
قبل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة كان البحر نافذة أمل في حياة آلاف الصيادين، لكن منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023 تحول هذا الأفق إلى ساحة موت، وتحول الشاطئ إلى حدود مغلقة، وزوارق الصيد إلى حطام صدئ.
الحرب الإسرائيلية المتواصلة لم تستثنِ مهنة الصيد، ولم ترحم العائلات التي تعتمد على البحر قوتًا يوميًا، فخسر أكثر من (6) آلاف صياد مصدر رزقهم، ووجدوا أنفسهم فجأة في طابور البطالة والجوع.
ووفقًا لتقرير مشترك صادر عن مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان وشبكة المنظمات الأهلية في غزة، قُتل أكثر من (200) شخص من العاملين في قطاع الصيد منذ اندلاع الحرب، (50) منهم قتلوا بنيران الزوارق الإسرائيلية أثناء مزاولتهم مهنتهم في البحر، كما أُصيب أكثر من (300) آخرين، من بينهم (20) إصابة وقعت داخل البحر.
وأشار التقرير إلى أنّ أكثر من 90% من قوارب ومراكب الصيد، بالإضافة إلى غرف ومخازن الصيادين، تعرّضت للتدمير بشكل كامل، ممّا أدى إلى فقدان ما لا يقلّ عن (4,500) صياد و(1,500) عامل في المهن المرتبطة بالصيد، مصدر دخلهم الوحيد.
وفي تقرير سابق صدر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أفادت المنظمة بأنّ قطاع الصيد في غزة كان يشكّل قبل الحرب مصدر الرزق الرئيسي لنحو (6) آلاف شخص، بينهم (4,200) صياد مسجل، يعيلون قرابة (110) آلاف نسمة في المجمل.
وأوضحت المنظمة أنّ الصيادين كانوا يواجهون قيودًا مشددةً حتى قبل التصعيد الأخير، إذ كانت المناطق التي يسمح بها الصيد تقتصر على (6) أميال بحرية شمالًا و(15) ميلًا جنوًبا، أمّا اليوم، فقد أصبح الصيد يجري على بعد أمتار قليلة من الشاطئ، ممّا يجعل حياة الصيادين في خطر دائم.
بحر بلا صيادين
قبل الحرب، كان الصياد خليل مقداد (47 عامًا) من مخيم الشاطئ بمدينة غزة يستيقظ قبل الفجر، يحمل شباكه ويبحر بقاربه الصغير من ميناء غزة إلى عمق البحر، بحثًا عن لقمة العيش لأطفاله الـ (7)، أمّا اليوم، فقد صار يقضي يومه في الانتظار والتحديق في الأفق، حيث مركبه المدمر في داخل ميناء غزة، بفعل القصف الإسرائيلي المستمر منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
يقول مقداد: "الصيد كان حياتنا، وكنا نعيش على رزق البحر، اليوم لا نملك شيئًا، فالبحر أمامنا، والموت وراءنا".
ويوضح: "قبل الحرب كنا نعيش أوضاعًا مستقرة وهادئة، ونستطيع العمل بحرّية نوعا ما، وكنت اصطاد قرابة (200) كيلو من السمك يوميًا، وكان سعر الكيلو يتراوح بين (20 و25) شيكلًا (7 دولارات أمريكية)، أمّا اليوم، فالسمك للأغنياء فقط، بسبب صعوبة الصيد وخطر الموت، وسعر الكيلو حوالي (300) شيكل (80 دولارًا أمريكيًا).
يقول مقداد: "الصيد كان حياتنا، وكنا نعيش على رزق البحر، اليوم لا نملك شيئًا، فالبحر أمامنا، والموت وراءنا".
ويتابع مقداد: "هذا القارب المدمر أطعم أطفالي وأحفادي، وعلمتهم، وزوّجتهم، اليوم دُمّر، ولم يبقَ منه إلا الخشب المحترق وشباك ممزقة، ولم أعد أملك قوت يومي، مضيفًا: "نريد العودة إلى البحر، لا نريد مساعدات، بل كرامة وحرّية".
ويؤكد أنّ "الاحتلال يمنع وصوله حتى إلى قارب الصيد المدمر الذي يملكه، وعندما حاول في إحدى المرات معاينته، واستصلاح ما يمكن من أدوات الصيد التي لم تتضرر بشكل كبير، استهدفته الزوارق الحربية بصاروخ مباشر، أُصيب خلالها بشظايا في كتفه، وقتل ابن عمه بجانبه، ولم يجدوا حتى من يسعفهم".
ويضيف مقداد أنّه لا يعرف مهنة غير الصيد، ولا يملك أيّ مصدر دخل بديل، وأنّ "الفقر المدقع الذي يعيشه هو وعائلته جعلته يبيع ما تبقى من أثاث منزله".
مهنة متوارثة تموت
في مخيم دير البلح للّاجئين وسط قطاع غزة، يقيم الصياد صبحي أبو ريالة (35 عامًا) الذي احترق قاربه بقصف مباشر، وأسرته المكونة من (8) أفراد في غرفة واحدة بلا طعام أو عمل.
وقد ورث أبو ريالة مهنة الصيد عن والده وجده، لكنّه اليوم يعمل في جمع الحطب بين أنقاض البيوت ليبيعه للنازحين، ويقول بحسرة بالغة: "القارب الذي ورثته عن والدي ضُرب بصاروخ وهو يرسو في الميناء، لم يعد لدينا مصدر رزق آخر، ولم أتعلم مهنة غير الصيد".
ويتابع: "بعت الثلاجة، ثم الغسالة، ثم التلفاز، والآن أفكر ببيع الخزانة، فقط لأطعم أطفالي، لا أملك دخلًا منذ أكثر من (3) أشهر".
ويضيف أبو ريالة: "عندما حاولت قبل عدة أسابيع النزول إلى البحر من خلال مركب صغير قمت باستئجاره، اعتُقلت من قبل قوات الاحتلال في عرض البحر مدة (40) يومًا، قبل أن يُفرَج عنّي بعد تحقيقات مطولة".
في مخيم دير البلح للّاجئين وسط قطاع غزة، يقيم الصياد صبحي أبو ريالة (35 عامًا) الذي احترق قاربه بقصف مباشر، وأسرته المكونة من (8) أفراد في غرفة واحدة بلا طعام أو عمل.
ويؤكد: "أثناء الاعتقال تعامل معي الاحتلال كإرهابي، فتمّ تقييدي من يديّ ووضع قطعة قماش على عينيّ، وسألوني إن كنت أهرّب سلاحًا عبر البحر، فأجبتهم نحن بالكاد ننجو من الجوع، فكيف نهرب؟".
ويوضح أبو ريالة: "الاحتلال لا يكتفي بحصارنا في البر، بل يلاحقنا في البحر أيضًا، فالعدو لا يريد لنا الحياة، ويتفنن في عقابنا وارتكاب الجرائم الممنهجة بحقنا كبقية المدنيين".
الصياد يوسف حسونة من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة أصيب بشظايا في صدره عندما استهدفت طائرة بدون طيار قاربه الصغير أثناء رسوه قرب شاطئ بحر المخيم.
يقول حسونة (39 عامًا): "لم أكن أبحر، فقط كنت أصلح الشباك الممزقة عندما تمّ استهدافي، فالحرب لم تترك لنا شيئًا، لا قارب ولا وطن، والصيادون فقدوا رزقهم، وعائلاتهم فقدت أملها، والبحر نفسه فقد روحه".
ويؤكد: "اشتريت هذه الشباك قبل الحرب بـ (2000) دولار، اليوم لا أستطيع حتى بيعها، لأنّه لا أحد يصطاد، بعض الصيادين لجؤوا إلى مهن هامشية: جمع البلاستيك، ونقل المياه وغيرها".
ويتابع: "كنت أُبحر مع أولادي الثلاثة قبل شروق الشمس، ونعود قبل الظهر بأرزاق اليوم، الآن لا نبحر ولا نأكل، كل ما نفعله هو الانتظار، وهو انتظار لا نعرف نهايته".
ويضيف حسونة: "لم أكن أتخيل يومًا أن يتحول البحر الذي أطعمني (20) سنة إلى مساحة مغلقة بالموت، لا يُقتل الإنسان في غزة بالقنابل فقط، بل يُقتل أيضًا حين يُسلب منه عمله، وكرامته، وأمله".
ويوضح: "الصيادون الذين عاشوا أعمارهم بين الموج والرياح، اليوم تغرقهم العتمة، ليس بسبب البحر، بل بسبب الحرب، لكن اليوم لم تعد هناك خيوط شمس، ولا قوارب، ولا حياة".
ويتابع حسونة: "الناس لا تعرف ماذا يعني أن يُمنع الصياد من البحر، إنّها تشبه خنق إنسان
وهو يتنفس، فأنا لا أطلب مساعدةً ولا مالًا، فقط أريد أن أُبحر بلا خوف، أن أعود في المساء ومعي رزق أطفالي، لا جثة أحدهم".
تأثيرات كارثية ومدمرة
يرى مسؤول لجان الصيادين بغزة زكريا بكر أنّ "الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة تركت تأثيرات كارثية ومدمّرة لم يعهدها قطاع صيد الأسماك من قبل، من قتل ومنع وملاحقة واعتقال الصيادين أثناء ممارسة عملهم داخل البحر".
يقول بكر: "منذ (21) شهرًا مُنِع الصيادون من ممارسة عملهم، سوى بعض المراكب الصغيرة، التي تعمل في مساحة محدودة، والتي لم تسلم أيضًا من عمليات الملاحقة وإطلاق النار من قبل الزوارق الإسرائيلية، التي تنتشر على مدار الساعة بعرض البحر".
ويبيّن: "الاحتلال الإسرائيلي قتل (210) صيادين منذ بداية الحرب الإسرائيلية، من بينهم (60) صيادًا تمّ قتلهم بدم بارد أثناء عملهم بصيد الأسماك داخل البحر، في انتهاك واضح لكافة القوانين والأعراف الدولية".
يقول بكر: "منذ (21) شهرًا مُنِع الصيادون من ممارسة عملهم، سوى بعض المراكب الصغيرة، التي تعمل في مساحة محدودة، والتي لم تسلم أيضًا من عمليات الملاحقة وإطلاق النار من قبل الزوارق الإسرائيلية، التي تنتشر على مدار الساعة بعرض البحر".
ويضيف بكر: "قطاع صيد الأسماك كان ينتج قبل اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 قرابة (3500) طن من الأسماك، واليوم في ظل الحرب المستمرة لا تتجاوز كمية الأسماك (من 1% إلى %2) من حجم الناتج الطبيعي قبل الحرب".
ويوضح: "يُقدّر حجم الخسائر التي أصابت قطاع صيد الأسماك منذ بداية الحرب الإسرائيلية إلى اليوم بـ (7) ملايين دولار شهريًا بسبب توقف عجلة الإنتاج وصيد الأسماك، وقد قام الاحتلال بتدمير (1800) مركب صيد بشكل كامل، وهي بحاجة لسنوات طويلة لإعادة بنائها من جديد".
ويؤكد بكر: "الحرب الإسرائيلية دمّرت بشكل ممنهج 95% من قطاع الصيد بغزة، الذي يضم مراكب الصيادين، ومصانع الثلج، وغرف ومخازن الصيادين التي تضم معداتهم كالشباك والمحركات وغيرها، في ظل حرب الإبادة المستمرة التي لم تستثنِ أحدًا في قطاع غزة".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
