
تفتح التحقيقات التي أعلنتها السلطات الإيطالية في مدينة جنوة السبت بشأن توقيف تسعة أشخاص يُشتبه في ضلوعهم بجمع وتحويل أموال عبر جمعيات خيرية، نقاشاً واسعاً في إيطاليا وأوروبا حول حدود التداخل بين العمل الإنساني، والنشاط السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية، والسياسات الأمنية المتشددة التي تبنّتها دول غربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023. فالقضية، التي تقول النيابة الإيطالية إنها تتعلق بتحويل أموال يُعتقد أنها وُجّهت إلى جهات مرتبطة بحركة حماس، لا تقتصر على بعدها القضائي، بل تمتد إلى سياق سياسي داخلي وإقليمي ودولي شديد التعقيد.
ومن الناحية الإجرائية، تُعد العملية واحدة من أوسع التحقيقات من هذا النوع في إيطاليا، إذ نُفذت بالتنسيق مع دول أوروبية أخرى، من بينها هولندا، وبمشاركة الهيئة القضائية الأوروبية «يوروجاست».
ويعكس هذا المستوى من التنسيق إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن قضايا التمويل العابر للحدود، خاصة تلك المرتبطة بمناطق نزاع مفتوحة، لم تعد شأناً محلياً، بل باتت جزءاً من منظومة أمنية وقضائية أوروبية أوسع، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية.
وبحسب ما أعلنته السلطات، فإن المشتبه بهم، ومن بينهم شخصيات معروفة في أوساط الجالية الفلسطينية في إيطاليا، يُعتقد أنهم شاركوا في شبكة مالية قامت بجمع أموال قُدّمت رسمياً على أنها مخصصة لأغراض إنسانية، قبل تحويلها إلى جهات تقول السلطات إنها على صلة بحركة حماس.
وتشير التحقيقات إلى أن قيمة هذه التحويلات بلغت نحو سبعة ملايين يورو خلال عامين، فيما صادرت السلطات أصولاً تُقدّر قيمتها بأكثر من ثمانية ملايين يورو. ومع ذلك، تؤكد النيابة أن جميع هذه الاتهامات لا تزال في طور التحقيق، ولم تصدر بحق الموقوفين أي أحكام قضائية نهائية.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة إشكالية مزمنة تواجهها الدول الأوروبية منذ سنوات، تتمثل في صعوبة التمييز بين الدعم الإنساني المشروع للشعوب المتضررة من النزاعات، وبين الدعم الذي قد يُستغل – وفق تقديرات رسمية – في مسارات سياسية أو عسكرية. فالجمعيات الخيرية، خصوصاً تلك العاملة في سياق القضية الفلسطينية، تتمتع بحساسية اجتماعية وإنسانية خاصة، ما يجعل أي تحرك أمني بحقها محاطاً بجدل واسع، ويثير مخاوف من تجريم العمل المدني أو التضييق على الجاليات المعنية.
وتقرّ المؤسسات الأوروبية نفسها بأن تشديد الرقابة المالية يجب أن يتم ضمن توازن دقيق، يضمن حماية العمل الإنساني وعدم الإضرار بالمتبرعين الشرعيين، في مقابل الالتزام بالقوانين المالية ومنع إساءة استخدام الأطر القانونية. غير أن هذا التوازن يبدو هشاً في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي حول الحرب على غزة، واتساع الفجوة بين مواقف الحكومات الأوروبية وقطاعات من الرأي العام.
وفي الحالة الإيطالية، يتضاعف هذا الجدل بسبب السياق السياسي الداخلي. إذ تُعد حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني اليمينية من أقوى حلفاء إسرائيل في أوروبا، وقد أثار دعمها لتل أبيب خلال الحرب على قطاع غزة احتجاجات شعبية واسعة ومتكررة في إيطاليا.
وشهدت مدن كبرى، مثل روما وميلانو، تظاهرات حاشدة مؤيدة للفلسطينيين، عبّرت عن رفضها للموقف الحكومي، واعتبرته انحيازاً سياسياً يؤثر في طريقة تعامل الدولة مع القضايا المرتبطة بفلسطين.
وفي هذا الإطار، احتشد ناشطون إيطاليون مؤيدون للفلسطينيين في مدينة ميلانو احتجاجاً على الاعتقالات الأخيرة، ونددوا بالعملية التي نفذتها الشرطة، واعتبروها جزءاً مما وصفوه بحملة «قمع وتجريم» تستهدف النشاط السياسي والإنساني المتعلق بالقضية الفلسطينية.
وقالت منظمتا «الشباب الفلسطيني في إيطاليا» و«الاتحاد الديمقراطي العربي الفلسطيني» إن للفلسطينيين، كغيرهم من الشعوب الساعية إلى تقرير المصير، حقاً مشروعاً في المقاومة.
ويعكس هذا الحراك الشعبي اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي للحكومة الإيطالية، والخطاب السائد لدى شريحة من المجتمع المدني، التي ترى أن السياسات الأمنية الحالية لا يمكن فصلها عن الموقف السياسي العام من الحرب على غزة، وعن الدعم الذي تقدمه الحكومة الإيطالية لإسرائيل في المحافل الأوروبية والدولية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع دخول البعد القانوني الدولي على الخط. ففي أكتوبر الماضي، أعلنت ميلوني في مقابلة مع التلفزيون الحكومي الإيطالي (راي) أنها، إلى جانب وزيري الخارجية أنطونيو تاياني والدفاع غويدو كروسيتو، تواجه اتهامات بالتواطؤ في جرائم ارتُكبت في غزة، وذلك في إطار دعوى رفعتها منظمة حقوقية فلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم أن هذه الدعوى لم تسفر عن قرارات قضائية حتى الآن، فإنها تعكس تصاعد استخدام المسارات القانونية الدولية للضغط على الحكومات الداعمة لإسرائيل، وتوسيع نطاق المساءلة خارج الإطار السياسي التقليدي.
وتأتي هذه التطورات على خلفية الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023، عقب هجوم شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل، تقول السلطات الإسرائيلية إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص. وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة على قطاع غزة، تقول وزارة الصحة في القطاع إنها أدت إلى مقتل أكثر من 71 ألف فلسطيني، إضافة إلى إصابة عشرات الآلاف، ودمار واسع طال معظم البنية التحتية المدنية.
وقدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، ما جعل ملف المساعدات الإنسانية لغزة محوراً مركزياً في النقاشات الأوروبية.
وفي ظل هذا الواقع، أصبحت أوروبا، وإيطاليا على وجه الخصوص، ساحة رئيسية للنقاش حول كيفية التعامل مع تدفقات التبرعات والمساعدات الإنسانية المرتبطة بغزة، وما إذا كانت السياسات الأمنية المتبعة قادرة على تحقيق أهدافها دون الإضرار بالعمل الإنساني أو تأجيج الانقسامات الداخلية.
وفي المحصلة، تكشف القضية الإيطالية عن تداخل معقد بين الأمن والسياسة والإنسانية، وتُظهر أن التحقيقات المالية لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه أوروبا منذ اندلاع الحرب على غزة.
وبين السعي إلى تطبيق القوانين المالية وتشديد الرقابة، والخشية من تسييس القضاء وتقييد العمل المدني، تبدو إيطاليا، كما بقية الدول الأوروبية، أمام معادلة صعبة لم تتضح ملامح حلّها بعد، في ظل استمرار الصراع وغياب أفق سياسي واضح لتسويته.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

