقة اقتصاديّة خالصة" لاختراق خطّ أنابيب شرق المتوسّط، والاتّفاقيّة المماثلة بين قبرص واليونان، وبينما ما تزال تركيا ولبنان تستكشفان الاحتياطيّات في مناطقهما الاقتصاديّة الخالصة، تُصدّر كلّ من إسرائيل ومصر بالفعل الغاز الطبيعيّ منذ فترة من الوقت.

رغم الخلاف البحريّ المستمرّ مع إسرائيل، بدأت الحكومة الّلبنانيّة أنشطة التّنقيب، عام 2018، لكن وجود احتياطيّات النّفط والغاز لم يتأكّد بعد.

 تعتقد جبّور أنّ احتمالية اكتشاف شيء ما تجذب انتباه القوى الدّوليّة: "استهدف اندفاع المسؤولين الأتراك إلى لبنان فور زيارة ماكرون الدّفاع عن مصالح تركيا في مجال الطّاقة في شرق المتوسّط​​، وإعادة تأكيد حقّ تركيا في الوصول إلى النّفط وموارد الغاز التي يمكن العثور عليها قبالة شواطئ لبنان، وقد هَدِفَ نشر أنقرة لسفينة "أوروك ريس" العسكريّة في البحر الأبيض المتوسّط، ​​خلال زيارة ماكرون، إلى نقل رسالة مفادها أنّ تركيا مستعدّة للدّفاع عن مصالحها ضدّ أيّ عدوان فرنسيّ محتمل".

شخص غير مرغوب فيه

عند وصوله إلى السّلطة، عام 2002، قدّم حزب العدالة والتّنمية التّركيّ مقاربةً غير مسبوقة في ذلك الوقت للعالم العربيّ، تركت تركيا ذات التّوجّه الغربيّ الشّرق الأوسط كـ "ساحة خلفيّة مهملة"، وفي غضون عامين، حسّنت الحكومة الجديدة علاقتها مع المنطقة، فازدادت شعبيّتها بين الجمهور العربيّ جنباً إلى جنب مع قصّة نجاح اقتصاديّ تجسّدت في أرقام نموّ عالية، وبداية محادثات الانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ. 

نُظِر إلى تركيا على أنّها نموذج للتّعايش بين الإسلام والدّيمقراطيّة، وأصبحت وجهة مشهورة للسّيّاح في المنطقة، وبُثّت المسلسلات التّركيّة على محطّات التّلفزيون في جميع أنحاء الشّرق الأوسط منذ أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين.

خلال ولاية أحمد داود أوغلو، كوزير للخارجيّة (2009-2014)، عاد لبنان إلى دائرة الضّوء التّركيّة، حيث كانت البلاد جزءاً محوريّاً من عقيدة "العمق الإستراتيجيّ" لداود أوغلو، والتي عزّزت دوراً نَشِطاً ومشاركة أكبر لتركيا في الشّرق الأوسط لترسيخ نفسها كقوّة إقليميّة، وانضمّ إلى الزّيارات الرّسميّة للسّياسيّين رجال أعمال أتراك، وبدأت المنتجات التّركيّة تهيمن على الأسواق العربيّة.

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لَعِبَت تركيا دور الوسيط النّشط في الصّراع الّلبنانيّ، وأرسل الجيش التّركيّ قوّات إلى قوّة حفظ السّلام الثّانية التّابعة لليونيفيل في جنوب لبنان، بعد حرب عام 2006 مع إسرائيل. حصل آلاف التّركمان الّلبنانيّين الذين يعيشون في الغالب في مدينة طرابلس الّلبنانيّة وحولها على الجنسيّة التركيّة، وفي ظلّ هذه الظّروف، تحالف حزب العدالة والتّنمية مع الفصيل السّنّيّ المدعوم من الغرب والسّعوديّة، تحديداً تيار المستقبل برئاسة رفيق الحريريّ، ومع ذلك، تجنّبت العلاقات الوثيقة بين حزب العدالة والتّنمية وحزب/عائلة الحريريّ التحدّي المباشر مع إيران، التي دعمت الفصائل الشّيعيّة. 

تقول ميرت: "كان وقتاً مواتياً لتركيا"، تضيف: "تغيّر الكثير منذ ذلك الحين، بصرف النّظر عن حقيقة أنّ سلطة رئيس الوزراء متنازع عليها دائماً في النّظام الّلبنانيّ وأنّ سعداً، نجل الحريريّ، يقع تحت الوصاية الفرنسيّة".

اقرأ أيضاً: تركيا دولة إمبريالية.. لا تدعوا أردوغان يخدعكم

أثار التّورّط العسكريّ التّركيّ في الحرب السّوريّة، منذ عام 2011، وتحالف تركيا مع جماعة الإخوان المسلمين، وميولها الطّائفيّة، غضب كثيرين في المنطقة، وكانت إطاحة حكومة إخوانية تلو الأخرى بمثابة بداية تراجع تركيا في المنطقة، يقول نور الدّين: "تدخّلت تركيا في الشّؤون الدّاخليّة للعديد من الدّول العربيّة، بما في ذلك سوريا ومصر، وكان لهذا تأثير كارثيّ على صورتها، حظيت تركيا بفرص تاريخيّة، بين عامَي 2002 و2010، لكنّ أردوغان أضاع هذه الفرص بسياساته التّوسعيّة خلال الرّبيع العربيّ، هذه الإمكانية انتهت تماماً بالنسبة إلى تركيا بعد عام 2011".

وتضيف جبّور: "تُعدّ خسارة تركيا لنفوذها في لبنان في الأعوام الأخيرة، بطريقة ما، بمثابة ضرر جانبيّ جرّاء الأزمة السّورية"، أصيب السّنّة في لبنان بخيبة أمل بسبب عجز تركيا عن إسقاط نظام بشار الأسد السّوري، أمّا الشّيعة، فيرون في تركيا الآن عدوّهم؛ لأنّ أنقرة تقف في مواجهة نظام الأسد العلويّ".

إضفاء الطّابع الشّرق أوسطيّ على تركيا

تزامنت مآزق السّياسة الخارجيّة لحزب العدالة والتّنمية مع التّحديّات المحلّيّة لإحكام قبضته على البلاد، لم تهزّ موجة الاحتجاجات التي عمّت البلاد عام 2013 تركيا فحسب، بل شوّهت أيضاً صورة أردوغان، وبعد ثلاثة أعوام، شَهِدت البلاد محاولة انقلابيّة، وكان المشتبه فيهم الرّئيسون أتباع (فتح الله غولن)، وهم عبارة عن شبكة يشغل أعضاؤها مناصب إستراتيجيّة في جهاز الدّولة، والحليف القديم لحكومة حزب العدالة والتّنمية، وأعقبت الحادثة فترة حكم طوارئ استمرّت عامين طُهِّر خلالها آلاف الموظّفين، المدنيّين والأكاديميّين، وأفراد قوّات الأمن، وسُجِن عدد من الصّحفيّين، وكان التّحوّل إلى النّظام الرّئاسيّ الضّربة الأخيرة في سلسلة من الخطوات السّلطويّة، ليرافق هذا الانهيار الدّيمقراطيّ انهيار اقتصاديّ، بالنّسبة إلى نور الدّين، "تبخّر الإعجاب (لدى العالم العربيّ) بعد انهيار النّظام الاقتصاديّ والديمقراطيّ في تركيا".

وتعلّق جبّور قائلة: "يُظهِر التّطوّر الأخير لتركيا أنّها بدلاً من أن تكون أنموذجاً للدّيمقراطيّة بالنّسبة إلى العالم العربيّ، انتهى بها الأمر إلى تبنّي النّموذج السّلطويّ نفسه الّذي تجسّده الأتوقراطيّات العربيّة".

كوسكون آرال، صحفيّ تركيّ مخضرم، عاش في لبنان لعقدٍ من الزّمن خلال الثّمانينيّات، وكتب عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة، في رأيه؛ "لم نكن مثل لبنان، لكن يمكنني القول إنّنا أصبحنا كذلك. في الآونة الأخيرة، بدأت أشياء كثيرة في تركيا تبدو مثل لبنان"، وأشار إلى عدم الرّضا واللامبالاة تجاه السّياسة بين الشّباب التّركيّ؛ "هذا هو الحال بالضّبط مع الشّباب اللبنانيّ هذه الأيّام".

تمثّلت المقاربة التّركيّة، التي طغت عليها الاضطّرابات الاقتصاديّة والسّياسيّة الخاصّة بتركيا نفسها، في التّعامل مع الاحتجاجات الجماهيريّة في اللامبالاة الصّامتة حتّى الآن

قوّة "استعماريّة" غير مؤثّرة

إذا كان أحد جوانب الأزمة اللبنانيّة يتطلّب عملاً إنسانيّاً لحلّ المشكلات قصيرة المدى للفقر، ونقص الغذاء، وتقلّص إمدادات النّظافة، والدّمار الحضريّ النّاجم عن الانفجار، والأزمة الماليّة؛ فإنّ الجانب الآخر هو جهد أكثر صعوبة للوصول إلى توافق اجتماعيّ من شأنه إصلاح الدّولة وإعادة تشكيلها، لا يولِّد النّظام السّياسيّ أيّة سلطة تنفيذيّة فعّالة، بل يولِّد صعوبات سياسيّة متكرّرة.

منذ استقالة رئيس الوزراء السّابق، سعد الحريري، عام 2019، حالت الخلافات السّياسيّة بين الفصائل الشّيعيّة والسّنّيّة والمسيحيّة دون أيّة جهود إصلاحيّة، وهو شرط مسبق للغرب للإفراج عن المساعدات الماليّة الضّخمة التي تحتاجها البلاد لاستعادة الاستقرار الاقتصاديّ وتقليل معدّل التّضخّم المتصاعد، ولطالما نُظِرَ إلى النّظام على أنّه مشكلة، هذا هو السّبب وراء خروج الآلاف إلى الشّوارع، منذ تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، احتجاجاً على النّخب الفاسدة والعنيدة الّتي ظلّت في مواقعها السّياسيّة منذ عقود، والنّظام الطّائفيّ الّذي يجعل التّقدّم مستحيلاً.

خلال زيارته بعد انفجار بيروت، طرح وفد ماكرون خطّة عمل ملموسة نسبيّاً تتطلّب قبل كلّ شيء حكومة إصلاحيّة مكوّنة من تكنوقراطيّين، وتتوخّى الخطّة إصلاحات واسعة النّطاق للحوكمة والماليّة العامّة، بما في ذلك التّشاور الوثيق مع المجتمع المدنيّ، والمزيد من التّدقيق في الإنفاق العامّ، وودائع في البنك المركزيّ اللبنانيّ، وسنّ قانون لاستقلال القضاء، وبذل جهود قويّة للحدّ من الفساد والتّهريب.

وسيتبع الإصلاحات مؤتمر لجمع التّبرّعات بتنسيق من فرنسا، لكن مع فشل رئيس الوزراء المكلّف، الحريريّ، في تشكيل حكومة بعد تسعة أشهر من المحاولة، ما يزال واقع الحكومة الجديدة سؤالاً مفتوحاً ويبدو تنفيذ الخطّة بعيداً عن الواقع.

مأزق الحكومة، النّاجم بشكل رئيس عن الأحزاب السّياسيّة العنيدة غير الرّاغبة في التّنازل عن سلطتها السّياسيّة، أثار غضباً في قصر الإليزيه وعاقبت باريس بعض السّياسيّين الّلبنانيّين، بسبب ما وصفه وزير الخارجيّة الفرنسيّ، جان إيف لودريان، بـ "التّورّط في السّياسة الحالية للانسداد والفساد".

في حين أنّ فرنسا لديها مطالب إصلاحيّة ملموسة مطروحة على الطّاولة، لم تقدّم أنقرة، حتّى الآن، أيّ مخرج من الأزمة الحالية، أو حزمة إصلاح هيكليّ لتحقيق الاستقرار على المدى الطّويل، وإنّما تبرعات عرضيّة ومشروعات بناء فقط، بالرّغم من مصالحها الاقتصاديّة والسّياسيّة في البلاد.

 تعلّق جبّور: "يبدو أن الدّبلوماسيّة التّركيّة في لبنان تحرّكها الأحداث، بدلاً من "التّصرّف" في لبنان من خلال تقديم اقتراحات واضحة والتّوصّل إلى مقترحات جديدة لإيجاد حلّ فعّال لأزمات البلاد متعدّدة الأوجه، يبدو أنّ أنقرة في موقف دفاعيّ حيث "تتفاعل" فقط مع الأحداث والتّطوّرات على الأرض".

وبحسب نور الدّين؛ فإنّ تركيا ليست في وضع يمكّنها من القيام بدور الوسيط، تقدّم الحكومة التّركيّة مساعدات اقتصاديّة وإنسانيّة للبنان، الذي لا يمكنه رفض مثل هذه العروض، لكن لا يمكن لتركيا أن تكون طرفاً في حلّ سياسيّ لأزمة لبنان، باستثناء أجزاء من المجتمع السّنّي، لا توجد مجموعة لبنانيّة لديها توجّه إيجابيّ نحو تركيا؛ لذلك فإنّ الظّروف ليست مناسبة لوساطة تركيّة محتملة".

توافق ميرت على هذا التّحليل؛ "في ظلّ هذه الظّروف، ناهيك عن مساعدة لبنان في حلّ مشكلاته، فإنّ جهود تركيا للعب دور في مستقبل لبنان غير مرغوب فيها، ليس فقط من قِبل طرف واحد، لكن من قِبل جميع الأطراف في اللعبة الّلبنانية"، تقول ذلك مشيرةً إلى أنّه حتّى العلاقة بين الدّولة التّركيّة والطّائفة السّنّيّة في لبنان ليست قويّة كما كانت في الماضي.

كيف نستعيد لبنان؟

مع إلمامه بالسّياسة اللبنانيّة، يشعر كوسكون آرال بالتّشاؤم بشأن إمكانات الاحتجاجات المستمرّة: "الاحتجاجات كانت موجودة دوماً في الشّوارع اللبنانيّة، لكن من غير المرجّح أن تؤثّر أو تشكّل السّياسة اللبنانيّة بأيّ شكل من الأشكال"، على حدّ قوله، ومع ذلك، إذا كان هناك شيء واحد قد غيّرته احتجاجات تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، فهو الطّريقة التي يدير بها الغرب علاقاته مع لبنان.

اقرأ أيضاً: حزبُ الله .. سيّدُ لبنان الأكبر المقبِل

تمثّلت المقاربة التّركيّة، التي طغت عليها الاضطّرابات الاقتصاديّة والسّياسيّة الخاصّة بتركيا نفسها، في التّعامل مع الاحتجاجات الجماهيريّة في اللامبالاة الصّامتة حتّى الآن، بالنّسبة إلى جبّور، فإنّ صمت تركيا بشأن الاحتجاجات ناتج عن حقيقة أنّ سعد الحريري، الزّعيم المفضّل لدى تركيا، قد عاد إلى السّياسة كرئيس مكلّف للوزراء قبل أن يتنحّى الأسبوع الماضي: "كانت تركيا غائبة تماماً خلال "ثورة" تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019 في لبنان، لم تُعلن موقفاً رسميّاً، وظلّت صامتة، هذا لا يؤثّر على نفوذ تركيا ودورها في لبنان، فالثّورة ماتت تدريجيّاً، واليوم عادت البلاد إلى المربّع صفر، وفي مقدّمة المشهد القادة والسّياسيّون أنفسهم".

أعرب المتظاهرون مراراً عن رغبتهم في أن تغيّر الجهات الفاعلة الأجنبيّة موقفها من المؤسّسة اللبنانيّة، يقول إبراهيم حلاوة، سكرتير حركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، الّلبنانيّة اليساريّة المعارضة فرع المملكة المتحدة: "تُشجَّع الجهات الفاعلة الدّوليّة على رؤية مصلحة في هذا الحلّ الحاسم للبنان، بعد عدّة عقود من فشل الدّولة وعدم الاستقرار، بالتّالي، تجنّب العلاجات قصيرة الأجل الّتي من شأنها فقط تأجيل الانهيار جزئيّاً".

ومع ذلك، فإنّ الحركة الاحتجاجيّة ليست موحّدة، وتتألّف من فصائل عديدة، لدى المنظّمات الشّعبيّة وجماعات المصالح غير الرّسميّة والأحزاب السّياسيّة التي خرجت إلى الشّوارع، عام 2019، رؤية مختلفة للتّغيير في لبنان. 

ويشير العديد من المتظاهرين إلى صعوبة تسمية الاحتجاجات بـ "الحركة"؛ فالإجماع على المطالبة بدستور جديد وسياسيّين جدد لا يمتدّ إلى كلّ القضايا، كما يعبّر البعض عن استخفافهم بدور الغرباء، في إشارة إلى منح فرنسا الغاز المسيل للدموع ومعدّات مكافحة الشّغب الأخرى لحكومة بن علي في تونس عام 2011، تعلّق رولا الصّغير، وهي ناشطة نسويّة شاركت في الاحتجاجات الّلبنانيّة: "فعلت (فرنسا) الشّيء نفسه في لبنان، عام 2019، ومن ثمّ فهذا شكل من أشكال الاعتراف بحقيقة أنّ مثل هذه الاحتجاجات يمكن أن تحدث التّغيير!".

وعندما سُئلت عمّا يتوقّعه المتظاهرون والكتلة النّسويّة التي تنتمي إليها من المجتمع الدّوليّ، بدت الصّغير حازمة: "التّوقّف عن تمويل أمراء الحرب في السّلطة، هذا كلّ شيء، كفى ما وقع من ضرر".

إنّ وجهة نظرها حول الحاجة إلى حلّ محلّيّ والقوّة الدّافعة التي يجب أن تقف وراء التغيير المحتمل في لبنان تعكس صدى العديد من المشاركين في الحركة الاحتجاجيّة، الذين أجريت مقابلات معهم: "لو أردت أن أكون صادقة حقّاً بشأن ما أراها قوى التّغيير الشّرعيّة؛ فإنّها الطّبقات العاملة والحركات التّقدميّة غير الحزبيّة، لا نرى دوراً للمجتمع الدّوليّ خارج وقف جهود إضفاء الشّرعيّة على النّخب الحاكمة".

بالرّغم من الانقسامات العميقة بين المعارضة الاجتماعيّة اللبنانيّة، فإنّ معظم المجموعات المكوّنة لحركة تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، أو "الثورة" كما يسمّونها، متّحدة حول اعتماد نظام دستوريّ حديث لا يحابي السّياسيّين والبيروقراطيّين على أساس الطّائفة، ولكن الكفاءة، ويبدو أنّ أنقرة ليس لديها خيار سوى ركوب هذه الموجة التي تلوح في الأفق، إذا كانت تريد كسب أرضية للتّعاون مع اللبنانيّين بما يتجاوز جاذبيّة طائفيّة محدودة.

المصدر:

كان تور، أوبن ديموكراسي، 21 تمّوز (يوليو) 2021 

www.opendemocracy.net

الصفحة الرئيسية