بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي

بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي

مشاهدة

23/06/2019

ترجمة: كريم محمد


هل يمكنك البدء بإخبارك إيّانا عن تجربتك السينمائيّة المبكرة؟

كنتُ صغيراً جداً عندما ذهبت إلى السينما للمرة الأولى، وكان المسرح بعيداً للغاية عن منزلنا، ولأنّها كانت في مدينةٍ أخرى، فلم يكن آباؤنا يسمحون لأبناء عمّي أو لي بالذهاب، لذا كنّا نتسلّل خفيةً، كنّا نذهب إلى هناك متأخرين، ولا نشاهد سوى الدقائق العشرين الأخيرة من الفيلم.
هناك، أعتقد أنّ تجربة الإنتاج السينمائيّ ابتدأت بالنسبة إليّ؛ فعندما كنت أعود إلى البيت، كنتُ أتساءل عمّا كان الجزء الأوّل من الفيلم، أحاول أن أتخيّله وأصنعه في رأسي، لعبَ ذلك دوراً هائلاً في أن أغدو مخرجاً سينمائيّاً.

هل تتذكّر الفيلم الأوّل الذي أثّر فيك حقّاً؟

حينما كنّا صغاراً، شاهدنا الأفلام على تلفاز الأبيض والأسود على الأغلب، كلّ يوم جمعة، كنّا نشاهد أفلام تشارلي شابلن وباستر كيتون، أو أفلام هارولد لويد، كانوا مشهورين جداً في إيران، وفي الوقت نفسه، ونظراً لأنّنا كنّا في أتون الحرب، فكان هناك بعض أفلام الحرب الفرنسيّة والألمانيّة على التلفاز، الفيلم الأوّل الذي أثارني حقّاً كان فيلم "الساموراي السبعة"، الشيء الوحيد الذي عرفته أنّه لم يكن يشبه الأفلام الأخرى بتاتاً، لقد كان شيئاً جديداً.

أصغر فرهادي: حينما كنتُ مراهقاً، كان للسينما الإيرانيّة أكبر الأثر عليّ

مع نموّك، ماذا كانت علاقتك مع السينما الإيرانيّة؟

حينما كنتُ مراهقاً، كان للسينما الإيرانيّة أكبر الأثر عليّ، لقد كنتُ في السابعة من عمري عندما وقعت الثورة في إيران، وفي هذا التوقيت، كانت الهواية الوحيدة التي بحوزتنا هي السينما، السينما ولا شيء غيرها، ورغم أنّ إيران كانت في حربٍ مع العراق، إلّا أنّه كانت هناك أفلام جيّدة جداً أُنتِجت في هذا الوقت، فلدينا مخرجٌ يُدعى بهرام بيزاي، والذي يعيشُ الآن في الولايات المتحدة الأمريكيّة؛ حيث أثّرت أفلامه بي. وما داريوش مهرجوئي سوى مخرجٍ آخر أخرجَ أعمالاً عظيمة وألقى بتأثيره عليّ أيضاً، في عملي"The salesman"  الفيلم الذي يقوم المدرّس بعرضه في الحصّة، هو فيلم "البقرة" لمهرجوئي، وأعتقدُ أنّه واحدٌ من الأفلام العظيمة في تاريخ السينما الإيرانيّة.

خلال دراستك، كتبت أطروحتك حول هارولد بنتر، وهو أمرٌ مثير للتفكير في سياق كتابتك، بماذا أوحى لك عمله؟

عندما كنتُ أعملُ على أطروحتي، بدأتُ بدراسة اللغة في أعمال بنتر، والشيء الذي أثارني في أعماله هو الصّمت في مسرحياته، تتحدثُ الشخصيات كثيراً، لكنّ المسرحيات تُبدي أنّهم يتحدثون لإخفاء شيءٍ ما، كلّ شيء كامن أسفل هذا الصمت.

كيف وجّهتك علاقتك بالمسرح في أعمالك كمخرج أفلام؟

قبل أن أدخلَ إلى السينما، كنت طالبَ مسرحٍ وعملت في المسرح، وقد شُكِّلت شخصيتي المهنيّة خلال تلك الأعوام السّبع، هنالكَ فهمت ما أحبّه في السينما، وما لا أحبّ، كانت فترةً بدأتُ فيها أقرأ المسرحيات الأجنبيّة، وقد فتحت لي عالماً جديداً بالكامل.

هل تجدُ أنّ لديك أسلوباً مختلفاً أو ممارسة مغايرة عندما تعمل كمخرجٍ في أوساط وبيئات مختلفة؟

أشعرُ في كلّ وسطٍ أنّني الشخص نفسه، تغيّر الوسط والتقانات تختلفُ، بيد أنّني لا أتغيّر، فعندما كنتُ أعمل في التلفاز، على سبيل المثال، كانت قصصي منصبّة حول المجتمع والصّلات بين الناس، يبدو أنّ هذه قضيتي الداخليّة التي أرجعُ إليها طوال الوقت.

اقرأ أيضاً: المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها

لكلّ شخصٍ أسئلة حول حياته الخاصّة، وبوصفي أعمل في السينما، فعندي الفرصة لتقاسم تلك الأسئلة مع الناس الآخرين، أحد الأسئلة التي عندي طوال الوقت هو سؤال كيف نبرّر قيام شخص ما بعملٍ هو أخلاقيّ أو غير أخلاقيّ، في فيلمٍ تلو فيلمٍ، بدأتُ في طرح هذا السؤال بطرقٍ مخلتفة؛ فعندما خرج الجمهور من فيلمي "The salesman"، كان لديهم السؤال الذي لديّ نفسه: أيّة شخصيّة كانت تقوم بالشيء الصحيح؟

من أين نشأت لديك فكرة فيلم "The salesman"؟

عادةً ما تبدأ قصصي بصورة، لا أعرف من أين أتت، غير أنّ الفكرة كانت عالقةً في ذهني لمدّة، بالنسبة إلى هذا الفيلم، فقد كان لديّ صورة لخشبة المسرح، وهناك رجل الإضاءة الذي يقوم بإشعال الأضواء وإطفائها في أجزاء مختلفة من خشبة المسرح، وفي النهاية، يشعلها جميعها، ويمكنك أن ترى خشبة المسرح كلّها.

أثّرت فيّ أفلام عبّاس كيارستمي كنت أحترمه وكانت لدينا صداقةٌ طيّبة إنّه المعلم

أعتقدُ أنّ هذه الصورة تشبه أفلامي: فأنت دائماً ما ترى أجزاءً من الروابط الأسريّة، ثمّ في النهاية عندما يتّضح كلّ شيء، تشعر وكأنّك شاهدتَ الأسرة بأكملها، لقد وضعتُ هذا المشهد في بداية الفيلم، لكنّني لم أكن أعرف ما هي القصّة، في الفيلم؛ يبدأ الفاصل بين الحياة الحقيقيّة والمسرح يتلاشى، ويصبح هذا المنزل، في نهاية المطاف، بمثابة خشبة مسرح.

هل أحببت عمل آرثر ميلر دوماً؟

نعم، أنا أحبه لأنّه يتحدث عن العلاقات بين الأفراد داخل الأسرة، ومسرحياته متعددة الزوايا، إذا كنت سياسيّاً، فسترى الجزءَ السياسيّ منها؛ وإذا كنتَ تهتمّ بالعلاقات، فسترى العلاقات؛ وإذا كنت معنيّاً بالمجتمع، فسترى المجتمع، وهذا ما أحبّه.

الطريقة التي مسرحتَ بها موت البائع في الفيلم حميميّة وجذّابة، أردتُ التوقف عندها ومشاهدة الأمر كلّه، هل ما تزال تريد الاتجاه نحو المسرح؟

بالفعل أثناء التصوير، أخبرني الطاقمُ بأنّني عندما ينتهي الفيلم يجب أن أمضي وأقوم بعمل مسرحيّة، غدا الأمر جديّاً بالنسبة إليّ، وعلى الرغم من عدم توفّر وقت، إلّا أنني أفكر بأنّه ربما يتوجّب عليّ أن أقوم بذلك.

بوصفكَ فنّاناً، ما الذي تجنيه مختلفاً من إخراج فيلم عن إخراج مسرحيّة؟

أعتقدُ أنّ المسرحَ مختلفٌ جداً عن السينما، لا سيّما عندما أعملُ مع شخصٍ ما في كتابة أخرى، المسرح فيما أعتقدُ هو محض صرف، أقرب للموسيقى؛ لا يوجد فيه شيءٌ زائد عن الحدّ.

 آرثر ميلر

أنت دائماً تنتزعُ أداءاتٍ قويّة ونزيهة من ممثّليك، بماذا يشبه نهجك معهم؟

يتوقّف الأمر على الممثل، بيد أنّني أقوم بكثيرٍ من البروفات قبل التصوير، يتأتّى ذلك الأمر من خلفيتي المسرحيّة، إنّني أتعاطى مع بعض الممثلين بطريقةٍ عاطفيّة، وأحاول أن أضعهم في مواقف عاطفيّة، ومع البعض الآخر، يكون عليّ عادةً أن أوضّح لهم كيما يفهموا.

ما هو جزء السيرورة الإخراجيّة الذي ما تزال ميالاً له؟

الجزء الأجمل والأصعب من الصنعة السينمائيّة بالنسبة إليّ هو الكتابة؛ فعندما أكتب، أستمتع بالكتابة، وأشعر أنني لستُ في هذا العالم، وكلّ مرّة أقوم فيها بالكتابة، أقول دائماً بأنّها المرّة الأخيرة، إنّها نوعٌ من التعذيب الممتع.

مَن هم بعض المخرجين المحدثين الذين تحبّهم؟

إنّهم كثرٌ، مايكل هانيك، نوري بيلج سيلان، ألكساندر باين، ألفونسو كوارون، أليخاندرو غونزاليس إيناريتو.

ما هو آخر عمل شاهدته وأثّر فيك؟

المرة الأخيرة التي تأثرت فيها كانت قبل الأسابيع الثلاثة من موت عبّاس كيارستمي؛ حيث شاهدنا أفلامه القصيرة الأخيرة التي أخرجها في بيته، وقد أثّرت فيّ، حقّاً احترمت عبّاس، وكانت لدينا صداقةٌ طيّبة، إنّه المعلم.


المصدر: A Conversation with Asghar Farhadi

الصفحة الرئيسية