بنزين خامنئي يشعل روح الثورة في الإيرانيين من جديد

إيران

بنزين خامنئي يشعل روح الثورة في الإيرانيين من جديد

مشاهدة

20/11/2019

بعد انتفاضتي لبنان والعراق، ها هي إيران تواجه في ساحتها الخلفية انتفاضة أطلقها الشعب الإيراني الذي يتعرض إلى القمع منذ قيام ثورة 1979، التي جلبت معها أصحاب العباءات والعمائم الذين لقبوا أنفسهم بمُصدري الثورة. ثم تنازلوا عن هذا الحق اليوم مدّعين على لسان خامنئي أنّ إسرائيل المحتلة هي من تُشيع الثورات المدبرة، خصوصاً في إيران.

خامنئي: مشاغبون ومخربون هم من يجتجون، وإسرائيل وراء المشكلة الأمنية في إيران!

وفي سابقةٍ تاريخية، تبرّأ المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، من عدد كبير من أفراد شعبه الذين تظاهروا ضد شظف العيش، مدعياً أنّهم "مجرد مشاغبين"، وهو يرى أنّ إسرائيل من دبرت الاحتجاجات الشعبية على رفع أسعار البنزين، وقد بدا خامنئي في خطابه، رجلاً يسكن خارج سياق العالم، ولا يعي معنى الانهيار الاقتصادي والقمع الاجتماعي والسياسي الذي مارسه نظامه باسم الثورة طوال عقود، فما هي أبرز ملامح تلك المظاهرات الشعبية العارمة في إيران اليوم؟ وما أثرها على النظام الإيراني مستقبلاً؟

ليسوا إيرانيين
الذين كانوا أطفالاً حين قامت ثورة 1979 باسم التحرر والتقدم والأخلاق الإنسانية، كبروا اليوم، ومعظمهم بلغ الأربعين من العمر وأكثر، إلى أن جاء يوم السادس عشر من الشهر الجاري، الذي توج معاناة عقودٍ من القمع الاجتماعي والتردي الاقتصادي؛ إذ تعلن الحكومة الإيرانية عن زيادة كبيرة في أسعار الوقود، اندلعت على إثرها المظاهرات الشعبية في عدة مدنٍ إيرانية، مارس الشعب فيها حقه في الرفض والتعبير عن سوء أحواله، يقوده هؤلاء الذي كانوا أطفالاً ذات زمن، ممن كبروا ليعرفوا بصورةٍ قاطعةٍ اليوم، أنّ الثورة الإيرانية لم تقم إلا ضدهم، وضد مستقبلهم!

اقرأ أيضاً: فضيحة الوثائق الإيرانية: هكذا عمل "الإخوان" ضد السعودية في اليمن

الإيرانيون، وعلى مدى ثلاثة أيامٍ فقط من اندلاع احتجاجاتهم "دفعوا مئات المعتقلين، وأكثر من مئة قتيل، والعديد من المختطفين، ثمناً لاحتجاجاتهم" وفقاً لتقرير نشرته "بي بي سي" في العشرين من الشهر الجاري. وبحسب تقارير أوردتها منظمة العفو الدولية، فإنّ عدد القتلى "ربما أكثر بكثير مما هو معروف الآن... خاصةً أنّ مشاهد عديدة تم تصويرها، تظهر إطلاق قوات الأمن النار على المتظاهرين"، بحسب تقرير "بي بي سي" ذاته، إلا أنّ الأمور لم تتوقف عند هذا الحد.

اقرأ أيضاً: "قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية
وسائل إعلامٍ عالمية عديدة، أكدت حدوث اشتباكاتٍ بين المواطنين الإيرانيين وقوات الأمن في العاصمة طهران، وكذلك في مدن: "شيراز، وأصفهان، وكرج، والأهواز، وكرمنشاه، وتبريز وغيرها، وقد أخذت الاشتباكات طابعاً عنيفاً ومقلقاً، خصوصاً بعد توسع الاحتجاجات إلى معظم الأقاليم في إيران وسط شعار شعبي تم رفعه (الموت لخامنئي) مما أشعل ردة فعلٍ عنيفة لدى السلطات الأمنية". وفقاً لـ "إندبندنت عربية" في تقرير لها نشر في التاسع عشر من الشهر الجاري.

ينتفض الإيرانيون ضد قمع طال لعقود

ولكن القمع والقتل والاعتقال، لم تكن الإجراءات الوحيدة التي اتخذت ضد المواطنين المدنيين؛ بل شنّت حملة إعلامية شرسة وخطيرة ضدهم، تصدرها المرشد خامنئي نفسه، الذي قال ليل الثلاثاء الماضي إنّ "ما يحصل هو مشكلة أمنية، وهي ليست من صنع الشعب، وإنّ ما يحصل هو عمل مخربين ومشاغبين، مدفوعين من الخارج، وقد تم التصدي لهم وللأعداء من الخارج" وهم ليسوا إيرانيين، بحسب "إندبندنت عربية".

النظام الإيراني قطع الإنترنت مهدداً بالقمع والقتل والترويع حتى لا يتمكن أحد من الاطلاع على ما يعانيه الشعب الإيراني المنتفض

وفيما يشكل خطاب خامنئي منحنى خطيراً جداً، في مهاجمته الملايين من أفراد شعبه ومنهم مئات آلاف المنتفضين ضد قراراته الاقتصادية الدكتاتورية، فإنّ خامنئي يضع نفسه في مأزقٍ سياسيٍ خطير؛ إذ يبدو واثقاً أنّ العنف والقتل والترويع، سوف تجعل كلمته تنتصر ضد كلمة الشعب. إلا أنّ احتمالات سقوطه هذه المرة، تبدو كبيرةً؛ لأنه يمثل بكل عنجهية تراكمات سلبية منذ عهد الخميني، اتسمت بالقمع الديني والسياسي، وإرهاب الشعب في الداخل، ثم تخويفه من خلال خلق عداوات خارجية، جعلت إيران دولةً (متوحشة) في نظر دول وشعوب عربية وعالمية عديدة.
مروحية تطلق الرصاص على متظاهري شيراز:
https://twitter.com/odisho89/status/1196465914209808384

ورغم تشدّق النظام الإيراني بمحاربة الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود، ورغم عقيدة (المقاومة) التي تم استخدامها أداةً للقمع في إيران، ولإسكات الشعوب في لبنان والعراق من قِبل الفصائل التابعة لإيران هناك، مثل؛ حزب الله وكذلك جزء كبير من قوات الحشد الشعبي، فإنّ صورَ "طائراتٍ مروحية تطلق النار على المتظاهرين الإيرانيين العزل" انتشرت، ووصلت إلى العالم، وهي لا تقل وحشيةً وشكلاً ومضموناً، عما كان يفعله الاحتلال بالفلسطينيين أثناء انتفاضتهم عام 2000، فعن أي مقاومةٍ يتحدث خامنئي اليوم هو ونظامه، إلا إذا كان يقصد مقاومة الشعوب وحريتها.

يراهن خامنئي على سلاح النظام المفضل بالترويع وشيطنة شعبه

لا إنترنت ولا حرية

معتمداً على رجعية في القول والفعل، هدد النظام الإيراني شعبه بإبقاء الإنترنت مقطوعاً عن إيران، طالما احتجاجات الشعب قائمة، وكأنّه يقول لشعبه: سوف يتم التنكيل بكم وربما قتلكم دون أن يعلم أحد. لكن العالم ليس مجرد قريةٍ صغيرةٍ فقط؛ بل إنه عالمٌ يشتم رائحة الموت والتصلب الذي تنشره إيران بصورةٍ دائمة، دون الحاجة لتقصّي بصماتها داخل إيران، فذات أسلوب القمع استخدم في العراق مؤخراً، وبعضه كذلك في لبنان أثناء انتفاضته الحالية، والفاعلون هم أتباع إيران المعروفون ذاتهم. إلا أنّ النار التي أراد لها النظام الإيراني أن تأكل ثوار العراق ومطالبهم، اشتعلت في ثوب خامنئي وثلّته هذه المرة، وبالبنزين ذاته الذي أحرق قنصلية إيران المتسلطة في كربلاء قبل زمنٍ قصير.

تظاهرات شعبية وقمعٌ عنيف: https://bit.ly/2O2NUXm

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث مصطفى الأنصاري، أنّ إيران "شنقت نفسها بحبل الاحتجاجات الذي امتد من لبنان، مروراً بالعراق، ووصولاً إلى طهران؛ حيث رُدت بضاعة سليماني إليه" بعد ما مارسه مع نظامه من عنفٍ في العراق تحديداً، ومحاولةٍ لإظهار السيطرة الإيرانية على سياسات العراق بالتحديد.

اقرأ أيضاً: أبرز المعيقات التي تمنع تطور التقارب بين تركيا وإيران
ويضيف الأنصاري، في تقريره على "اندبندنت عربية" في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، أنّه ومن داخل إيران، قال محللون ومختصون من أهمهم فرهاد رضايي، أنّ "التطورات في لبنان والعراق، ستجعل طهران في وضع صعب للغاية وغير متوقع، على الرغم من التدابير القمعية المتخذة، والتي يباهي سليماني بخبرة رجاله فيها، منذ قمعهم للثورة الخضراء في إيران عام 2009".

مروحيات للباسيج تطلق الرصاص على المتظاهرين في مدن إيران في مشهد للاحتلال في فلسطين يكرره نظام محور المقاومة

ويشير الكاتب أيضاً، إلى "بداية نهايةٍ محتملة، لمشروع إيران التوسعي في العراق وغيرها، بعد أن أصبح النظام وجهاً لوجه مع شعبه، الذي يستعد لمحاسبة النظام الإيراني، وجعله يدفع فاتورة تجويع ونبذ الشعب". وهو ما يضع احتمالاتٍ كبيرة لتغييراتٍ في المستقبل القريب سواء في بنية النظام الداخلية، وكذلك سياساته الخارجية العدائية.
النظام الإيراني اليوم، الذي اعتمد قدسية مزيفة من خلال علاقة مصطنعة بين مرشد أوحد ودكتاتور، ادعى أخذ  صلاحياته من الله تعالى، وقام بتصدير الثورة إلى شعوب المنطقة ثم تنصّل من شعبه وبدأ بقتله حين ثار، كما قام بتحويل المقاومة ضد الاحتلال خلال عقود، إلى ذريعةٍ للتغلغل في دولٍ عربية كلبنان واليمن، واستغل ضعف العراق ليتوسع اقتصادياً وسياسياً على حساب شعبه ومستقبله، يواجه الآن ثورة شعبٍ أغلق الطرقات، ووقف عاري الصدر، رغم الترويع والقتل، من أجل أن يضع حداً للأيديولوجيا المتعالية والوحشية، التي جسدها النظام الإيراني في الداخل والخارج، وذلك علّ الوطنية وكرامة الشعب وأمنه الاقتصادي تعود محوراً للحكم في إيران، بدلاً من سياسات جعلته يعيش عقوداً، يتلظّى بلهيب الموت، وهو يمشي على حافة الهاوية.

الصفحة الرئيسية