بين الديني والعلماني... شخصيات حائرة هل تصنع مجتمعاً متوازناً؟

بين الديني والعلماني... شخصيات حائرة هل تصنع مجتمعاً متوازناً؟

مشاهدة

22/10/2018

نفترض أنّ "الحَيْرة" من أقدم مواقف الإنسان إزاء الكون اللامتناهي، فإليها ترجع أوهامه من جانب، ومن جانب آخر؛ يسعى إلى اكتشاف القوانين الكونية، وما يزال الإنسان حائراً بين الأوهام والحقائق؛ لذلك نعود إلى ما بدأنا به مقالتنا السابقة، هنا، على موقع "حفريات"، كي نتوقف ملياً عند مسألة التوتر والتنابذ بين التعليم الديني والتعليم العلماني، وما له من أثر في خلق تنابذ بين اللاهوت (التيولوجيا) وبين العلم في شخصية الفرد، وحياة المجتمع، وما ينجرّ عنه من تنابذ بين تصورين للعالم ومعنيين للحياة، ومن صراع نفسي – ذهني، بين إمكانية تعقُّل العالم الفعليّ، والانشغال به، والاشتغال فيه، والمشاركة في إنتاجه والاستمتاع بخيراته وجمالياته، وبين العزوف عنه أو الانصراف عنه، وتعويضه بعالم وهميّ، لا بمجرد عالم (متخيَّل)؛ فالعالمان، الواقعي والوهمي، محاران، أي مرجعان، يتأرجح الفرد بينهما، فلا يجني من حيرته وتردّده وتقلُّبه بينهما سوى بوار، أي سوى نقص وفساد؛ تقول العرب: حار الرجل وبار، (لسان العرب، مادة (حور)، لأنه لا يفعل شيئاً أكثر من تحوير ما رجع عنه وما رجع إليه، من طريق التلفيق).

الحديث عن الواجبات لا معنى له إلا حين يكون حديثاً عن ممكنات أخلاقية لدى أفراد لا يخضعون لأيّة سلطة غير سلطة الوجدان والضمير

قوام العالم الوهمي يقينيات ثابتة، أو "حقائق" نهائية وغيبيات، علاوة على الخرافات والأساطير، ومحوره هو "الوعد والوعيد"، أو الثواب والعقاب، وهما ركنا العلاقات الاجتماعية في النظم والمنظومات البطركية، ومبادئها الذكورية، بدلاً من الحقوق والمسؤوليات.

على هذا الصعيد؛ ثمة فرق نوعي بين الواجبات والمسؤوليات، نطمسه حين نقول: "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات"، والصحيح أنّ المواطنين متساوون في الحقوق والمسؤوليات القانونية (الموضوعية)، لا في الواجبات (الذاتية)، والمواطنات مساويات للمواطنين، ومتساويات معهم في الحقوق المدنية والسياسية والمسؤوليات القانونية، لا في الواجبات، والدساتير والقوانين، بخلاف الشرائع الدينية، تقرر حقوقاً ومسؤوليات، ولا تقرر واجبات، إلا لدى سلطات مضلِّلة تخفي تسلطها خلف "الواجبات الأخلاقية".

اقرأ أيضاً: الدين العلماني عند عبدالكريم سروش

فالحديث عن الواجبات لا معنى له، ولا قيمة له، إلا حين يكون حديثاً عن ممكنات أخلاقية لدى أفراد لا يخضعون، في حياتهم الأخلاقية لأيّة سلطة غير سلطة الوجدان والضمير، (سلطة "العقل العملي")، بقدر ما يدركون أهمية الروابط الاجتماعية والإنسانية وأولويتها في حيواتهم الشخصية وحياتهم النوعية (العامة).

مدار الكلام هنا؛ حول كيفية تشكّل "العقل العملي" لدى الناشئة، ولدى الراشدات والراشدين أيضاً؛ إذ ثمة طريقتان لا ثالثة لهما لتشكيله: طريقة التلقين والإملاء، التي ينتهجها التعليم الديني، الذي يغرف من اللاهوت، لا من الدين؛ (أوحى الله إلى نبيه بكذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ...إلخ)، وطريقة الكسب والاكتشاف، التي يؤسّسها، أو يُفترَض أن يؤسّسها، التعليم العلماني: اكتشف كوبرنيكوس أنّ الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس، واكتشف إسحاق نيوتن قانون الجاذبية، وابتكر فلان كذا وكذا، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: أيّ مستقبل لعلمانية المسلمين؟

نزعم أنّ منهج التعليم الديني، التلقيني والآمر الناهي، هو السائد في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، سواء في تلقين "العلوم الدينية"، وفرض "حقائقها" فرضاً، أو في تلقين العلوم الطبيعية والاجتماعية، وفي تعليم اللغة والتاريخ وسائر المواد الأخرى، وفرض "حقائقها" فرضاً، فلا ينتج من هذا التعليم كلّه سوى ما نسميه: الشخصية الحائرة، ومن أشهر معاني الحيرة: "الرجوع عن الشيء والرجوع إليه"، أي التقلُّب والتحوّل من وضع إلى نقيضه، والحيرة تختلف عن الشكّ المنهجي، الذي حدثنا عنه ديكارت، وهو "غربلة الأفكار ونخلها، أو نقدها، وإخضاعها لمبادئ العقل".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

فإذا كانت الحيرة سمة بارزة من سمات الشخصية في مجتمعاتنا، ونزعم أنها من أبرز سماتها، يجوز لنا أن نصف المجتمع المعني بأنه مجتمع حائر، ينتقل من وضع إلى نقيضه بلا عناء أو معاناة، أو ينقلب مما وصل إليه إلى ما كان عليه؛ فقد قبل المجتمع السوري الناشئ، على سبيل المثال، بالليبرالية، ثم قبل بالشمولية أو التسلطية، دون أن يدافع أو تدافع نخبه عن مبادئ الليبرالية وقيمها ومناهجها، وتحول ماركسيون إلى ليبراليين وقوميين، وإلى إسلامويين أيضاً، دون أن يرفّ لأحدهم جفن، وتحوّل مؤمنون إلى ملحدين، أو العكس، دون أن يرفّ لأحدهم جفن.

تعيش الشخصية الحائرة في عالمين متناقضين: العالم الواقعي، الذي يصوره التعليم العلماني، والعالم الوهمي؛ الذي يصوره التعليم الديني

شخصيات حائرة ومجتمعات حائرة؛ هذا ما نحن عليه، وما أنتجناه في المدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات؛ أليست ذروة الحيرة تردُّدنا بين الحداثة والتقليد، أو بين المعاصرة والتراث، أو بين الديمقراطية والشورى، أو بين العلمانية واللاهوتية (التيولوجية)، أو بين المواطنة والرعوية، وبين الوطنية والطائفية؟

تعيش الشخصية الحائرة في عالمين متناقضين: العالم الواقعي، الذي يصوره التعليم العلماني، والعالم الوهمي؛ الذي يصوره التعليم الديني، وهذا الأخير عالم تراتبي، على صعيد القيم، تبعاً للأرزاق وعلاقات "القوة"، لا على صعيد التقسيم الاجتماعي للعمل، وما يولِّده هذا التقسيم الضروري من علاقات متبادلة بين الأفراد والجماعات، وما تنسجه هذه العلاقات من انتظامات وتنظيمات، عالم (وهمي) قوامه الواقعي "واجبات"، واجبات "الأدنى" إزاء "الأعلى"، والأضعف إزاء الأقوى، والمغلوب إزاء الغالب، و"الأقلية" إزاء "الأغلبية"، والنساء إزاء الرجال، وهي واجبات لا تقابلها أيه حقوق، ولا تقتضي أية مسؤولية، لذلك تأخذ "الحقوق" صورة المنح والهبات والمكرمات ("الأعلى" شخص غير مسؤول إلا أمام شخص "أعلى" غير مسؤول، وهكذا إلى قمة الهرم، (والله غنيّ عن العالمين)، والمستبدّ غنيّ عن رعاياه، وغير مسؤول عن بؤسهم وشقائهم، وهذا منشأ التشخيص والتجسيد في العقائد الدينية كافة، ولو من قبيل الاستعارة والرمز، ومنشأ عبادة الفرد في الأيديولوجيات كافة، وليس من قبيل الاستعارة والرمز، فحافظ الأسد كان يقول: "أنا باني (خالق) سوريا الحديثة"، ويحقّ لوريثه أن يقول: أنا هادم سوريا، لأبني سوريا أحدث.

اقرأ أيضاً: أنور السباعي: هل علينا إقامة خلافة إسلامية علمانية لنرضي الجميع؟!

ولما كانت المسؤولية قرينة الحرية المدنية، النسبية دوماً، بخلاف الحرية الطبيعية المطلقة؛ إذ لا مسؤولية بلا حرية مدنية، ولا حرية مدنية بلا مسؤولية، لا يُفهم من إحلال "الواجبات" محلّ المسؤوليات إلا إنكار الحرية، بدءاً من حرية التفكير والتعبير، وصولاً إلى استقلال الوجدان وحرية الضمير، اللهم سوى حرية "الأعلى"، الذي يمنح، ويمنع، ويعيِّن "الواجبات"، وقد اتفق مفكرون وباحثون في أنّ الاستبداد حرية مطلقة لشخص واحد، وعبودية مطلقة لرعاياه، ولذلك يوصف المستبدون بصفات إلهية، كما تخبرنا "الآداب السلطانية":

لا يتوازن مجتمع أفراده حائرات وحائرون، متقلبات ومتقلبون، ولا يتماسك ولا يتقدم؛ فالشخصية الحائرة تؤسس مجتمعاً حائراً

ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار.

هذه صورة عن صورة اجتماعية – اقتصادية وسياسية وأخلاقية لعلاقة العبد بالسيد والتابع بالمتبوع، أو علاقة العابد بالمعبود، ولا فرق، والأولى هي الأصل، هذه الواجبيَّة أو الواجباتيَّة (من الواجب والواجبات) لا علاقة لها على الإطلاق بما سمّاه الفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط "أخلاق الواجب"، المؤسَّسة على استقلال الوجدان وحرية الضمير وتساوي البشر كافة في الكرامة الإنسانية، وفي الحقوق المدنية والسياسية، والمرفوعة إلى درجة العمومية، أي إلى مسؤولية الإنسان عن إنسانيته، وعن بيئته الطبيعية والاجتماعية.

لسنا ضدّ الدين والتعليم الديني، لكننا ضدّ أن يكون التعليم الديني من مهام الدولة، وأداة بيد السلطة؛ فالتعليم الديني حقّ للمؤسسات الدينية، يجب أن يحميه القانون، ويحميها، ويمنع تدخل السلطة السياسية في شؤونها، كي يسهم كلٌّ من التعليم الديني والتعليم العلماني في بناء شخصية حرّة ومستقلة ومتوازنة، على هذين الصعيدين: الأول ينتج لاهوتيين متوازنين، والثاني ينتج علمانيين متوازنين، وعلمانيات بالطبع، لا يتوازن مجتمع أفراده حائرات وحائرون، متقلبات ومتقلبون، ولا يتماسك ولا يتقدم؛ فالشخصية الحائرة تؤسس مجتمعاً حائراً.

الصفحة الرئيسية