بعد انتهاك حقوق الأحياء: إسرائيل تعاقب جثامين الشهداء الفلسطينيين

بعد انتهاك حقوق الأحياء: إسرائيل تعاقب جثامين الشهداء الفلسطينيين

مشاهدة

05/09/2021

لم تكتفِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الإمعان بانتهاك حقوق الأحياء من الشعب الفلسطيني، لتلجأ لمعاقبة جثامين الشهداء واحتجازهم في مقابر الأرقام وثلاجات الموتى، دون أن يتم تسليمها لذويهم لدفنها وفق الشعائر الدينية الإسلامية، لتمارس سياسة عقاب جماعي بحقّ الشهداء وذويهم، الذين ترفض السلطات الإسرائيلية منحهم شهادات وفاة، أو الإفصاح عن أماكن أو ظروف احتجازهم، في انتهاك واضح للقوانين والأعراف الدولية.

وفي مقابلة بثّها التلفزيون الإسرائيلي، عام 2012، مع البروفيسور الإسرائيلي، يهودا هيس، الرئيس السابق لمعهد التشريح "أبو كبير"، قال إنّ المقابر" تقع جميعها في مناطق عسكرية مغلقة، ويتمّ دفن الشهداء في قبور لا يزيد عمق الواحد منها عن 50سم، القبور فيها متلاصقة، وقد انكشفت هذه القبور بفعل العوامل الطبيعية من مياه الأمطار والرياح وانجرافات التربة، ما أدّى إلى اختلاط عظام الشهداء بعضها".

اقرأ أيضاً: لماذا تتقاسم عائلة فلسطينية منزلها مع مستوطنين في حيّ الشيخ جراح؟

وكان الكنيست الإسرائيلي قد تبنى توصية من وزير الجيش، بيني غانتس، في أيلول (سبتمبر) 2020، باحتجاز جثمان كلّ فلسطيني ينفذ هجوماً، ثم عاد الكابنيت وسمح بإعادة الجثامين ضمن شروط تقييدية، دون السماح بتسليم جثامين الشهداء المرتبطين بحماس، إضافة إلى الشهداء الذين نفذوا هجمات غير عادية وأدّت لقتلى وجرحى، مع إمكانية دفنهم في مقبرة خاصة.

يتمّ دفن الشهداء في قبور لا يزيد عمق الواحد منها عن 50سم

ووفق الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين، التي تأسست عام 2008؛ فإنّ ما تم توثيقه استناداً إلى بلاغات عائلات الشهداء والفصائل الفلسطينية التي كانوا ينتمون لها، تمّ احتجاز حوالي 400 شهيد، فيما تمّ تحرير جثامين 131 منهم، وما يزال 253 شهيداً محتجزاً في مقابر الأرقام.

4 مقابر

وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية في السنوات الأخيرة عن 4 مقابر؛ إحداها في منطقة عسكرية عند ملتقى الحدود الإسرائيلية لسورية اللبنانية، واثنتان بمناطق عسكرية في غور الأردن، والرابعة شمال مدينة طبريا.

ونشرت شبكة "CNN" الأمريكية، عام 2008، تقريراً كشفت فيه النقاب عن معطيات جاء فيها أنّ إسرائيل تعدّ أكبر مركز عالمي لتجارة الأعضاء البشرية بشكل غير قانوني، وعن تورطها في جريمة قتل فلسطينيين بهدف سرقة أعضائهم الداخلية والاستفادة منها بشكل غير شرعي، والاتجار بها ضمن شبكة دولية بشكل غير قانوني، وأنّ دولة الاحتلال هي الدولة الوحيدة التي تحتجز جثامين الشهداء، وتنتهجها كسياسة، في مقابر الأرقام.

الصمت الدولي وغياب المحاسبة والملاحقة الدولية، شجّعا الاحتلال الإسرائيلي على التمادى في ارتكاب العديد من الجرائم بحق السكان الفلسطينيين، من بينها احتجاز جثامين الشهداء

وتنصّ المادة (34) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف الأربعة، تلك التي تفرض التزاماً قانونياً على السلطات الحاجزة يقضي بضرورة القيام بدفن الأشخاص الذين توفوا بسبب الاحتلال، أو أثناء الاعتقال الناجم عن الاحتلال، أو الأعمال العدائية، باحترام الإجراءات التي تتناسب مع ثقافتهم الدينية واتباعها، وبعدم جواز انتهاك رفاتهم، وتقديم بيانات ومعلومات وافية عنهم، وحماية مدافنهم وصيانتها بصورة مستمرة، وتسهيل وصول أسر الموتى إلى المدافن واتخاذ الترتيبات العملية بشأن ذلك، بما في ذلك تسهيل عودة رفات الموتى وأمتعتهم الشخصية إلى ذويهم.

ويحيي الشعب الفلسطيني، في 27 آب (أغسطس) من كلّ عام، اليوم الوطني والعالمي لاسترداد جثامين الشهداء الذين تحتجز أغلبهم سلطات الاحتلال في مقابرها العسكرية السرية، التي تسمى مقابر الأرقام، وجزء من الشهداء ما يزالون محتجزين في الثلاجات الباردة.

سياسة إسرائيلية قديمة

ويرى مدير مركز حريات للحقوق المدنية، حلمي الأعرج، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين سياسية إسرائيلية قديمة بدأت منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967، والتي كانت تقوم على قتل المواطنين والفدائيين في أثناء المعارك العسكرية، واحتجازهم بما يعرف بمقابر الأرقام أو في ثلاجات الموتى، في حين تزايدت أعداد الاحتجاز الصهيونية للشهداء مع ارتفاع العمليات الفدائية في الأراضي المحتلة، والتي كانت تتمّ من الأردن والجنوب اللبناني في مطلع ثمانينات القرن الماضي".

 حلمي الأعرج

ويعتبر الأعرج الاحتجاز الإسرائيلي لجثامين الشهداء بمثابة "سياسة عقاب جماعي وجريمة منظمة، تهدف لإخفاء الشهداء قسراً وسرقة أعضائهم ومعاقبة ذويهم، والتأثير على الحالة المعنوية للسكان الأحياء، تحديداً المناضلين والمقاومين منهم، في محاولة صهيونية لردعهم"، موضحاً أنّ "السياسة الإسرائيلية تفاقمت عندما لجأت قوات الاحتلال لقتل المواطنين بدم بارد واحتجاز جثامينهم؛ حيث ما يزال 60 جثماناً محتجزاً، منذ عام 2015 حتى اليوم، وذلك بهدف ردع الجيل الشاب عن المقاومة".

قرار سياسي وأمني

احتجاز الشهداء هو قرار إسرائيلي سياسي أمني، لمعاقبة الفلسطينيين ومحاولة ابتزاز ومساومة المقاومة الفلسطينية للإفراج عن الجنود الصهاينة الأسرى لديها. "الاحتلال مجبر على إيجاد حلول لهذه القضية؛ لذلك نجد أنّه يحاول دوماً إخفاء الجريمة والمماطلة في إعادة جثامين الشهداء لذويهم".

ولفت الأعرج إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية تواصل الإمعان بسياسة حجز جثامين الشهداء الأسرى والذين استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي المتعمد من قبل مصلحة السجون بحقهم، حيث يحتجز الاحتلال جثامين ثمانية أسرى، أقدمها يعود لأحد الأسرى، الذي استشهد عام 1980، بعد إضرابه عن الطعام، في سجن نفحة الصهيوني".

مدير مركز حريات للحقوق المدنية، حلمي الأعرج لـ "حفريات": احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين سياسية إسرائيلية قديمة بدأت منذ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967

وحول كيفية الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإجباره على التوقف عن انتهاك الكرامة الإنسانية للشهداء وعائلاتهم؛ بيّن الحقوقي الأعرج؛ أنّه "على الرغم من التعنت الإسرائيلي نحو هذه القضية، إلا أنّ الجهود الدبلوماسية الرسمية الفلسطينية نجحت عام 2014، بعودة جثامين 200 شهيد فلسطيني، وهذا يدفع لمواصلة الالتفاف العربي والرسمي والدولي حول هذه القضية والمتابعة القانونية لها، للوصول إلى حرية هؤلاء الشهداء، ليتم دفنهم بالطريقة التي تتناسب وتضحياتهم".

الصمت الدولي وغياب المحاسبة

من جهته، أكد عبد الناصر فروانة، رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحررين؛ أنّ "الصمت الدولي وغياب المحاسبة والملاحقة الدولية، شجّعا الاحتلال الإسرائيلي على التمادى في ارتكاب العديد من الجرائم بحق السكان الفلسطينيين، من بينها احتجاز جثامين الشهداء؛ إذ يعدّ الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة في العالم التي ما تزال تمارس هذه الجريمة بشكل علني ودائم، بموافقة أعلى المستويات السياسية والأمنية الإسرائيلية".

عبد الناصر فروانة

وأوضح فروانة، لـ "حفريات"؛ أنّ "إسرائيل تخشى الفلسطينيين، حتى بعد استشهادهم، وتسعى للانتقام منهم بعد تنفيذ بعضهم لعمليات بطولية ضدّ أهداف صهيونية، لردع الفلسطينيين ومعاقبتهم بعدم تسليمهم لعائلاتهم، ليتم دفنهم بما يتوافق والشريعة الإسلامية، وكذلك لاستخدامهم من قبل الاحتلال كورقة ضغط ومساومة على فصائل المقاومة، لإبرام صفقة تبادل مع الجانب الإسرائيلي".

إخفاء الحقائق

ولفت إلى أنّ "الاحتلال، باحتجاز جثامين الشهداء، يحاول إخفاء الجرائم المرتكبة بحقهم، من خلال ترك هذه الجثث تتحلل، وذلك من الأهداف غير المعلنة التي يسعى الاحتلال لتحقيقها، لعدم التعرف على ظروف وملابسات وفاة هؤلاء الشهداء، أو مدى تعرضهم لعمليات سرقة أعضاء وغيرها، حيث إنه لطالما تقوم سلطات الاحتلال بإخفاء الحقائق، وترفض السماح لوسائل الإعلام بالوصول أو الاقتراب من أماكن احتجازهم، سواء في مقابر الأرقام أو داخل ثلاجات الموتى".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تعمق محنة مرضى السرطان في غزة

وحدد فروانة مسؤولية الضغط على الاحتلال للإفراج عن جثامين الشهداء بأنها "ملقاة على الجميع، بمن فيهم السلطة الفلسطينية والفصائل والمؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام، لتوظيف كافة الجهود اللازمة لتسليط الضوء على هذه القضية، وفضح الممارسات الصهيونية بهدف كبح هذه الجريمة، ووضع حلول جذرية ونهائية لها، لإغلاق هذا الملف، إضافة إلى ضرورة وضع ملف استعادة جثامين الشهداء على طاولة مطالب المقاومة لإتمام أيّة صفقة تبادل بينها وبين الاحتلال".

الصفحة الرئيسية