تحت شعار: في كل مصر.. المهرجان القومي للمسرح المصري يفتتح دورته الثامنة عشرة

تحت شعار: في كل مصر.. المهرجان القومي للمسرح المصري يفتتح دورته الثامنة عشرة

تحت شعار: في كل مصر.. المهرجان القومي للمسرح المصري يفتتح دورته الثامنة عشرة


20/07/2025

في قلب العاصمة المصرية، وعلى خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، تنطلق اليوم الأحد 20 تمّوز (يوليو) الجاري، فعاليات الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، تحت شعار: "في كل مصر"، لتحمل معها نسمة إبداع جديدة تتجاوز حدود القاهرة إلى أقاليم مصر، من وجه بحري إلى الصعيد، ومن مدن القناة إلى العريش.

هذا المهرجان، الذي تنظمه وزارة الثقافة المصرية، برعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو، يمثل احتفاءً بالمسرح كفن يعكس نبض المجتمع، ويجسد دوره كأداة تنوير وتربية جمالية. هذا العام، يبرز المهرجان كتجربة استثنائية بتوسعه الجغرافي، ليحتضن محافظات مصر في سابقة جديدة، مانحًا الفرصة للجمهور في الأقاليم ليشهد عروضًا مسرحية متنوعة، ويعزز من قوة مصر الناعمة التي يمثلها المسرح بقوة.

منذ انطلاقته في العام 2006، ظلّ المهرجان القومي للمسرح المصري، مرآة تعكس ثراء الحركة المسرحية في مصر، حيث يجمع بين عروض الدولة، والقطاع الخاص، والمسرح الجامعي، وفرق الهواة، والنقابات الفنية. هذا العام، يشارك في الدورة 35 عرضًا مسرحيًا في المسابقة الرسمية، إلى جانب ثلاثة عروض على الهامش، تمثل مختلف المؤسسات الثقافية والمستقلة، بالإضافة إلى ورش عمل وندوات فكرية تهدف إلى اكتشاف المواهب الشابة، وتعزيز الحوار حول قضايا المسرح الراهنة. تتوزع فعاليات المهرجان بين القاهرة وعدد من المحافظات، في خطوة تهدف إلى كسر احتكار العاصمة للفن، وتوسيع قاعدة الجمهور، ليكون المسرح ملكًا لكل مصري يحمل شغفًا بالفرجة.

الفنان محمد رياض يودع المهرجان بحلم "في كل مصر"

في المؤتمر الصحفي الذي عُقد بسينما الهناجر بدار الأوبرا المصرية يوم 15 تمّوز (يوليو) الجاري، أعلن الفنان محمد رياض، رئيس المهرجان، تفاصيل الدورة الثامنة عشرة، مؤكدًا أنّها ستكون الأخيرة له بعد ثلاث دورات متتالية، قاد فيها المهرجان نحو آفاق جديدة. قال رياض: "نلتقي اليوم في قلب العاصمة لنحتفل بانطلاق الدورة الثامنة عشرة، من المهرجان القومي للمسرح المصري، التي تمثل عرسًا فنيًا يجمع عشاق المسرح، من كل أنحاء مصر. هذه الدورة تحمل شعار "في كل مصر"، وهي فكرة كانت حلمًا شخصيًا لي منذ توليت رئاسة المهرجان، وهدفنا أن نصل بالمسرح إلى كل مواطن مصري، من وجه بحري إلى الصعيد، ومن مدن القناة إلى العريش". وتابع: "أود أن أشكر وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، على دعمه المتواصل لهذه الفكرة، وكذلك أعضاء اللجنة العليا، والقائمين على المهرجان، وزملائي المسرحيين الذين يصنعون هذا الحراك الفني". قبل أن يكشف أنّ هذه الدورة هي الأخيرة له كرئيس للمهرجان، بعد ثلاث دورات متتالية.

...

رياض، الذي قاد المهرجان منذ دورته السادسة عشرة، أكد أنّ التوسع في الأقاليم كان تحديًا شخصيًا، وجد فيه دعمًا كبيرًا من وزير الثقافة، ممّا حول الفكرة إلى واقع ملموس. هذا التوسع لا يقتصر على تقديم عروض مسرحية، بل يشمل ورشًا تدريبية وندوات نقدية، تسعى لتعزيز الوعي المسرحي في المحافظات، وفتح المجال أمام المواهب الشابة للتعبير عن نفسها.

تكريم أحمد عبد الجليل: القيصر الذي أضاء خشبة المسرح

يشهد حفل الافتتاح اليوم، تكريم المخرج المسرحي الكبير أحمد عبد الجليل، الملقب بـ"القيصر"، ابن مدينة المنصورة، الذي أثرى المسرح المصري بمسيرة تمتد لأكثر من 50 عامًا.

بدأ عبد الجليل رحلته عام 1964 في مسرح المنصورة، حيث تأثر بنص "موت بلا قبور" لسارتر، وتتلمذ على يد عمالقة مثل: عبد الله عبد العزيز وسرور نور، قبل أن يصبح مساعد مخرج للدكتور حسين جمعة ومحمد فاضل، الذي وصفه بـ"العقلية الفوتوغرافية". وفي العام 1982، أصبح مخرجًا معتمدًا، حاملًا هموم مجتمعه إلى الخشبة.

...

أخرج عبد الجليل أكثر من 120 عرضًا مسرحيًا، تنوعت بين قصور الثقافة، المسرح الجامعي، والقطاع الخاص، وتميزت بمزج الطقوس المسرحية مع الموسيقى والغناء. كان أول من قدم المسرح الإفريقي في مصر عام 1992 بأعمال وول سوينكا، وأحيا تراث المسرح الغنائي بأوبريتات مثل "شهرزاد" و"الجنيه المصري". من أبرز أعماله "مغامرة رأس المملوك جابر"، و"الزير سالم" الذي فاز بجائزة المخرج الأول، و"شبح الأوبرا"، و"الحرافيش". عبد الجليل، الذي آمن بمدرسة "الفن للمجتمع"، يرى المسرح ضرورة تربوية وفكرية، ويؤكد أن تكريمه في افتتاح المهرجان "شرف عظيم يتوج مسيرة 50 عامًا من العطاء، ليس لي وحدي، بل للمنصورة ولكل من ساهم معي."

سمير زيدان: صاحب القمر يضيء من طنطا

في زاوية هادئة من مسرح المركز الثقافي بطنطا، التقيتُ بسمير زيدان، مصمم الديكور الأشهر في أقاليم مصر، الملقب بـ"صاحب القمر"، الذي حول الخشب والقماش إلى عوالم ساحرة. زيدان، ابن الدلتا، تحدث بحنين عن لحظة تكريمه: "كانت لحظة لم أتوقعها. بعد سبعين عامًا من العمل في صمت، شعرتُ أن المسرح يرد لي الجميل. القمر الذي صممته في عروضي كان مرآة للنص والجمهور، وهذا التكريم كأنه يضيء لي اليوم."

عن امتداد المهرجان إلى طنطا، قال زيدان: "هذه الخطوة ثورة هادئة. طنطا ليست مجرد مدينة، بل ذاكرة بصرية من المولد وخضرة الريف. أن يصل المهرجان إلى هنا يعني أن المسرح يتنفس خارج القاهرة، يمنح الشباب فرصة ليروا ويشاركوا. لكن هذا الامتداد يحتاج إلى ورش مجهزة وصيانة للمسارح." وأضاف عن دوره كمهندس ديكور: "الديكور ليس خلفية، بل شخصية درامية. في 'جسر آرتا'، صممتُ ديكورًا تكعيبيًا يروي قصة الانهيار وإعادة البناء، وفي 'باب الفتوح'، كان الديكور لغة موازية للنص. أنصح الشباب بالتكوين الأكاديمي لفهم العلاقة بين الشكل والجوهر."

المهرجان في الأقاليم: ثورة ثقافية هادئة

امتداد المهرجان إلى محافظات مثل طنطا والإسماعيلية وأسيوط يمثل نقلة نوعية في تاريخه. هذه الخطوة، التي وصفها رياض بـ"الحلم الشخصي"، ليست مجرد توسع جغرافي، بل محاولة لكسر مركزية العاصمة، وإتاحة الفرصة للجمهور في الأقاليم للتفاعل مع المسرح. العروض المقدمة، مثل "كارمن" و"حكايات الشتا" من البيت الفني للمسرح، وغيرها من العروض المستقلة، تعكس تنوع المشهد المسرحي المصري. كما تشمل الفعاليات ندوات تناقش قضايا مثل "التغيرات الاجتماعية وأثرها على التعبير المسرحي"، و"تحولات النص المسرحي المعاصر"، مما يعزز الحوار الفكري حول المسرح

لكن هذا التوسع يواجه تحديات، منها نقص الموارد وصيانة المسارح في الأقاليم. إذا أُحسن استغلال هذه المبادرة، مع توفير دعم لوجستي وفني، يمكن أن يصبح المسرح في المحافظات قوة ثقافية مستدامة، تُخرج المواهب وتُثري الوعي الجمعي.

الدورة الثامنة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، التي تنطلق اليوم، ليست مجرد حدث فني، بل احتفاء بتاريخ المسرح المصري وتطلعاته. تكريم رموز مثل أحمد عبد الجليل وسمير زيدان، يؤكد التزام المهرجان بتوثيق إسهامات المبدعين، بينما يعكس التوسع في الأقاليم رؤية طموحة لجعل المسرح في متناول الجميع. مع عروض متنوعة، وندوات فكرية، وورش تدريبية، يظل المهرجان مرآة للمجتمع، وصوتًا للشباب، وضوءًا ينير دروب الإبداع.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية