بين داعش والحشد الشعبي: العراقيون على مذبح الطائفية

بين داعش والحشد الشعبي: العراقيون على مذبح الطائفية

مشاهدة

29/10/2020

يقع العراق أمام اختبارات عديدة، في ظلّ التحديات المباشرة التي تواجهه، بينما يحاول التحرر من المعوقات السياسية والأمنية التي تحول دون استعادة قراره السياسي، وكذا التحرر من الضغوط الخارجية التي تمثلها حالة التبعية المريرة، والخضوع لشروط وإملاءات قوى غير وطنية؛ إذ إنّ الدولة التي تعرضت لتباينات في المصالح، بعد سيطرة قوى سياسية، جرى تمريرها في لحظة سقوطها التاريخي، قبل عقود، أخفقت في دورها الرئيس، المتصل بالتمثيل السياسي والحقوقي للفئات المجتمعية، وفق القانون والدستور، بغضّ النظر عن الحسابات الفئوية التي صنعتها الميليشيات الولائية والطائفية، التي جعلت من بغداد ساحة تنافس على النفوذ بين عدة لاعبين إقليميين.

 فاتورة الحرب على النازحين

صنعت الأحداث الطائفية والصراعات الإقليمية في بغداد، أزمات جمّة، أثّرت في استقرار الدولة التي تعرضت للتفكّك والتهميش، ويستوي في ذلك صعود تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر على مساحات جغرافية في العراق وسوريا، والميليشيات المدعومة من إيران، وقد حازت الأخيرة مساحات مماثلة من النفوذ الميداني، لتشتركا في عمليات تطهير عرقي، وإبادة جماعية على أساس قومي وطائفي؛ إذ كشفت مقررة الأمم المتحدة، المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، سيسيليا خيمينيز داماري، أنّه خلال الحرب ضد داعش، في الفترة بين عامَي 2014و2017 "غادر 6 ملايين شخص منازلهم" بالعراق، مشيرة إلى أنّ "أحدث الأرقام توضح أنّ 1.5 مليون منهم ما يزالون مشردين داخل البلاد".

وبحسب آخر إحصاء لوزارة الهجرة العراقية؛ فإنّ أكثر من مليون نازح عراقي، ما يزال معظمهم يعيشون في مخيمات داخل إقليم كردستان العراق، وتتوزع المخيمات كالآتي: 6 مخيمات في جنوب الموصل، و17 مخيماً في محافظة دهوك، و6 مخيمات في أربيل، و4 مخيمات في السليمانية، و2 في كركوك، و3 مخيمات في ديالى، و27 مخيماً في الأنبار، و2 في بغداد، ومخيم واحد، في محافظتي صلاح الدين وكربلاء.

اقرأ أيضاً: بالفيديو.. الحشد الشعبي يقتحم مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد... لماذا؟

وفيما يخصّ النازحين الإيزيديين التابعين لمدينة سنجار، في محافظة نينوى، شمال العراق، فقد بلغ عددهم، بحسب الأمم المتحدة، ما يقارب 350 ألف نسمة، عاد منهم نحو مئة ألف نازح إلى مناطقهم الأصلية، لكنّهم "يعانون من ظروف معيشية التي تفتقر إلى الرعاية الصحية والتعليم والمياه الصالحة والأمن".

لفت تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، قبل أيام قليلة؛ إلى معاناة نحو 400 ألف عراقي، غالبيتهم من الطائفة السنية، ما يزالون في مخيمات اللاجئين، شمال العراق

وتوضح المنظمة الأممية؛ أنّ أغلب النازحين والمهجرين في العراق، هم من الطائفة السنّية، ويقارب عددهم المليون، وهم "إما نازح يسكن المخيمات داخل إقليم كردستان، لأسباب أمنية واقتصادية، أو نازح قادر على تأجير أو امتلاك بيت جديد، في بغداد، أو محافظات الإقليم الكردي، والكثير من العوائل السنّية في العاصمة قررت الاستقرار فيها، بصورة نهائية، واستطاعت الاندماج في الأحياء السنية أو المختلطة طائفياً، وهو ما يعني حصول تغيير ديمغرافي، يتمثل بتناقص عدد سكان المحافظات السنّية، نسبياً، وزيادة سكان بغداد".

عراقيون بلا مأوى

وفي تقرير صادر عن صحيفة "الغارديان" البريطانية، قبل أيام قليلة؛ لفت إلى معاناة نحو 400 ألف عراقي، غالبيتهم من الطائفة السنية، ما يزالون في مخيمات اللاجئين، شمال العراق، وكذا بعض المناطق الخاضعة لنفوذ الأكراد؛ إذ لم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم "المدمرة بالكامل" إثر خضوعها لسيطرة داعش، وذلك بسبب سيطرة الميليشيات المدعومة من إيران، ومن بينها الحشد الشعبي، في الوقت الراهن.

وأوضحت الصحيفة البريطانية؛ أنّ الحكومة العراقية "غير مستعدة لإعادة هذه الأعداد الكبيرة إلى منازلهم، لما قد ينجم عن ذلك من صدامات بينها وبين الميليشيات"، مضيفة: "على مدى السنوات الأربع الماضية، لم تُعطى الأولوية للمصالحة، مما يعني أنّ الآلاف من الأسر التي يغلب عليها الطابع النسائي، مع الأطفال الصغار والمراهقين، لن يتمكنوا من العودة إلى ديارها، وتم استبعادهم من كل هياكل الدولة".

اقرأ أيضاً: كيف استقبل العراقيون لقاء مبعوثة أممية مع قائد في الحشد الشعبي؟

وتابعت: "لقد خسر هؤلاء الأطفال، بالفعل، ثلاث سنوات من الدراسة في عهد داعش، وأمضوا الآن عدة سنوات أخرى غير قادرين على دخول الفصول الدراسية، لأنّ السلطات ترفض إصدار شهادات ميلاد لهم"، ويضاف إلى ذلك؛ أنّ هؤلاء ليس لديهم أيّ إمكانية للوصول إلى المستشفيات، أو الحصول على المساعدة الأساسية التي يتمتع بها جميع العراقيين؛ فبدون وثائق، أو تصريح أمني، بل يتمّ منعهم من دخول أيّ مبنى حكومي، بما في ذلك مبنى المحكمة، لطلب حقوقهم القانونية".

أزمة إنسانية

وفي غضون ذلك؛ قالت كبيرة مستشاري الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية، في العراق دوناتيلا روفيرا: "ما لم يجر تمويل المساعدات الإنسانية على نحو كافٍ، وما لم يتم التخطيط لها وتنفيذها، فإنّ التدفق المحتمل لأعداد إضافية من الناس، تقدر بمئات الآلاف، ممن سينزحون هاربين من المعارك والانتهاكات الفظيعة، في ظلّ حكم تنظيم "الدولة الإسلامية"، سوف يدفع العراق إلى ما بعد نقطة الانهيار، مع ما يعنيه ذلك من عواقب وخيمة".

الباحث العراقي أحمد الجبوري لـ"حفريات": الحكومة العراقية الحالية، تخشى مواجهة فصائل الحشد الشعبي، بسبب خشيتها من النتائج السلبية، وذلك على ضوء الموقف الأمني الهشّ

وبحسب المنظمة الأممية المعنية بحقوق الإنسان؛ فإنّ "الغالبية الساحقة من النازحين في المخيمات، أو الذين يقطنون في مواقع بناء غير مكتملة في أنحاء البلاد، لا يستطيعون الحصول إلا على قدر ضئيل مما يسد حاجاتهم الإنسانية الأساسية، والرعاية الطبية، أو لا يستطيعون الحصول عليها مطلقاً.

وقد كانت استجابة السلطات العراقية لمساعدة النازحين غير كافية، على نحو كبير، كما تجاهلت غالبية دول العالم محنتهم، بالدرجة نفسها".

وفي حديثه لـ "حفريات"؛ يشير الباحث العراقي، أحمد الجبوري، إلى أنّ الحكومة العراقية الحالية، تخشى مواجهة فصائل الحشد الشعبي، بسبب خشيتها من النتائج السلبية، وذلك على ضوء الموقف الأمني الهشّ، الذي من الممكن أن ينزلق بالأوضاع إلى ما كانت عليها قبل هجوم داعش.

ويضيف الجبوري: "الحكومة لا تريد أن تفقد حضورها المعنوي الضئيل بين المواطنين، وهي تكسَر فعلياً من قبل فصائل عقائدية متطورة في العتاد والسلاح، لا سيما أنّها تواجه منظومة عسكرية رسمية مخترقة بالفساد والولاءات الحزبية (الجيش أنموذجاً)؛ ولهذا تواصل الحكومة سياسة الاحتواء تجاه الحشد الشعبي، والتعاطي معه كمنظومة داخل الدولة، على الرغم من سلوكه الذي لا يشي بذلك".

كما يلفت الباحث العراقي، إلى أنّ الحشد اليوم سلطة أمنية موازية، لها أبعاد سياسية تخالف سياسة الدولة العراقية، نتيجة ارتباطاتها الفقهية بمرجعيات في إيران، والحكومة تدرك ذلك، بل والشارع العراقي يدرك ذلك أيضاً.  

الصفحة الرئيسية