برامج "الجزيرة".. "سرّي للغاية" يروج لتنظيم القاعدة

برامج "الجزيرة".. "سرّي للغاية" يروج لتنظيم القاعدة
10244
عدد القراءات

2017-11-21

ما تزال صورة العربي أو المسلم الإرهابي التي أطلّت بمفهومها الأوسع على العالم لأول مرة من على شاشة قناة الجزيرة القطرية بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2011 ماثلة في الأذهان، وهي الصورة التي ساهمت لاحقاً في تبرير معظم الحروب والنزاعات الإقليمية التي تعاني منها المنطقة اليوم، إضافة إلى مواجهة الإسلام لمصطلحات عززتها هذه الصورة؛ كالإسلاموفوبيا، والإرهاب الإسلامي.

المثير للجدل، أنّ قناة "الجزيرة" بعد تلك الأحداث التي شهدها العالم، لم تكتفِ بإظهار أسامة بن لادن ورجالاته من تنظيم القاعدة الإرهابي وهم يلوحون بأصابعهم مهددين العالم بالإرهاب في أي زمان ومكان، خاصة أنّ عمليتهم الأكبر بتفجير برجي التجارة في أمريكا كانت ضد مدنيين؛ بل قدمت القناة برامج صحفية ووثائقية من باب السبق الإعلامي، ساهمت في التلاعب بهذه الصورة لسنوات.

صورة المسلم الإرهابي التي روجتها "الجزيرة"ساهمت بتبرير معظم الحروب والنزاعات الإقليمية التي تعاني منها المنطقة

"سري للغاية"، أحد أبرز تلك البرامج التي سوّقت لهذا التنظيم الإرهابي، وبررت لشبكة معقدة من النزاعات في المنطقة العربية لاحقاً، ولا يوجد مثال أبرز كما حلقته المبثوثة على موقع يوتيوب العام 2008، وهي من جزأين بعنوان: (الطريق إلى 11 سبتمبر وأجراس الخطر)، علماً أن بث البرنامج على شاشة الجزيرة بدأ منذ العام 2002.

الإعلامي يسري فودة

يسري فودة، الإعلامي المصري، مقدم البرنامج ومعده، وصاحب قصة شرائط الفيديو الشهيرة لمخططي "غزوة مانهاتن" كما يسميها قادة تنظيم القاعدة الإرهابي، يبدأ الجزء الأول من البرنامج بقوله: " طائرتان أمريكيتان ضربتا مبنيين أمريكيين فيما قيل لنا أنها عملية إرهابية، من يعلم؟".
ويشير فودة إلى أنّ القناة تفتح ملفات لم تفتح من قبل، ثم يتوسع البرنامج في خلفيته الصوتية التي تتنوع بين أناشيد دينية تحث على "الجهاد"، وموسيقى مجردة، إلى أن يأتي على ذكر قصة حياة محمد عطا  أحد مخططي عملية تفجير البرجين بدرامية مثيرة للتعاطف، ولينتقل فيما بعد ليعرض محتوى قرص تركه له رمزي بن شيبة أحد قياديي القاعدة، وهو الشريط الذي بُث لاحقاً، بعد القبض على بن شيبة بتاريخ 11 أيلول (سبتمبر) 2002.

فودة:  ربما دفعت "الجزيرة" مبلغ مليون دولار مقابل شرائط حصرية لقيادات في تنظيم القاعدة

تعليمات واضحة ومباشرة من بن شيبة لفودة، تطالبه بالحفاظ على سرية أشكال من يقابلهم من شخصيات القاعدة، كما يطلب منه إجراء مقابلة مع الدكتور الكويتي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين عبدالله النفيسي، إضافة إلى المحلل السياسي الفلسطيني عبد الباري عطوان، ليشاركا في البرنامج عن تنظيم القاعدة، ويعده في النهاية بمقاطع حصرية لأسامة بن لادن زعيم التنظيم.

البرنامج استضاف عطوان بالفعل، وترك له المساحة ليقول: "إنّ منفذي ومخططي هذه العمليات من نخبة المتعلمين العرب، وفي أفضل جامعات العالم، لذا، يجب ألا نقلل من قدراتهم أو نعتبرهم أغبياء، حتى لو اختلفنا مع طريقة تفكيرهم لأن التقليل من شأنهم أمر معيب".

تلقى يسري فودة تعليمات واضحة ومباشرة من بن شيبة تطالبه بالحفاظ على سرية شخصيات "القاعدة" الذين يقابلهم

أما بخصوص شرائط الفيديو الحصرية لقيادات في تنظيم القاعدة، وكانت تشكل لفودة سبقه الصحفي لأجل برنامج سري للغاية وكذلك لقناة الجزيرة، فيورد فودة ضمن كتابه "في طريق الأذى"، الصادر عن دار الشروق المصرية العام 2015، أنّ قناة الجزيرة، "ربما دفعت مبلغ مليون دولار "، وذلك بناء على طلب "مجاهدين" أخفوا الشرائط، وأعلنوا أنهم يحتاجون إلى الدعم المادي في ظل ظروف الجهاد الحرجة.
ويشير فودة في الكتاب نفسه إلى أنّ المبلغ ربما تم دفعه، كما يقول إنّه لم يشك أبداً في أنّ تنظيم القاعدة هو من خطط "لغزوة مانهاتن"، وأنه (أي فودة) أول من وصل إلى المخططين، وعرضهم للعالم من خلال قناة الجزيرة، ثم يضيف في عبارة ربما تحمل بعض المبالغة: "كنت أتنقل هنا وهناك، ألتقيهم وأحصل على المعلومات، فيما مخابرات العالم تضرب أخماساً بأسداس".

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما جدية الانقلاب الأمريكي الإسرائيلي على النظام العراقي؟

2020-04-07

بين فترة وأخرى، تعمل قوى الإسلام السياسي الحاكمة في العراق، على ترويج فكرة الانقلاب العسكري على النظام من قبل الأطراف المعارضة البعثية أو الجانب الأمريكي، بغية كسب التعاطف الشعبي (الشيعي تحديداً)، الذي يخشى من العودة إلى الماضي، بعد فضاء الحرية الذي عاشته البلاد، رغم "مساوئ" النظام الحالي و"فساده غير المنقطع النظير".

اقرأ أيضاً: أمريكا تتخذ إجراءات دفاعية في قواعدها بالعراق

وسائل إعلام عراقية روجت في الأيام الماضية لإمكانية حدوث انقلاب عسكري، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بالتضافر مع جهود ضباط عراقيين لردع المحور الإيراني النافذ داخل السلطة في العراق، في حين تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع الفكرة، وفق ثنائية الأمنيات والسخرية بزوال "النظام الطائفي" من جهة، والتحذير من مخاطر المجهول من جهة أخرى.

وتعود فكرة الترويج للانقلاب العسكري، بعد عام 2003، إلى الحقبة الثانية لحكومة نوري المالكي (2010-2014)، الحكومة التي عمل إعلامها وفق منهجية وثقافة المؤامرة، والتغطية على أسئلة الشارع المحلي المطالب بالأمن والخدمات، في حين عادت لاحقاً مع انطلاق الاحتجاجات الأخيرة، لتعاود الظهور مجدداً في ظلّ الصراع الأمريكي الإيراني داخل العراق.

ماذا يقول تحالف الفتح؟
يذهب تحالف الفتح (بزعامة هادي العامري المقرب من إيران)، بقوة، إلى إمكانية حدوث انقلاب على النظام الديمقراطي القائم في العراق، وذلك بعد انحسار تأثيرات المحور الأمريكي على مراكز سلطة القرار في بغداد.

مواقع التواصل الاجتماعي تستقبل فكرة الانقلاب العسكري في العراق بروح النكتة والفكاهة والخلاص من الحاضر، ومراقبون يستبعدون

محمد الخضري، نائب عن الفتح، أكّد لـ "حفريات" "وجود مؤامرة كبيرة تصاغ ضدّ العراق بالكامل، بتخطيط أمريكي – إسرائيلي، ومؤسسات المجتمع المدني، والبعثيين والناس المغرضين، ومخابرات دول الجوار، بتأجيج الوضع الطائفي والمظاهرات، بتسييرها لجهة إسقاط النظام".
وأشار إلى أنّ "القوات الأمنية بأكملها تديرها العمليات المشتركة، ولن يتحرك جندي من مكان إلى آخر إلا بموافقة العمليات، ولا يمكن لوزير الداخلية أو الدفاع أن ينقل فوجاً من بغداد إلى ميسان، إلا بموافقة العمليات المشتركة"، مؤكداً أنّ "الأمريكيين وحلفاءهم يقفون وراء أيّ محاولة للانقلاب، نتيجة انحسار دورهم وتأثيرهم على الحكومة الحالية".
وعن الضمانة السياسية للنظام الحالي، بيّن الخضري؛ أنّ "وجود الكتل السياسية يمثل شراكة بين كلّ أطياف الشعب، السنّي والشيعي والصابئي والمسيحي، والأمن مشترك وكلّ شيء مشترك".

جدلية الانقلاب في السوشيال ميديا
واجتاحت فكرة حدوث انقلاب على النظام الحالي، مختلف مواقع التواصل الاجتماعي داخل العراق؛ حيث رحّب كثيرون بها، في حين استهزأ الآخرون بالساسة الحاكمين والقادمين أيضاً.
محمد لطيف، مدون في الفيسبوك، علّق على الفكرة قائلاً: "الوضع بائس، من يأتي سيكون أكثر بؤساً، رحل صدام حسين الفاسد، وجاء من هم أفسد منه"، مضيفاً "لا تتأملوا شيئاً في ظلّ بلاد تعيش أزمة وطن وأزمة مجتمع"، موضحاً: "المشكلة ليست في هذا النظام أو ذاك، بين المشكلة هي في مجتمعنا المنتج لساسة وقادة وجنرالات فاسدين موالين لدول الجوار والولايات المتحدة الأمريكية".

اقرأ أيضاً: القضاء على الميليشيات الإيرانية حاجة عراقية
وعلى النقيض من تشاؤم لطيف، يرحّب أحمد الموسوي بأية محاولة للخلاص من الطبقة الحاكمة التي وصفها بأنّها "أوغلت كثيراً في دماء العراقيين".
وأكّد، على صفحتهِ بالفيسبوك، أنّ "الدماء التي سالت تتحملها السلطة القائمة منذ 16 عاماً، ولا سيما الدماء التي سالت في ساحات الاحتجاج"، مبيناً أنّ "الساسة بعد 2003 لم يقدموا نموذجاً مختلفاً عن نموذج النظام السابق، لا سيما أنّهم جاؤوا بآليات ديمقراطية وليست ديكتاتورية"، وتابع "مرحباً بأيّ انقلاب، لعلنا نعيش مستقبلاً أفضل".

محللون "الانقلاب أكذوبة لا أكثر"
من جهتهم، رأى محللون سياسيون عراقيون، أنّ إمكانية إحداث انقلاب سياسي "غير الممكن" في الظرف الاجتماعي والسياسي العراقي.

باحثون اجتماعيون لـ "حفريات": الذهنية العراقية قابلة لنظرية المؤامرة، لذا هي تصدق أيّ ترويج لفكرة الانقلاب

ويقول الدكتور خالد العبيدي، محلل سياسي، لـ "حفريات": "زمن الانقلابات العسكرية، والتغيير من الخارج، ولّى، نحن اليوم نعيش عصر التأثير في القرار السياسي من قبل فاعلين دوليين يعملون في الخفاء"، لافتاً إلى أنّ "الواقع الاجتماعي المنقسم في العراق لا يسمح بقيام أيّ انقلاب، لا سيما أنّ التركيبة الحالية للنظام العراقي، هي تركيبة طائفية قومية".
وأكّد "محاولة الانقلاب في الظرف الراهن، أكذوبة لا أكثر، وإن وجدت، ستعمل على شقّ الهوية الوطنية ووحدة البلاد، من خلال إعلان الكرد استقلالهم، ومقاومة الميليشيات الشيعية لأيّ طارئ جديد على السلطةِ غيرهم، وهم ما يعدّ تغييراً سنياً، يفضي بالنهاية إلى قتال طائفي بين السنّة والشيعة".
وأشار العبيدي إلى أنّ "القوى الدولية الممتعضة من التدخلات الإيرانية داخل العراق، لا تريد زعزعة الاستقرار النسبي للأخير، والذي جاء بعد قتال مرير مع الإرهاب، وبدعم أمريكي وإيراني للحكومة العراقية على حدٍّ سواء".

الذهنية العراقية وثقافة المؤامرة
لا يختلف العراقيون عن غيرهم من الشرقيين في اعتناق ثقافة ونظرية المؤامرة، التي يعدّها باحثون في علم النفس الاجتماعي "طبيعة شرقية" تساهم الأنظمة الحاكمة في ترسيخها.

اقرأ أيضاً: سياسيون عراقيون ينددون بجعل بلادهم حلبة صراع إيراني- أمريكي
أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة ميسان، عباس الساعدي، يؤكد أنّ "الطابع الفكري للفرد العراقي يقوم على ثقافة التلقي والتصديق في كلّ شيء مثير، دون العودة للتفكير والتمحيص والتدقيق"، عازياً ذلك إلى "ثقافة البيئة الشرقية عموماً والعراقية تحديداً، التي تؤمن بالثأر والغنيمة والتسقيط والانقلاب على الآخر".

ويضيف لـ "حفريات": "العقل المرن، لا يسمح بثقافة كهذه، تخترق عقله، وتسيّر واقعه، وفق إشاعات تطلق من هذا المحور أو ما يناقضه، بل سيروم إثارة الأسئلة حول الموضوع المثار، للوصول إلى حقيقة وجوده من عدمه، ويتخذ حينها قراره النهائي".
وأكد الساعدي؛ أنّ "الأنظمة السياسية الحاكمة هي من تفاقم نظرية المؤامرة في الذات العربية، عبر زجّها بالمناهج الدراسية وتناول مفاهيمها من خلال وسائل الإعلام ومحتويات التواصل الاجتماعي في المجمل العام"، متسائلاً: "كيف سيخرج الفرد في ظلّ هكذا فضاء ثقافي ملغوم؟!".
الانسحاب الأمريكي من قواعده العسكرية
وفي ظلّ تطورات الأوضاع في العراق، أعلنت قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، انسحابها من القواعد العسكرية التابعة لها في العراق.
بيان لقيادة العمليات المشتركة العراقية قال إنّه "بناء على نتائج الحوارات المثمرة بين الحكومة العراقية، والتحالف الدولي، جرت إعادة الموقع الذي كانت تشغله بعثة التحالف داخل معسكر "k1"،  في محافظة كركوك، شمال البلاد، إلى القوات العراقية"، وأضاف: "تسليم المعسكر تمّ بعد انسحاب التحالف الدولي منه وفق التزامه بإعادة المواقع التي كان يشغلها ضمن القواعد والمعسكرات العسكرية العراقية".

اقرأ أيضاً: العراق في النفق الأمريكي الإيراني
وبدأت قوات التحالف الدولي ضدّ الإرهاب بتقليص قواعدها في العراق، بتسليم أول قاعدة عسكرية لها، للجيش العراقي، بعد أيام من تقديم الحكومة العراقية شكوى دولية ضدّ الانتهاكات الأمريكية، التي تسببت بمقتل 6 وإصابة 12 من أفراد الأمن، بدايات الشهر الجاري.
وأعلنت خلية الإعلام الأمني العراقي، الخميس الماضي، أنّ القوات الأمنية العراقية، تسلمت قاعدة القائم العسكرية في محافظة الأنبار، غرب البلاد، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي منها مع تجهيزاتها العسكرية كافة.

للمشاركة:

لماذا قتل المنصور أبا مسلم الخراساني؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-04-07

في عقده الثالث، مات "أبو مسلم الخُراساني"، مقتولاً على يد الخليفة العباسي الثاني "أبو جعفر المنصور"، بعد أن حمل لواء الدعوة العباسية، ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم، لكنّه ظلّ حياً في الوجدان الشعبي الفارسي، الذي وصل به الأمر إلى اعتباره المهدي المنتظر الذي سيعود في آخر الزمان فيرسي في الأرض عدلاً ورحمة، لكنّه لم يعد، بل تجسد في شخصيات أخرى، كان أهمّها بابك الخرمي ودعوته التي كانت أهم معوّل هدم لحكم بني العباس.

حمل لواء الدعوة العباسية ومكّن بني العباس من مقاليد الحكم

الرضى من آل محمد
لأكثر من ثلاثة عقود، انتشر العباسيون في ربوع البقاع الإسلامية، بدعوتهم التي في ظاهرها تحالف مع أبناء عمومتهم من العلويين، إلى جانب عنصر الموالي الذي كان الأكثر حقداً على حكم بني أميّة، وتحت شعار "الرضى من آل محمد"، اجتذبوا خصوم السلطة لصفوفهم، ونظموا أنفسهم بشكل غير مسبوق لانتزاع الحكم من أبناء معاوية.

كان أبو مسلم الخراساني أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي

ولكن كان سبب النجاح عاملاً اجتماعياً مهماً، وهو ما يسمى في الاصطلاح الحديث "الصراع الطبقي"، الناجم عن صراع الموالي "وهم من أسلم من غير العرب: أي الفرس والسريان وغيرهم"، الذين عوملوا من قبل الدولة كمواطنين من الدرجة الثانية، وكانت الصراعات القبلية العمياء بين المضرية واليمنية بشكل خاص تلعب دوراً في هذا الضعف الأموي؛ إذ إنّ خطاب الدولة الأموية كان أشبه بما نعرفه اليوم بخطاب اليمين المتطرف، فهو يسعى لسيادة الجنس العربي على غيره، حتى وهم من دينه نفسه، وهو عكس ما أتى به الإسلام ونبيه، فكان الموالي يعاملون بشيء من التعالي، ولا يتقلّدون المناصب الإدارية العليا، وغير مسموح لهم بالتجنيد في الجيش، وهو ما زاد حنق الموالي عليهم، خاصة الفرس الذين دخلوا الإسلام جموعاً في بداياته، ورغم ذلك فرضت عليهم الجزية!

مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، أحمد مختار العبّادي، في كتابه "في التاريخ العباسي والأندلسي"؛ أنّ "تذمّر الموالي من سوء المعاملة والتفرقة العنصرية بينهم وبين العرب، كان من أهم عوامل سقوط الأمويين، وانتصار دعوة العباسيين، الذين استغلوا هذا الحنق بجانب الحقد التاريخي من العلويين الذين انتزع حقهم في الخلافة انتزاعاً، لذا فإنّ ثورات الفرس، خاصة في خراسان، هي ما أرهق خلفاء بني أميّة، الذين لم يكفوا عن إخماد ثورة تقوم تلو الأخرى، وكانت في الأساس ثورات مطلبية، بحثاً عن مساواتهم بالمسلمين العرب، ورفع الجزيات والضرائب التي أرهقت العامة، خاصة الفلاحين منهم، لذلك فإنّ دعوة العباسيين التي كانت الأكثر تنظيماً عما قبلها من ثورات، وبفضل "أبو مسلم الخراساني"، الذي تولى زمام تلك الدعوة وهو في العشرينيات من عمره، ونجح في تنظيم الجماهير، حتى أنّه بات رمزاً لتلك الثورة، التي ستُعلي من شأن الموالي، خاصة الفرس منهم، وبحسب كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، للمؤرخ المُعتزلي "أبو الحسن المسعودي"؛ فإنّ نسَب أبو مسلم متنازعٌ عليه، فمنهم من يرى أنّه من العرب، لكن رجّح المسعودي، أنّه كان عبداً فارسياً ثُمّ اعتنق الإسلام، واتصل بإبراهيم بن محمد حامل لواء الثورة على بني أمية، وأوكلت إليه القيادة لما رأى فيه من الذكاء والقوة وقدرة على التأثير في الجموع.
اللمسة الفارسية
ربما أكثر ما أكد عليه المؤرخون من مختلف المدارس؛ أنّ النفوذ الفارسي في الدولة العباسية، كان الأكثر حضوراً، حتى في ظلّ تواجد العنصر التركي، لكنّه لم يكن بالأثر نفسه الذي تركه الفرس على تلك الحقبة، يتجلى هذا في أبهى صوره من خلال تتبع المنتج الثقافي والعلمي والاجتماعي، الذي كان الفرس يتصدر مشاهده المهمة، حتّى إنّ المؤرخ المصري، عبد الحميد العبادي، يجزم بأنّ معظم العلوم والفنون التي ترجمت وألفت في تلك الحقبة، كانت بفضل الفرس، الذين عدّهم وقود الثورة، واصفاً تلك الحقبة بأنها "نهاية السيادة العربية"، حتى في المراحل اللاحقة للخلافة، لم يعد العنصر العربي مهماً كما كان في عصرالأمويين، وكان الفضل الأول في هذا يرجع لقيادة قائد محنك وذكي، وله من الحضور ما جعل كلمته مسموعة في الأمصار، حتّى إنّ الخليفة الأول للعباسيين، كان يستعين به في التفاهم مع المعارضة بالشكل السياسي أحياناً، والحرب غالباً، لإخماد أيّ تمرّد يلوح في الأفق، وهو ما استفزّ "أبو جعفر المنصور"، ثاني الخلفاء، الذي أدرك في قرارة نفسه أنّ السلطة لا تقتسم، وأنّ المنافس الوحيد له على كرسيّ الخلافة كان الخراساني، فكان من اللازم التخلص منه.

كتاب "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، للمؤرخ المُعتزلي "أبو الحسن المسعودي"

غير أنّ هذا الخوف بدأ منذ حكم "أبو العباس السفاح"، الذي حاول الحدّ من نفوذ الخراساني، الذي بعد أن أرسى قواعد حكم العباسيين (132هـ)، ظلّ يقود جيوشه لقيود الثورات التي انطلقت عامين متواصلين حتى 134هـ، حتى وصل إلى أواسط آسيا، وهزم جيوش الصينين، التي دخلت للمرة الأولى حروباً مع المسلمين، وهو ما جعل نفوذه وحضوره يطغى بين الجماهير، فلمّا طلب الحج، عام 135هـ، بحراسة عشر آلاف جندي، رفض الخليفة وأمره بأخذ ألف فقط، وأمر أخاه المنصور بأن يحجّ في العام نفسه، وهنا بدأ "أبو مسلم" يشعر بالخطر، وأنّ العباسيين يحاولون تقويض نفوذه، بل كان نذيراً بأنّ نهايته قد اقتربت، كما يروي المسعودي، ولكن سرعان ما مات "أبو العباس"، وتولى "المنصور"، الذي كان حريصاً على نهاية هذا النفوذ، وهو ما يؤكّده أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا، الدكتور محمد  فياض، في حديثه لـ "حفريات" قائلاً: "كان تخلص "أبو جعفر المنصور" من الخُراساني، أمراً طبيعاً، يدخل في إطار تصفية الخصوم السياسيين؛ لأنّه أدرك أنّ نفوذ هذا الرجل مُهدّد لنفوذ دولتهم التي سارعت لترسيخ قواعد حكمها بنسب ظلّ الألوهية لخلفائها، ولفقت العشرات من الأحاديث المنسوبة زوراً للنبي تتحدث عن مشروعية حكمهم".
الأفكار لا تموت
وأردف قائلاً: "لكنّ هذا الاغتيال لم يمنع من حضور "أبو مسلم الخراساني" في الذهنية الفارسية، التي ظلّ حنقها مستمراً، وسيكون هو سبب انهيار تلك الدولة كما كان سبب بنائها"، وبناء على  ما خطّ المؤرخ الفارسي، وأحد أشهر وزراء السلاجقة "نظام الملك"، في كتابه "سير الملوك"؛ فإنّه لما قُتل مزدك قبل الإسلام، وكان أول من حثّ في تلك المناطق على شيوعية الأراضي والمال بين الناس كطريقة للعدالة، خرجت زوجته تبشر سراً بأفكار زوجها، وانتشرت أفكاره في تلك الحقبة، حتى بدأت تتجلى من جديد، في الصراع الطبقي بين الموالي والعرب، فاتخذ "أبو مسلم" من هؤلاء الناس أتباعاً له، وبشرهم بعدالة جديدة تنتظرهم إذا ما أسقط الأمويين، لذلك فجّر قتله غضب هؤلاء الطامحين إلى العدالة، بعد أن قتله المنصور في قصره، عام 137هـ، وعليه خرجت جماعات وفرق انتشرت في خراسان والعراق، تسمي نفسها "المسلمية"، نسبة إليه، ومنهم من آمن بأنّه المهدي المنتظر، منتظرين عودته في آخر الزمان؛ إذ تزعّم تلك الحركة رجل من نيسابور، يدعى سنباذ، ودعا للثورة ضدّ المنصور، واستطاع الخليفة قتله بعد 70 يوماً من الجهر بدعوته في طبرستان.

بنى الخراساني نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سيتبلور في الثورات التي قامت لاحقاً

يزعم الباحث في التاريخ الإسلامي ممدوح مكرم، في حديثه لـ "حفريات": أنّ "مقتل الخُراساني كان سبباً أولياً أدّى إلى تراكم هزّ وزعزعة نفوذ العباسيين؛ إذ بنى الرجل نفوذه على حبّ الناس وتعلقهم بفكرة العدالة التي سيحققها، وهو ما سنجده في الثورات التي قامت لاحقاً، خاصة القاضية الناهية على نفوذ بنو العباس، وهي ثورة بابك الخرمي، التي صدّعت دعائم هذا الحكم، وكان السقوط مرحلة وقت ليس أكثر"، لم يمضِ على هذا الصراع الذي سرعان ما أخمده المنصور سوى خمسة عقود، حتى استعادت الجماهير روحها الثورية، ومنحها حرب الخصوم الآخرين وقتاً إضافياً؛ إذ انصرف المنصور إلى قمع ثورات العلويين الذين زاد حنقهم على أبناء عمومتهم الذين أخذوا الخلافة بعد أن أيّدهم العلويون واتفقوا على اقتسامها، وانصرف الرشيد، بعد المنصور وابنه، إلى حرب الخوارج الذين استطاع القضاء عليهم، ثم تركوا المأمون ابن الرشيد وحيداً أمام نفوذ بابك الخرمي، الذي ظهر كبطلٍ للخراسانيين، الذين عدّوه إحياءً لأفكار سلفه، بينما رآه آخرون إحياء لأفكار مزدك الاجتماعية، على الأقل؛ إذ اعتمدت دعوته على مشاعية الموارد، ومنع اكتناز الثروة، وتقسيم الإنتاج حسبما يحتاج كلّ فرد.

ربما كان "أبو مسلم الخراساني" حلقة الوصل بين المزدكية والخرمية، لكنّه كان أبرز ما أنتج الصراع الاجتماعي الاقتصادي، الذي أجّجه الأمويون من سيادة النفوذ العربي، واستغلال الموالي باعتبار الجنس، غير مبالين بالمساواة الدينية، لكن ما أكده المؤرخون، أنّه أنشأ الدولة العباسية، وقتله كان أول معاول هدمها، الذي لم يستلزم سوى الوقت والثورات التي أضعفت الخلفاء واحداً تلو الآخر.

للمشاركة:

منى الشيمي من العزل الصحي: الكتابة من وحي الألم

2020-04-06

ظنّت الشيمي، وهي في الخمسين من عمرها، أنّ الحياة اكتفت منها، وأنّ زواجها قبل عامين من حبيب عشقها من حروفها قبل أن يلقاها هو المنتهى، يكفي ألم أيها العالم، غير أنّ الإجابة جاءت أسرع مما تتوقع، في عزل مدينتها بالكامل، بسبب فيروس كورونا، مدينة ينتظر جميع سكانها الموت في أي لحظة، أو الحياة من جديد، ولأنّ ما عاشته الشيمي ازدادت معه صلابتها فقد اختارت الحياة، وبدأت في كتابة خطابات يومية إلى زوجها، الذي تفصله عنها مئات الكيلومترات، بين الغردقة مدينة العزل، والقاهرة مدينة الحبيب، تحكي له كل شيء، تبدأ بفلسفة العالم في التعامل مع فيروس كورونا، وتنتهى بمعاتبته الدائمة لها في أنها لا تحسن غسيل الأطباق في المطبخ، لذلك ينوب عنها دوماً في غسلها!

رحلة من الألم ألهمت الشيمي الكتابة، فكان السبيل لامرأة من صعيد مصر، لا تملك أبسط الحقوق في الحياة

منذ سنوات تركت منى الشيمي محافظة قنا، التي ولدت بها، في زيارة لأخيها بمدينة الغردقة، طالت الزيارة ومن ساعتها لم ترجع، حتى ملابسها تركتها، لا تود أن تتذكر ما كان، لكنها كتبته في روايتها "بحجم حبة عنب" التي استوحت قصتها من جزء صغير من رحلتها الطويلة مع الوجع.
رحلة من الألم ألهمت الشيمي الكتابة، فكان السبيل لامرأة من صعيد مصر، لا تملك أبسط الحقوق في الحياة مثل كثيرات من فتيات الجنوب، وبعد سنوات من البوح ترشحت رواية الشيمي للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، هنا انتبه الجميع في مصر، ودار السؤال دورته باحثاً عن ماهية تلك المرأة، وكانت الإجابة فيما كتبت الشيمي من أعمال روائية وقصصية، تحكي رحلتها كفتاة جنوبية مع الألم.

استوحت الشيمي روايتها من رحلتها الطويلة مع الوجع
سنوات من الغياب
بعد سنوات من الغياب تقرر الشيمي نقل حياتها بالكامل إلى القاهرة، فقد وجدت عشقها في صحفي مصري بجريدة الأهرام، قرأ روايتها فهام بها قبل رؤيتها، والتقيا فكان زواجهما، جزاء سنوات الوحدة لكليهما، رغبة دفعتها للعودة إلى مدينة الغردقة بعد عامين من تركها، لإنهاء أوراق حكومية متعلقة بمسألة النقل، أيام قليلة مرت قبل تفشي الوباء في المدينة السياحية، فيروس كورونا الذي أرهق العالم سجل حالة الوفاة الأولى في مصر بمدينة الغردقة، ترك مشرق مصر ومغربها ليبدأ في جوار الشيمي، في تلك اللحظة قررت الحكومة المصرية عزل المدينة بالكامل، استقبلت الشيمي الخبر بهدوء شديد، الألم مسألة اعتادت المرأة الجنوبية على مجابهته طيلة عقود كثيرة، الألم هو الروح التي ألهمت الشيمي الكتابة، وكان شيئاً متوقعاً أن تبدأ الشيمي بعد ساعات من العزل سرد يومياتها مع انتشار وباء كورونا، يوميات تنشرها على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، تخاطب من خلالها زوجها، الكاتب الصحفي أسامة الرحيمي، رسائل عديدة بعنوان موحد، "محاولات للتغلب على التوتر والخوف"، ربما تعيد من جديد قراءة حياتها التي كانت، قراءة أكثر نضجاً عن تلك التي سجلتها في روايتها الأشهر "بحجم حبة عنب".

وجدت الشيمي عشقها في صحفي مصري بجريدة الأهرام، قرأ روايتها فهام بها قبل رؤيتها، والتقيا فكان زواجهما

الشيمي أشارت، في حوار منشور بجريدة "الوفد" المصرية، مع الكاتبة الصحفية نهلة النمر: "لست مع مصطلح الاعتراف في هذه الرواية، لأنني بعد مرور هذه السنوات على صدورها، يمكنني أن أعترف بأشياء مختلفة تماماً، أعترف أنني عندما كتبتها لم أكن أملك الحقيقة، وأن بعض تصوراتي عن الأشياء والأشخاص فيها كانت ناقصة، وأنني لو كتبتها الآن ستكون مختلفة إلى حد كبير، ربما بمزيد من الاعتراف، لذلك لا يمكنني أن أوافق على اعتبار "بحجم حبة العنب" سيرة ذاتية لي؛ لأن الوقت أثبت لي أنني كنت أمتلك أنصاف الحقائق فقط لحظة كتابتها، كنت أمتلك رؤية تخصني وحدي، الآخرون غير مسؤولين عنها".
امرأة بعد الخمسين

منى الشيمي مع زوجها الصحافي المصري أسامة الرحيمي
انتبهت الشيمي في رسالتها الثالثة للزوج، الذي تفصلها عنه مئات الكيلومترات، أنّها جاوزت الخمسين، وتلك مسألة يقول الكثيرون من حولها إنّها خطر عليها، فالكبار مهددون بالوباء، حقيقة تنبه لها ابناها محمد وبسمة: "غادر محمد البيت ليقيم مع زميل له في العمل. قال إنه يخرج إلى العالم الموبوء، ورجوعه كل يوم يعرضني للخطر، لأنني امرأة عجوز تجاوزت الخمسين! بسمة رأت أنّ تصرفه حكيم، لأنني امرأة عجوز تجاوزت الخمسين! مرة واحدة تكفي! كيف يصبح الأبناء قساة القلوب، ويذكرون أمهاتهم بسنهن الحقيقي هكذا من دون رحمة!".

اقرأ أيضاً: فيلم "قصة زواج": هل يموت الحب؟
تحكي الشيمي دوماً في أحاديثها الصحفية عن رحلتها مع العالم في جنوب مصر، الذي يرى المرأة كائناً من درجة تابعة للرجل، حكايات تبدأ وتنتهي بالحب، فهو العون دوماً على إكمال المسيرة.
البداية كانت قصة حب نشأت في الجامعة لم تكتمل، لأن والدة الحبيب رأتها فتاة متحررة أكثر من اللازم لفتاة جنوبية، ورحلة زواج كانت محاولة لمداواة الجرح لكنه لم يندمل؛ لأنّ الزوج هو أيضاً كان مشغولاً بقلب آخر لم يستطع الفوز به، فكان زواجهما صورة أمام المجتمع، يخفيان خلفها شوقاً ألمّ بكليهما. وبعد سنوات من السبات المجتمعي جاءتها الإجابة في الحروف. عند سؤالها عن لحظة الكتابة تذكرت شخصاً شجعها على التقدم لوظيفة بالقناة الثامنة المصرية، والتي كانت تبحت عن معد لحلقات أحد برامجها: "وأنا بكتب أفكار البرامج حسيت إني بعمل حاجة تسعدني".

وجدت الشيمي عشقها في صحفي مصري بجريدة الأهرام، قرأ روايتها فهام بها قبل رؤيتها، والتقيا فكان زواجهما

تجربة العمل معدة في التلفزيون لم تكتمل، لكن رحلتها مع الكتابة قد بدأت، فاتجهت لكتابة القصة القصيرة، وبعد نصيحة من الأصدقاء بدأت في إرسال خطاباتها إلى صحف القاهرة محملة بما كتبته، ثم قرأت أعمالها منشورة، ثم هاتفها المعارف والأهل في نجع حمادي، معبرين عن دهشتهم طارحين سؤالاً مهماً: "إنت اللي بتكتبي القصص دي؟". ردها بكلمة "أيوة أنا" كان اللحظة الأولى منذ سنوات طويلة التي تشعر فيها أنها أصبحت ذات كيان، يستحق أن تسبق تعريفه بكلمة أنا، ولما سألها زوجها الراحل ردت بنفس الرد: "أيوة أنا". كلمتان من سبعة حروف، لكنها حروف خرجت من شفتيها مبتسمة، "أيوة أنا".
الكتابة حرب صامتة
عن فعل الكتابة تحكي الشيمي:"الكتابة بالنسبة ليا كانت حرب صامتة؛ لأنّ بها كنت بنتقم من كل اللي تجاهلوني، الست في الصعيد مهمشة، فكون إن إسمي يطلع في الجرنال دي حاجة ليها صدى عندنا".
في خلفية الحكاية كان صحفي من قنا يتعجب ذلك الصعود لفتاة يقولون إنها تكتب كتابة جميلة؛ لأنّ المرأة في الصعيد لا يجب أن تفعل شيئاً سوى الجلوس تحت قدمي الرجل، فقرر الصحفي الجنوبي أن يكتب مقالاً نشر على صفحات جريدة القاهرة منذ سنوات، سأل فيه سؤالاً حمل خبثاً حين سأل، لماذا تنشر الصحف قصصاً لفتاة؟ كأن الفتاة لا يحق لها أن تبدع، وإن أبدعت فمن المؤكد هناك مقابل، المقال طال كل كاتبات قنا في تلك الفترة، فتوقفن جميعاً عن الكتابة بضغوط من الأهل، وتوقفت منى الشيمي أيضاً، لكنه توقف لم يطل، عادت لتبحث عن نفسها من جديد، ضاربة بعرض الحائط أضغاث أحلام رجال الجنوب.

اقرأ أيضاً: رواية "حصن الزيدي": عودة الإمامة برداء جمهوري!
لكنها رغم ذلك لا تخجل أن تعبر عن حبها إلى قنا، فتقول عن أرضها: "فيه حاجة كده بتخص قنا، أرض قنا صلبة، حتى إن نهر النيل التف حولها ومقدرش ينحتها نهائي، وناسها كده في منتها الصلابة".
ربما كانت رؤيتها عن قنا في نظر البعض مجرد كلمات، لكن ألم الحروف أكدته ما حدث مع زوجها السابق ووليدها ذي السبعة عشرة ربيعاً. إذ مرض الأب بالكبد، وأصاب الابن سرطاناً في الدماغ، فكانت صلبة تداويهم، دون أن تسقط على مدار سنوات، تحكي عن تلك الفترة: "كنت أنزل من شقتي في الدور الرابع مسندة جوزي على كتفي أروح بيه المستشفى عشان العلاج، أرجع بيه وبعد دقايق أنزل بابني هو كمان، كنت لما بعدي في الشارع كانت الناس بتقف، محدش كان يقدر يقعد وأنا ماشية، الكل مستغرب، لكن محدش فكر مرة يمد إيده ويساعد".

اقرأ أيضاً: كمامات ومعقمات محلية الصنع تتحدى كورونا في فلسطين
بوفاة الابن لحقه الأب في أقل من أسبوع، غادرت الشيمي قنا بعد أن تركت خلفها كل شيء، واختارت العزلة في مدينة الغردقة، وبعد سنوات من عزلتها الاختيارية وجدت الحب، وعندما قررت الانتقال إلى القاهرة جوار الحبيب فاجأتها الدنيا بحكاية جديدة، تسطرها في رسائلها الآن، غير أنّ الحكاية الأجمل هو ما كان من الحبيب، عندما أدرك خطورة المسألة، فقرر دون أدنى حسابات ترك القاهرة والسفر إلى زوجته في عزلها الصحي، كي يكون بجوارها، ورغم الجوار استمرت رسائل الشيمي إليه، تعيد من خلالها رؤيتها من جديد للعالم، لكنها رؤية أكثر نضجاً، بعين الكاتبة العاشقة!

للمشاركة:



هجوم إرهابي جديد في مالي.. هؤلاء ضحاياه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

قتل 25 عسكرياً وأُصيب 6 آخرون، أمس، في هجوم شنّه إرهابيون في منطقة غاو شمال مالي.

وقالت الحكومة، في بيان نشرته وكالة "فرانس برس"، إنّ الهجوم الذي شنّه "إرهابيون" على معسكر الجيش في بامبا، أسفر عن سقوط 25 قتيلاً و6 جرحى في صفوف الجيش المالي، في حين تمّ "تحييد" 10 من المهاجمين، من دون أن توضح ما إذا كان هؤلاء قد قتلوا أو جرحوا أو ألقي القبض عليهم.

مقتل 25 عسكرياً وإصابة 6 آخرين في هجوم شنّه إرهابيون في منطقة غاو شمال مالي

ولفت البيان إلى أنّ الجيش نفّذ، أول من أمس، عملية عسكرية في منطقة موبتي (وسط) أسفرت عن "تحييد" العديد من "الإرهابيين" وضبط كميّات كبيرة من الأسلحة والذخيرة.

ويتعرّض الجيش المالي منذ أشهر لاعتداءات دامية، في بلد يواجه أنشطة مجموعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة داعش، ولأعمال عنف أهلية.

ويعد الهجوم، الذي استهدف موقعاً عسكرياً في بامبا، الأحدث في العمليات المنسوبة للجهاديين ضد الجيش المالي في الأشهر الأخيرة، في سياق التدهور الأمني الشديد والتي أسفرت عن سقوط مئات القتلى في صفوف الجيش.

وأسفر تمرد الانفصاليين والحركات الجهادية وأعمال العنف القبلية كذلك عن سقوط آلاف القتلى وتشريد مئات الآلاف منذ بداية الأزمة العميقة التي اندلعت في عام 2012، رغم وجود قوات أممية وأفريقية وفرنسية.

وامتدت أعمال العنف التي انطلقت في شمال مالي إلى وسط مالي وبوركينا فاسو والنيجر المجاورتين.

للمشاركة:

إليكم أبرز تطورات فيروس كورونا عالمياً وعربياً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

توفي 1150 شخصاً من جرّاء فيروس كورونا المستجدّ في الولايات المتّحدة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية ليرتفع بذلك إجمالي عدد الوفيات الناجمة عن وباء (كوفيد-19) إلى أكثر من 10 آلاف، فيما أعلنت الصين اليوم، للمرة الأولى حصيلة يومية خالية من الوفيات منذ ظهور فيروس كورونا في البلاد، فيما سجلت 32 إصابة جديدة.

وقالت جامعة "جونز هوبكنز"، التي تُعتبر مرجعاً في تتبّع الإصابات والوفيات الناجمة عن وباء كورونا، أمس، إنّ العدد الإجمالي للمصابين بالوباء الذين توفّوا في الولايات المتّحدة بلغ لغاية اليوم 10 آلاف و783 شخصاً، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

عدد وفيات الولايات المتّحدة بسبب كورونا بلغ نحو 11 ألف شخص، وإجمالي عدد الإصابات 366 ألف

وأضافت أنّ إجمالي عدد الإصابات في البلاد تخطّى 366 ألف إصابة، بعدما تأكّدت في الساعات الأربع والعشرين الماضية إصابة حوالي 30 ألف شخص إضافي بالفيروس.

والولايات المتحدة هي الدولة الأولى في العالم من حيث عدد الإصابات المعلن عنها بالوباء، كما أنّها تسجّل منذ أيام حصيلة وفيات يومية تزيد عن الألف مما يعني أنّها قد تلحق قريباً بركب كلّ من إيطاليا (16523 وفاة) وإسبانيا (13005 وفيات) اللتين تتضاءل فيهما يوماً تلو الآخر حصيلة الوفيات اليومية.

وبحسب تقديرات البيت الأبيض فإنّ "كوفيد-19" سيفتك في الولايات المتّحدة بما بين 100 ألف إلى 240 ألف شخص إذا ما تقيّد الجميع بالقيود المفروضة حالياً لاحتواء الوباء.

اقرأ أيضاً: هل يمهد وباء كورونا لأفول نجم الولايات المتحدة؟

أما في الصين فقد ذكرت لجنة الصحة الوطنية أنّ البر الرئيسي سجل 32 حالة إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا انخفاضاً من 39 إصابة جديدة في اليوم السابق.

وأضافت، في بيان، أنّ جميع الحالات المسجلة، أمس، هي لمسافرين وصلوا إلى البلاد من الخارج ليرتفع بذلك العدد الإجمالي للإصابات الوافدة في الصين إلى 983.

الصين تسجل 32 حالة إصابة مؤكدة جديدة بفيروس كورونا لمسافرين وصلوا إلى البلاد من الخارج

وذكرت اللجنة أنّ العدد الإجمالي لحالات الإصابة المؤكدة في بر الصين الرئيسي هو 81740 حتى أمس.

من جهته، أعلن وزير الصحة الفرنسي تسجيل 833 وفاة جديدة خلال الساعات الأربع وعشرين الأخيرة، ليصل الإجمالي إلى 8911.

أما في ايطاليا فقد ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء، أنّها سجلت 636 وفاة جديدة بالفيروس، ليرتفع إجمالي عدد الوفيات إلى 16523. كما سُجلت في بريطانيا 434 وفاة جديدة بكورونا خلال الساعات الأربع وعشرين الماضية.

أما السلطات الصحية السويدية فأعلنت تسجيل 76 وفاة جديدة، ليرتفع العدد إلى 477 وفاة، مع تسجيل 376 إصابة جديدة، ليصل الإجمالي إلى 7206.

وفي النرويج سُـجلت 116 إصابة جديدة بالفيروس، فوصل العدد إلى 5755، إلا أنّ وزير الصحة النرويجي أعلن أنّ انتشار العدوى بفيروس كورونا في بلاده أصبح تحت السيطرة.

كما أعلن وزير الصحة التركي تسجيل 75 وفاة جديدة بفيروس كورونا، فارتفع إجمالي الوفيات إلى 649، مع تسجيل 3148 إصابة جديدة، رفعت الإجمالي إلى 30,217.

إسرائيل: عدد الإصابات الاجمالي بفيروس كورونا 8904، وعدد الوفيات يرتفع إلى 58

وفي دولة الاحتلال الإسرائيلي، أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال بنيامين نتنياهو أنّه سيتم تنفيذ الإغلاق الكامل خلال الأيام الأولى من عطلة عيد الفصح التي تستمر أسبوعاً، حيث يبدأ مع غروب شمس الأربعاء.

وفي السياق، أعلنت وزارة الصحة الإٍسرائيلية تسجيل 293 إصابة جديدة بفيروس كورونا، مما يرفع عدد الإصابات إلى 8904، كما ارتفع إجمالي الوفيات إلى 58.

وعلى الصعيد العربي، سجلت وزارة الصحة المصرية 149 إصابة جديدة بفيروس كورونا، ليرتفع الإجمالي إلى 1322، كما تم تسجيل 7 وفيات جديدة ليرتفع إجمالي عدد الوفيات إلى 85.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا والمصريون: حذر وخوف و"خفة" في مواجهة الوباء

كما أعلنت وزارة الصحة المغربية تسجيل 11 وفاة لمصابين بفيروس كورونا، ليصل الإجمالي إلى 80، و120 إصابة جديدة، ليرتفع الإجمالي إلى 1120، بينما ارتفع عدد المتعافين إلى 81.

وقالت الحكومة المغربية إنّ ارتداء الكمامات أصبح إجبارياً اعتباراً من اليوم، بالنسبة للمسموح لهم بالخروج.

مصر: ارتفاع إجمالي عدد المصابين بكورونا إلى 1322، وعدد الوفيات إلى 85

وجاء في بيان للحكومة أنّ الكمامة ستباع بسعر مناسب، وأنّ "وضع الكمامة واجب وإجباري"، وأنّ كل مخالف لهذه القاعدة يتعرض لعقوبة الحبس والغرامة.

وفي السعودية تم تسجيل 4 وفيات جديدة، ليرتفع عدد الوفيات إلى 38، مع تسجيل 82 إصابة جديدة، ليرتفع عدد الإصابات إلى 2605.

هذا وقد قررت السعودية منع التجوال على مدار اليوم في مدن الرياض وتبوك والدمّام والظَّهران والهفوف، وكذلك في جميع أرجاء محافظات جدة والطائف والقطيف والخُبر، مع استمرار منع الدخول إليها أو الخروج منها.

اقرأ أيضاً: هذه جهود السعودية والإمارات لمواجهة وباء كورونا في اليمن

أما في الكويت، فقد قررت السلطات تمديد فترة الحظر لتصبح من الخامسة مساء وحتى السادسة صباحاً، في إطار إجراءات مكافحة انتشار فيروس كورونا في البلاد، وقررت عزل منطقتي جليب الشيوخ والمهبولة عزلاً كلياً، كما قررت استمرار تعطيل العمل في الوزارات والجهات الحكومية حتى 26 من الشهر الجاري.

وأصاب فيروس كورونا في الكويت 665 شخصاً، توفي أحدهم، وتعافى 103.

وقالت وزارة الصحة الإماراتية إنّه تم تسجيل وفاة جديدة بكورونا، ليصل عدد الوفيات إلى 11، مع تسجيل 277 إصابة جديدة، ليرتفع إجمالي الإصابات إلى 2076.

من جانب آخر، قالت وزارة الصحة الجزائرية إنّها سجلت 21 وفاة جديدة، ليرتفع عدد الوفيات إلى 173، كما تجاوز عدد الإصابات 1400 بعد تسجيل 103 إصابات جديدة خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية.

اقرأ أيضاً: أيادي الخير الإماراتية تمتدّ حتى السنغال

من جانبها، قالت الصحة التونسية إنّها سجلت 22 إصابة جديدة بكورونا، ليرتفع الإجمالي إلى 596 حالة‎.

وفي ليبيا، أعلن المركز الوطني لمكافحة الأمراض تسجيل إصابة جديدة بفيروس كورونا، ليرتفع الإجمالي إلى 19.

كما أعلنت وزارة الصحة في غزة إصابة فلسطيني بالفيروس، ليرتفع عدد المصابين في القطاع إلى 13.

هذا وسجلت المملكة الأردنية الهاشمية حالة وفاة سادسة نتيجة الإصابة بفيروس كورونا المستجد.

اقرأ أيضاً: الجيش الأردني يتصدى للكورونا.. إجراءات احترازية لمنع تفشي المرض

وقال وزير الصحة في إيجاز يومي إنّه سجّل، أمس، في الأردن 4 إصابات بفيروس كورونا، لترتفع الأعداد إلى 349 إصابة، كما سجّل في اليوم ذاته شفاء 16 حالة، ليرتفع عدد المتعافين من الفيروس إلى 126 حالة، فيما تتواجد 217 حالة في المستشفيات وهي قيد العلاج.

للمشاركة:

مقتل عسكريين أتراك في ليبيا.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

أعلن الجيش الوطني الليبي في الساعات الأولى من صباح اليوم، عن مقتل 11 عسكرياً تركياً في استهداف لقاعدة معيتيقة بطرابلس.

وقالت إدارة التوجيه المعنوي للجيش الليبي إنّ جثثاً لعسكريين أتراك من الذين قتلوا في استهداف الجيش لقاعدة معيتيقة وصلت إلى وسط طرابلس.

الجيش الوطني الليبي يعلن عن مقتل 11 عسكرياً تركياً في استهداف لقاعدة معيتيقة بطرابلس

وأوضحت الإدارة، في بيان نشر عبر صفحتها الرسمي في فيسبوك، أنّه تم استهداف القاعدة؛ لأنها تحتلها القوات التركية وتوجد بها غرف عمليات الطائرات المسيّرة التي تقوم بقصف واستهداف القوات والمستلزمات الطبية والاحتياجات الإنسانية.

وأشارت إلى أنّ هذه الأعمال العدائية رغم التزام قوات الجيش بالهدنة الإنسانية ورفض الميليشيات والأتراك أي التزام بها.

وسبق وأعلن الجيش الليبي مقتل نحو 1000 من مرتزقي أردوغان و50 عسكرياً تركياً وإصابة وأسر آخرين منذ انطلاق عملية طوفان الكرامة لتحرير طرابلس من الإرهاب في ٤ نسيان (أبريل) ٢٠١٩.

واستهدفت الطائرات التركية المسيرة مساعدات إنسانية ووقوداً ومخازن دقيق ومناطق مدنية مختلفة في الأيام الأخيرة، ضمن خروقاتها للهدنة المعلنة لتوحيد الجهود لمواجهة كورونا وسابقتها المعلنة بجهود دولية منذ ١٢ كانون الثاني (يناير) الماضي.

وتشهد محاور القتال بجنوب العاصمة وجنوب مدينة مصراتة وغرب سرت، معارك طاحنة بين قوات الجيش الليبي وميليشيات الوفاق.

وحقق الجيش الليبي تقدمات عسكرية؛ حيث تمكن من السيطرة على زلطن والجميل ورقدالين ومناطق أخرى قريبة من الحدود التونسية.

للمشاركة:



أطماع أردوغان توقظ الأوروبيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

عبدالحميد توفيق

‫‫القرار الأوروبي بالمباشرة بتنفيذ مهمة بحرية عسكرية في البحر المتوسط ابتداء من هذا الشهر -أبريل- تحت اسم "إيرين" لمنع وصول المزيد من الأسلحة إلى ليبيا، جاء بعد تردد وتلكؤ بين أوساط القيادات الأوروبية، حتى إن البعض منهم وصفه بالمتأخر؛ لأن أردوغان تمكّن من تمرير الكثير من السلاح والعتاد والمرتزقة إلى طرابلس، وتحوّل إلى أمر واقع لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه في أي مسعى دولي أو حتى أوروبي أو إقليمي يتعلق بحل مشكلة ليبيا، ومع ذلك شكّل القرار الأوروبي استجابة لصرخة تحذيرية أطلقها مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل حين قال: "إن الاتحاد الأوروبي مهدد بفقدان أهميته إذا لم يكن قادرا على التصرف تاركا مصير ليبيا بين تركيا وروسيا".‬

يبدو أن كيل الأوروبيين قد طفح جراء السياسة التوسعية التي تنتهجها تركيا - أردوغان، ولم تعد أمامهم من خيارات لدرء الخطر التركي المتنامي ضدهم وضد بلادهم ومصالحهم إلا مقارعة أردوغان بالأداة ذاتها التي يلوح بها لهم في ليبيا؛ أي الأسلوب العسكري لردعه، مستثمرين بذلك قرارا أمميا بضرورة وقف تدفق السلاح إلى أطراف الصراع الليبي، وبعد أن اقتربت أنقرة بسلاحها ومرتزقتها بقواعدها العسكرية التي أقامتها على الأرض الليبية من محيط الحدائق الخلفية للقارة الأوروبية تنبه سياسيوها إلى حجم الأخطار المترتبة على استمرار السكوت وعدم الاكتراث إزاء سياسة التوسع التي تسم نهج تركيا – أردوغان منذ وصوله وحزبه العدالة والتنمية إلى سدة السلطة قبل نحو عشرين عاما.

‫القرار الأوروبي يطرح الكثير من الأسئلة حول دوافعه وأبعاده الاستراتيجية وحول جدواه وحتى حول توقيته، كما يرسم إشارات استفهام عديدة بشأن إمكانية تطبيقه، وهل يمكن تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية محتملة إذا ما أصر الرئيس التركي على الذهاب بعيدا في تحدي الإرادة الدولية، وكون المهمة الأوروبية عسكرية الطابع ووظيفتها منع وصول السلاح إلى ليبيا؛ هل يمكن توفير غطاء دولي لها إذا اقتضت الضرورة؟‬

‫الملامح الأولية التي عكستها مواقف أنقرة وحكومة السراج وحلفائها الرافضة للتوجه الأوروبي توحي بأن المهمة لن تكون سهلة على الأوروبيين، لكن الأوروبيين متمسكون بقناعاتهم أنهم ينفذون قرار الأمم المتحدة القاضي بفرض حظر على إدخال السلاح إلى ليبيا وبأن مهمتهم ستخضع للتقييم كل أربعة أشهر وهذا يعني أنه وبقدر ما تنطوي عليه الخطوة الأوروبية من إرادة سياسية وإدراك لحجم تحديات المهمة، فإنها تنمّ في المقابل عن قناعة لدى عواصم الغرب بأن الضرر المترتب على مهمتهم الآن، أيّا يكن نوع هذا الضرر وحجمه ومداه، سيكون أقل بكثير من ضرر التزام الصمت وتجاهل دوافع وغايات سياسة أردوغان على المستوى الاستراتيجي وأطماعه بجميع الاتجاهات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تستهدف القارة العجوز بطريقة غير مباشرة خصوصا أن جغرافية ليبيا السياسية في واقعها تشكل في مفردات السياسة الأوروبية ركنا أساسيا من أركان الأمن القومي الأوروبي لعوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية، ولعل تجربة الأوروبيين مع الابتزاز التركي في قضية اللاجئين وتصديهم لها بعملية بحرية أطلق عليها حينها اسم "صوفيا" وما ترتب عليها من تبعات إنسانية واقتصادية وأمنية على بلدانهم، لعل ذلك شكّل حافزا ومحرضا لهم؛ فالأمر لم يعد مجرد حفنة من الأموال تُرضي وتُسكت العثماني الجديد بل يتعداه إلى تهديد استراتيجي لمصالحهم في ليبيا ومحيطها والبحر المتوسط برمته بعد الخطوات التي اتخذتها تركيا بشأن موضوع التنقيب عن النفط البحري واستثمار الغاز قرب شواطئ قبرص واتفاقياته مع حكومة طرابلس بهذا الخصوص.. وإذا كان السؤال المطروح يتمحور حول ماذا يمكن للأوروبيين أن يفعلوه بعد تمادي تركيا في عدم احترام القرارات الدولية من جهة، ولماذا الصمت الدولي تجاه خرقها للقرارات الدولية المتعلقة بهذا الأمر من جهة ثانية، فإن السؤال المواجه يتعلق بالبحث عن طبيعة وأسلوب الرد التركي على الخطوة الأوروبية في حال حدوث مواجهة مباشرة بين الجانبين، وهو احتمال قائم مرتبط بجوهر المهمة الأوروبية والقرار الأممي القاضي بتفتيش سفن يشتبه بنقلها الأسلحة؟‬

‫لم يتردد أردوغان في الإفصاح عن نواياه وخططه الرامية إلى الانخراط عسكريا وبالتالي سياسيا في الصراع الليبي تحت ذرائع متعددة، غير أن محرك ودافع أنقرة مكشوف للعيان ويتلخص باقتناص فرصة وجود حكومة السراج الإخوانية في طرابلس والتسلل إلى تلك المنطقة نظرا لحيويتها الاستراتيجية، والهيمنة عليها وعلى قرارها السيادي، السياسي والاقتصادي، وتحويلها لاحقا إلى ورقة ضمن حزمة أوراقه التي كدسها من أزمات معظم المناطق المضطربة في الإقليم وتوظيفها في مقايضاته على طاولة الأوروبيين وغيرهم من اللاعبين الذين تتقاطع مصالحه معهم أو تتعارض وتتصادم، وبعد أن راكم أردوغان الكثير من مواقف اللامبالاة والاستهتار بقرارات دولية بشأن ليبيا وغيرها في مناطق أخرى فإن المهمة الأوروبية لا يبدو أنها ستكون استثناء من فرضية العبث التركي أو بمنأى عن سيناريوهات كثيرة من بينها تهور أردوغان ودفعه بالأمور إلى ممرات ضيقة قد يصعب الخروج منها دون خسائر، ومن الطبيعي أن يكون الاتحاد الأوروبي قد أخذ بالحسبان جميع السيناريوهات المحتملة وهو يواجه سياسة قائمة على ردود الفعل والانفعال والابتزاز من قبل الرئيس التركي ومنها استغلال أردوغان لموضوع اللاجئين مرة أخرى وإطلاق العنان لهم عبر البحار نحو أوروبا، لكنهم أيضا، الأوروبيين، لا يخفون خشيتهم من أن الخطر الأكبر القادم من تركيا يكمن في آلاف المسلحين المرتزقة الذين يتوافدون برعاية وحماية تركيا إلى الأراضي الليبية وعلى مرأى أعينهم، والذين قد يشكلون يوما ما خطرا يهدد بلدانهم؛ ما جعل الأوروبيين أكثر استعدادا وإقداما للقيام بخطوات احترازية مسبقة مهما كانت نتائجها المرحلية قبل أن تستفحل وتخرج عن نطاق سيطرتها بفعل ألاعيب ومناورات أردوغان.. الموقف اليوم مختلف عما سبق، فأكثر من سبع وعشرين دولة أوروبية وافقت على المشاركة في المهمة، والقرار الأممي يشكل رافعة للمهمة الأوروبية وغطاء لها، أردوغان سيجد نفسه وسياسته أمام امتحان وتحدٍّ أوروبي ودولي كبير، وخياراته المعهودة دونها الكثير من الصعوبات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أحمد دلَباني: مقترحات كيسنجر للخروج من أزمة كورونا هي أجندة لتعزيز سيطرة أمريكا على العالم‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

أندريه مهاوج

قال الباحث وأستاذ الفلسفة الجزائري أحمد دلَباني إن المقترحات التي قدمها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر بشأن سبل الخروج من أزمة كورونا العالمية الحالية لا يمكن أن تكون الوصفة الملائمة لإنهاء هذه الأزمة بشكل يخدم مصالح الأسرة الدولية كلها.

وبالرغم من أن كسينجر قد أكد في هذه المقترحات عبر مقال نشرته صحيفة وول جورنال ستريت، أن الخروج من الأزمة يمر أساسا عبر التخلي عن المصالح الضيقة، فإن أحمد دَلباني قال في حديث خص به مونت كارلو الدولية إن المسؤول الأمريكي السابق حريص على الدفاع عن مبادئ النظام الليبرالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من حرصه على أي إمكانية لتوصل الأسرة الدولية إلى تجاوز الأزمة.

وأضاف الباحث وأستاذ الفلسفة الجزائري فقال إنّ ما دعا إليه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مقاله الأخير لا يعدو أن يكون إلّا أجندة يقدمها كيسنجر للمؤسسة السياسية والأمنية الأمريكية من أجل إدارة الصراع في مرحلة ما بعد كورونا.

ويرى أحمد دلَباني أن كيسنجر لم يقدم حلولا فعلية لمواجهة الوباء ولم   يهتم بالصحة والرعاية بقدر اهتمامه بكيفية خروج النظام الليبرالي منتصرا بعد مرحلة كورونا في ظل التنافس الأمريكي الصيني المتزايد على قيادة العالم.  

ويشاطر دلَباني الرأي القائل إن كيسنجر لديه نظرة استشرافية.  ولكنه يرى أنها تبقى دوما ضمن منطق الصراع الذي كان أحد صانعيه بعيد الحرب العالمية الثانية. فهو الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي عايش الحرب الباردة وساهم في صراعاتها ويظل انتماؤه للإدارة الامريكية فوق كل اعتبار خلافا لما يوحي به مقاله الأخير الذي يدعو فيه في الظاهر إلى تكثيف الأبحاث العلمية وإعداد خطط وبرامج من شأنها المساعدة على احتواء تبعات وباء كورونا.

عن "مونت كارلو الدولية"

للمشاركة:

هل يمهد وباء كورونا لأفول نجم الولايات المتحدة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-07

هشام ملحم

حذّر المسؤول الفدرالي عن الصحة العامة جيرون آدامز الأميركيين أنهم سيعبرون أسبوعا هو "الأقسى والأكثر حزنا" في حياتهم، بسبب الخسائر البشرية التي سيحصدها فيروس كورونا. هو أسبوع يمكن مقارنته "بلحظة مشابهة لهجوم بيرل هاربر" أو لحظة مماثلة لهجمات سبتمبر 2001 الإرهابية. 

وللتدليل على خطورة هذه الجائحة طلبت منسقة فريق العمل الصحي في البيت الأبيض ديبورا بيركس من الأميركيين الامتناع حتى عن زيارة الصيدليات طلبا للأدوية وحتى محلات شراء الأغذية والبقالة.

جاءت هذه التحذيرات على وقع وفاة ألف مصاب بفيروس كورونا في اليوم، ومع وصول عدد الوفيات إلى أكثر من عشرة آلاف، (حوالي نصفهم في ولاية ومدينة نيويورك) وازدياد عدد المصابين بأعراض الوباء إلى أكثر من 300 ألف أميركي.

خلال أقل من شهر عطلت جائحة كورونا الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أقوى دولة في العالم، بعد أن تبين بشكل محرج وفضائحي أنها تصرفت وكأنها فوجئت بهذا الغزو غير المرئي، كما فوجئت بقصف بيرل هاربر في 1941، وتفجيرات 2001. وللمرة الأولى منذ بيرل هاربر بدت الولايات المتحدة هدفا هشا، مكشوفا ومعرضا للأخطار وكأنها بيت دون سقف.

خلال الأيام والأسابيع الماضية نشرت كبريات الصحف الأميركية تحقيقات طويلة، مفصلة وموثقة حول الإخفاق القيادي للرئيس دونالد ترامب في مواجهة الوباء بدءا من نكرانه ومروا بالتقليل من أهميته وانتهاء بالعجز عن تعبئة الموارد البشرية والمادية والعلمية الهائلة الموجودة بوفرة لمواجهة الطاعون الجديد.

الثلاثة العظام: واشنطن ولينكولن وروزفلت
الولايات المتحدة دولة فريدة من نوعها لأسباب عديدة سياسية وفكرية وتاريخية وحتى جغرافية. صحيح أنها دولة مؤسسات تعتمد دستورا بقيت تعمل بموجبه خلال حروب خارجية بمن فيها حربين عالميتين، وأزمات داخلية خانقة بما فيها حربا أهلية قتل فيها 750 ألف جندي، واضطرابات وعنف داخلي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا انها كانت محظوظة حين واجهت أصعب اللحظات في تاريخها القصير نسبيا، في ظل رؤساء تاريخيين وعظام لا نزال نعيش في ظلهم ونستفيد من تركتهم.

يلتقي معظم المؤرخين على أن أهم وأعظم رؤساء الولايات المتحدة هم ثلاثة: جورج واشنطن قائد القوات التي حققت الاستقلال وأحد مؤسسي الجمهورية وأول رئيس أميركي. الرئيس السادس عشر، ابراهام لينكولن الذي حافظ على وحدة الاتحاد الفدرالي بعد أن دحر الحركة الانفصالية التي أدت إلى الحرب الاهلية، والرئيس الذي تخلص من مؤسسة العبودية. والرئيس الثاني والثلاثين فرانكلين ديلانو روزفلت الذي أخرج الولايات المتحدة من الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي وقادها إلى الانتصار في الحرب العالمية الثانية لتصبح القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم.

ما يميز هؤلاء الرؤساء هو قدراتهم القيادية الخارقة. القدرة الفكرية والسياسية على استيعاب طبيعة التحدي، إرادة صلبة وثقة قوية بالنفس لا تمت للغطرسة بصلة، ووضع المصلحة العليا للشعب والبلاد فوق أي اعتبار آخر شخصي أو سياسي. الرؤساء الثلاثة نجحوا بامتياز في امتحان معمودية النار والحرب.

عندما أغارت اليابان على القاعدة الرئيسية للأسطول الأميركي في المحيط الهادئ في بيرل هاربر بولاية هاواي، كانت الولايات المتحدة ذات قدرات عسكرية محدودة حيث لم يتعد عديد القوات الأميركية المسلحة 180 ألف عسكري. ومع نهاية الحرب خدم حوالي 16 مليون أميركي في القوات المسلحة. ولكن إدارة الرئيس روزفلت نفضت الاقتصاد الاميركي رأسا على عقب وحولت مصانع السيارات إلى مصانع للأسلحة، وتم توظيف الملايين في المصانع ـ بعد أن كان معدل البطالة 15 بالمئة في بداية الحرب ـ وفي مختلف القطاعات الاقتصادية الأخرى ما اقتضى توظيف أعداد هائلة من النساء للمرة الأولى.

وحين دعا روزفلت إلى إنتاج خمسين ألف طائرة حربية في السنة، سخر منه العديد، ولكن مع حلول سنة 1944 وصل إنتاج الولايات المتحدة إلى 96 ألف طائرة في السنة. خلال سنوات الحرب أدى إبداع الأميركيين إلى تطوير تقنيات جديدة وأساليب حديثة في تدريب العمال والخبراء، أصبحت لاحقا جزءا عضويا من البنية الاقتصادية والعلمية التي سمحت للولايات المتحدة أن تصبح الدولة الرائدة في جميع مجالات العلوم بعد نهاية الحرب.

الدولة التي عانت من كساد اقتصادي رهيب في عقد الثلاثينيات، أصبح حجم اقتصادها في 1945، حوالي 45 بالمئة من حجم الاقتصاد العالمي. الولايات المتحدة كانت الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي لم يدمر اقتصادها في الحرب، بل على العكس نمى باضطراد هائل. طبعا هناك أسباب موضوعية عديدة لهذا الإنجاز الأميركي التاريخي، ولكن قيادة وشخصية الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت كانت جزءا أساسيا من هذا الإنجاز.

من كينيدي إلى أوباما
خلال أحلك الأيام في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في 1961 بدأ الرئيس جون ف. كينيدي بتطوير طموح لبرنامج الفضاء الأميركي، وألزم الولايات الولايات المتحدة بإنزال أول رجل فوق سطح القمر قبل نهاية العقد. جاء قرار كينيدي بعد إنجازات حققتها موسكو في الفضاء بعد إطلاق أول قمر اصطناعي "سباتنيك" في 1957، وبعد أن أصبح الاتحاد السوفياتي أول دولة ترسل إنسانا إلى الفضاء بعد نجاح مهمة رائد الفضاء يوري غاغارين الذي دار حول العالم في 1961.

بعد أسابيع من هذا الإنجاز السوفياتي ألقى كينيدي خطابا في الكونغرس ربط فيه نجاح الولايات المتحدة في سباق الفضاء بالمعركة السياسية والاقتصادية بين الديمقراطية والشيوعية، وحض الكونغرس على تخصيص الموارد المالية لتطوير برنامج الفضاء الأميركي.

في السنوات التي تلت اغتيال كينيدي وبعد تعبئة مختلف الموارد المالية والعلمية والبشرية، نجحت وكالة الفضاء الأميركية بتحقيق رؤية كينيدي في 1969 حين أصبح رائد الفضاء نيل أرمسترونغ أول إنسان يمشي على سطح القمر. مرة أخرى، ساهمت قيادة ورؤية رئيس أميركي في وضع الولايات المتحدة في موقع متفوق.

حتى الآن الثمن الاقتصادي لجائحة كورونا هائل. عشرة ملايين أميركي انضموا إلى صفوف البطالة. الخبراء في شؤون الصحة العامة يقدرون عدد الضحايا بين مئة ألف وربع مليون نسمة حتى في حال امتثال الأميركيين إلى التعليمات الصحية، مثل تفادي الاختلاط الاجتماعي، استخدام القفازات البلاستيكية والأقنعة الواقية وغيرها.

الجائحة التي فرضت على العالم حجرا صحيا لا مثيل له في التاريخ، ستغير سلوك الناس والدول بطرق لا نعرف في هذا الوقت المبكر مدى عمقها وآثارها الاجتماعية والاقتصادية.

خلال مثل هذه الأزمات الصحية أو البيئية وحتى الاقتصادية والسياسية التي كانت آثارها عابرة للدول وحتى القارات، التي واجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، كانت الدول والمنظمات الدولية تنظر إلى الولايات المتحدة لتوفر الحلول أو لتقود الجهود الدولية لمواجهة هذه التحديات.

خلال انتشار وباء إيبولا في غرب أفريقيا بين 2014 و2016 لعبت الولايات المتحدة دورا قياديا في القضاء على الوباء من خلال إيفاد الخبراء والاطباء وانتهاء بنشر حوالي 4 آلاف جندي في ليبيريا حيث أقاموا المستشفيات الميدانية وقضوا على الوباء.

مرة أخرى قامت الولايات المتحدة بعمل إنساني خدم ضحايا الوباء، وخدم مصلحتها ومصلحة العالم لأن الأوبئة لا تعترف بالحدود السياسية ولا بسيادة الدول، والقضاء عليها يتطلب تعاونا دوليا. وحتى إجراءات الحماية والعزل وحظر السفر وغيرها من الإجراءات الصعبة، يمكن تنسيقها والاتفاق حولها، إذا توفرت إرادات الدول والقيادات السياسية الحكيمة التي تدرك أنها تواجه عدوا مشتركا يتطلب دفاعا مشتركا.

حروب ترامب ضد الأعداء المتخيلين
إخفاق الرئيس ترامب في تعبئة الموارد الأميركية لمواجهة الوباء، أو تنسيق الجهود الدولية لتخفيف أضراره الجسيمة ليس مفاجئا بحد ذاته، وإن كان حجم الإخفاق صادما ويصعب تصديقه.

الإجراء الوحيد الذي اتخذه ترامب بعد وصول الوباء إلى الولايات المتحدة والذي ينسجم مع نظرته الانعزالية للعالم كان في منع الرعايا الصينيين من السفر إلى أميركا. ولكنه حتى قبل 5 أسابيع كان يقول ـ في الواقع يتمنى ـ انحسار الوباء واختفائه. ما هو واضح الآن أن ترامب أضاع ما بين ستة أسابيع أو شهرين وهو يترنح بين نكران الوباء والتقليل من أهميته أو مواجهته بتردد وبشكل جزئي، ودون التنسيق مع الولايات أو الاعتماد الكامل على الكفاءات العلمية في البلاد لمساعدته على تطوير خطة فعالة للتصدي للوباء.

وبدلا من أن يعين مسؤولا حياديا ومؤهلا علميا لمواجهة الوباء عين نائبه مايك بينس، الذي يكيل المديح المحرج لترامب "وقيادته الحاسمة" كلما فتح فمه ليتحدث عن إجراءات مكافحة الوباء. وبما أن ترامب لا يثق بأحد خارج عائلته، جلب صهره جاريد كوشنر مرة أخرى للمشاركة في جهود الحكومة، على الرغم من عدم أهليته لمثل هذه المهمة وساهم بذلك في عرقلة عمل الأجهزة البيروقراطية التي عليها الآن أن تنشط بين القنوات المتنافسة التي يستخدمها كل من بينس وكوشنر.

وفي الأسابيع الماضية وبعد أن أصبحت ولاية (ومدينة نيويورك)، وكذلك ولاية واشنطن المناطق المنكوبة أكثر من غيرها في البلاد، ومع ارتفاع شكاوى الحكام ـ وشاءت الصدف أن يكون حكام الولايات المنكوبة من الديمقراطيين ـ من عدم وجود جهة فدرالية مسؤولة عن تنسيق جهود مساعدة الولايات وتوفير المعدات والأجهزة الطبية وتوسيع قدرات المستشفيات على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين، رد ترامب على هذه المطالب والشكاوى بتصعيد هجماته الشخصية ضد هؤلاء الحكام.

ووصل الأمر بترامب إلى حد تأنيب نائبه بينس علنا لأنه تجرأ على الاتصال بحاكم ولاية واشنطن جاي أينزلي الذي انتقد بطء الحكومة الفدرالية، حين قال إنه طلب من نائب الرئيس أن لا يتحدث مع حاكم واشنطن "لأنه حية". وحين اشتكى ترامب من حاكمة ولاية ميتشغان غريتشين ويتمير، فإنه لم يذكرها بالاسم بل تحدث باحتقار واضح "عن تلك المرأة" ما عكس مرة أخرى احتقاره لكل امرأة تتمتع بشخصية قوية أو قيادية، كما يتبين من مبارزاته الدون كيخوتية مع عدد من المراسلات المتفوقات اللواتي يغطين أخبار البيت الأبيض.

وبدلا من مطالبة الشركات الأميركية بالتعجيل في إنتاج المعدات والأجهزة التي تحتاجها المستشفيات مثل أجهزة التنفس الاصطناعي، رفض ترامب استخدام قانون الإنتاج الدفاعي الذي أقر في 1950 ويسمح للرئيس بأمر الشركات الأميركية في الحالات الطارئة إنتاج ما تحتاجه البلاد للدفاع عن نفسها مدعيا، ضد كل الأدلة "بأننا لا نحتاجه".

وحتى الاسبوع الماضي استمر ترامب على رفضه، وحين رضخ للضغوط، أمر بتفعيل القانون، ولكن بشكل جزئي. وفي الوقت ذاته كان ترامب يضلل الأميركيين بأن الأوضاع تحت السيطرة، وفي الأيام الماضية بدأ بتسويق دواء لأمراض الملاريا وغيرها على أنه يمكن أن يكون فعالا ضد فيروس كورونا، لأنه سمع بذلك من بعض معارفه على الرغم من أن المؤسسات الصحية لم تصرح رسميا باستخدام الدواء لمعالجة فيروس كورونا.

وحتى خلال الأيام الكالحة التي يتم خلالها الكشف عن معدلات هائلة من الموظفين والعمال الذين خسروا وظائفهم، ومع الارتفاع المضطرد لضحايا الوباء، يجد ترامب الوقت الكافي لنشر تغريدات شخصانية وانتقامية ضد زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ السناتور تشاك شومر "المنتحب" والذي كان يجب التخلص منه قبل الأزمة على حد قوله، أو التحدث عن الجدار الذي يبنيه على حدود المكسيك، أو حتى التبجح خلال إيجاز يومي حول الوباء بأنه يحتل "المرتبة الأولى على فيسبوك" (طبعا، هذا ادعاء لا أساس له من الصحة).

خلال السنوات الماضية شن ترامب حملة انتقامية ضد ما يسميه "الدولة العميقة" بما في ذلك أجهزة الاستخبارات، والنظام القضائي، والبيروقراطية بشكل عام، إضافة إلى حربه ضد وسائل الإعلام الأميركية التي يسميها "عدو الشعب". وتميزت سنوات ترامب بالاستقالات العديدة لكبار المسؤولين من البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي ومختلف الوزارات والأجهزة.

المسؤولون الذين استقالوا من هذه المناصب خلال سنوات ترامب زادوا عن عدد الذين استقالوا خلال ولايات الرؤساء رونالد ريغان والرئيسان جورج بوش الاب والابن والرئيس باراك أوباما معا. ومعظم المسؤولين الذين يستقيلون يتم استبدالهم بمناصرين لترامب، أو تترك مناصبهم شاغرة ويقوم بوظائفهم نوابهم أو مسؤولين مؤقتين. وهذا الوضع يعني أن ترامب قد "فرّغ" الأجهزة البيروقراطية من المسؤولين المؤهلين.

على الصعيد العالمي، قوض ترامب عن قصد، جميع البنى والمنظمات والأحلاف الدولية التي بنتها واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من حلف الناتو إلى الاتفاقات التجارية، وفرض العقوبات الاقتصادية على حلفاء واشنطن في أوروبا وكندا وكوريا الجنوبية.

في المقابل عزز من علاقاته مع القادة الأوتوقراطيين من الروسي فلاديمير بوتين، إلى كيم يونغ أون الكوري الشمالي، إلى التركي رجب طيب إردوغان، إلى السعودي الامير محمد بن سلمان، الذي وصفه ترامب "صديقي" بعد آخر اتصال هاتفي معه، على الرغم من أن وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) وجهت إليه أصبع الاتهام بجريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي.

تقويض هذه الأحلاف الدولية باسم أسطورة "أميركا أولا"، أدى عمليا إلى تخلي إدارة ترامب عن دورها القيادي العالمي. ضعف هذا الدور، أو استقالة أميركا من موقعها كدولة أولى في العالم، أضعف حلفاء واشنطن التقليديين وخاصة في أوروبا، وعزز من مكانة روسيا، ومكانة الصين وخاصة في شرق آسيا.

خلال الازمة الراهنة، لاحظ العديد من المراقبين أن روسيا قد أرسلت طائرة محملة بالمعدات الطبية، كما تبرعت الصين بأجهزة تنفس اصطناعي، وذلك في مفارقة محرجة، ومحاولة لتحقيق اختراق دعائي وخاصة لروسيا. ترامب رحب بهذه الخطوات الدعائية دون أي حرج. خلال الأزمات المماثلة في السابق، كانت طائرات الإغاثة الأميركية تصل إلى المناطق المنكوبة في العالم محملة بالإمدادات والخبراء.

هذا الوضع المزري، دفع بالبعض في العالم للتحدث عن بروز الصين كدولة عظمى جديدة، وأفول نجم الولايات المتحدة، وهو موقف يعكس تمنيات هؤلاء وليس بالضرورة مبنيا على تحليل للوقائع والحقائق.

حكم الولايات المتحدة رؤساء عظام، ورؤساء جيدون، ورؤساء تافهون وضعفاء. في هذه المرحلة الحرجة، تحتاج الولايات المتحدة إلى لرئيس جيد، لأن العظام ربما يأتون مرة في كل قرن، ولكنها منيت برئيس غير مؤهل لقيادتها وهي في أحسن حالاتها فكيف وهي تواجه تحديا ضخما.

القيادة الأميركية للعالم تزعزعت مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض. ولكن، موضوعيا، لا تزال الولايات المتحدة مؤهلة للعب دورها القيادي في العالم، بسبب قدراتها الاقتصادية والعلمية وبسبب وجود بعض أهم وأبرز الجامعات والمختبرات العلمية فيها، وبسبب دينامياتها الاجتماعية والفكرية والعلمية، وقدرتها على الترحيب واستيعاب الطاقات العلمية والفنية من العالم كله، على الرغم من محاولات ترامب بناء جدار عازل بين أميركا والعالم.

الديمقراطية الأميركية في ظل ترامب اصيبت بوعكة صحية، ولكنها قادرة على تخطيها. الصين منافس هام لأميركا، ولكن الصين بنظامها الأوتوقراطي والقمعي ليست المكان الذي يريد أن يتوجه إليه المخترعون والمبدعون علميا وفنيا.

والنظام السياسي الأميركي، على الرغم من بعض مشاكله، لا يزال النظام الأكثر قدرة على التأقلم مع التحديات والمتغيرات بسبب جوهره الديمقراطي. تزامن تحدي فيروس كورونا مع وجود ترامب في البيت الأبيض شكّل نكسة لأميركا في هذه المرحلة التاريخية الحرجة. ولكن أميركا دخلت في تجارب صعبة ومعموديات نار وحروب عديدة وخرجت منها أقوى. هذا ليس زمن أفول أميركا.

عن موقع "الحرة"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية