بانوراما تونسية: قيس سعيّد رجل القرارات الصعبة رغم الاختناقات

بانوراما تونسية: قيس سعيّد رجل القرارات الصعبة رغم الاختناقات


27/12/2021

عاشت تونس على وقع عام مليء بالأحداث المتحركة، التي لم تشهد استقراراً منذ كانون الأول (يناير) 2021؛ حيث بدأت ملامح أزماتها بتكوين حكومة لا تحظى بالإجماع، ثم تفاقمت بتوسع المطالب الشعبية التي انتهت بغلق البرلمان، وإبعاد حركة النهضة عن الحكم، بالتزامن مع انفجار اجتماعي وتدهور اقتصادي اقترب بالبلد إلى حافة الإفلاس، قد تعجل به جائحة كورونا.

تشهد تونس، التي انتقلت من أزمة إلى أخرى منذ عام 2011 (عام الثورة)، انسداداً سياسياً، منذ 25 تموز (يوليو) الماضي، حين بدأ رئيس البلاد قيس سعيّد في اتخاذ إجراءات استثنائية، منها: تجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وترؤسه للنيابة العامة، وإقالة رئيس الحكومة، وتشكيل أخرى جديدة.

قرارات سعيّد، التي وضعت حدّاً لسيطرة حركة النهضة على الحكم في تونس، وأغلقت أهم مؤسسة دستورية تتحكم من خلالها في مصير البلد على المستوى السياسي والاجتماعي، سببت واحدة من أعقد أزمات البلد، التي قسّمت القوى السياسية إلى صنفين، قسم يرفض قرارات سعيد، ويعتبرها "انقلاباً على الدستور"، وآخر تؤيّدها ويرى فيها "تصحيحاً لمسار ثورة 2011"، التي أطاحت بالرئيس آنذاك، زين العابدين بن علي.

اقرأ أيضاً: هل حان وقت إغلاق مقر اتحاد القرضاوي في تونس؟

يقول سعيّد، الذي تسلّم الرئاسة أواخر 2019، إنّه اتخذ تدابير في إطار الدستور لحماية الدولة من "خطر داهم"، واستجابة للمطالب الشعبية التي جابت كل محافظات البلاد، وطالبت بوضع حدّ لسياسات حركة النهضة، وغلق البرلمان الذي صار حلبة لصراع سياسي وأيديولوجي أضرّ بالشعب، مشدداً على أنّه "لن يتم المساس بالحقوق".

ويكمن الخلاف على الدستور التونسي في قلب هذه الأزمة، وهو أمر كان يُفترض أن تحسمه المحكمة الدستورية، التي تأخرت الطبقة السياسية الحاكمة في إرسائها لأكثر من سبع سنوات، بسبب الخلافات حول تعيين القضاة.

المحلل السياسي عبد الله العبيدي: هذا القرار الأوّل من نوعه بحلّ البرلمان

قرار غلق البرلمان يراه المحلل السياسي عبد الله العبيدي خطوة إلى الأمام من أجل إعادة البناء؛ لأنّه يعتقد أنّ البناء السابق أعرج، خصوصاً أنّ الحزب الأول في البلاد، لم يفوّت مناسبة لم يؤكد فيها أنّه لم يشارك في الحكم.

2021 شبيه جدّاً بعام الثورة (2011) من حيث التقلبات السياسة والاجتماعية، والمطالب المرفوعة منذ أحد عشر عاماً ما تزال لم تتحقق لليوم، وهو ما ينذر بانفجار وشيك

وأكد العبيدي لـ "حفريات"؛ أنّ هذا القرار الأوّل من نوعه بحلّ البرلمان، دون اعتبار برلمان نظام بن علي، الذي قرّر حلّ نفسه بنفسه عقب أحداث الثورة، في 14 كانون الثاني (يناير)، واصفاً ذلك بالتحوّل المهم في تاريخ تونس، خاصة بعد أحداث العنف والشغب، والإهانات والخصومات السياسية التي انتشرت، بانطلاق عمل البرلمان المنتخب في أواخر 2019.

 وشدّد العبيدي على أنّ قرار سعيّد خطوة منطقية ونتيجة حتمية لما قدّمه البرلمان السابق من صورة سيئة للممارسة الديمقراطية.

انتخابات مبكرة واستفتاء شعبي

وعزّز سعيّد إجراءات 25 تموز (يوليو) بقرارات أكثر جرأة؛ حيث أعلن، في 13 أيلول (سبتمبر)، عن تنظيم استفتاء وطني حول إصلاحات دستورية، في 25 (تموز) يوليو المقبل، بالإضافة إلى إجراء انتخابات تشريعية في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2022 (عيد الثورة)، وتعمّد سعيّد في ذلك اختيار مواعيد لها دلالات سياسية ورسمية.

اقرأ أيضاً: الرئيس التونسي يعيد الاعتبار لسيدي بوزيد موطن "الانفجار الثوري"

وقبل ذلك، سيتم تنظيم "استشارة شعبية" (استفتاء)، في 1 كانون الثاني (يناير) 2022، وذلك "حتى يتمكن الشعب من التعبير عن إرادته"، حسبما قال قيس سعيّد.

وموعد الاستفتاء هو ذكرى إعلان الجمهورية التونسية والذكرى السنوية لإجراءات سعيّد المفاجئة بتعليق البرلمان وإقالة رئيس الوزراء والسيطرة شبه الكاملة على السلطة التنفيذية.

المحلل السياسي عبد الجبار المدوري: الدعوات الدولية لقيس سعيّد بوضع خريطة طريق، وتحديد مواعيد ثابتة هي نقطة انتصار أخرى للرئيس على خصومه

قرارات وصفها المحلل السياسي عبد الجبار المدوري بالخطوة الإيجابية في الاتجاه الصحيح، معتبراً أنّ سعيّد يسعى بذلك لغلق الباب أمام عودة المنظومة السابقة، التي تسببت في الأزمة، وأكد أنّ الوقت كافٍ لخوض غمار انتخابات جديدة بعيدة عن الترضيات السياسة.

اقرأ أيضاً: اقتصادية أم سياسية... ما الرسائل التي تحملها زيارة تبون لتونس؟

وأضاف المدوري، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ الدعوات الدولية لقيس سعيّد بوضع خريطة طريق، وتحديد مواعيد ثابتة هي نقطة انتصار أخرى للرئيس على خصومه.

احتقان اجتماعي

وأظهرت بيانات للمعهد التونسي للإحصاء ارتفاع معدل البطالة في السوق المحلية، إلى 18.4 بالمئة خلال الربع الثالث من عام 2021، مقابل 17.9 بالمئة خلال الربع الثاني من العام نفسه، ورغم عودة الأنشطة الاقتصادية فإنّ البطالة في تونس لم تتراجع، بل واصلت نسقها التصاعدي.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة في اختبار "الحياة أو الموت" في تونس: الانتخابات أو الشارع

واعتبر عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ماهر الحنين؛ أنّ "كلّ ملامح الانفجار الاجتماعي ومؤشراته، تكاد تكون موجودة"، مشيراً إلى أنّ التونسيين يعيشون اليوم في حالة من الاحتقان الاجتماعي نتيجة تعدّد الأزمات.

المحلل الاقتصادي صادق جبنون لـ "حفريات": العالم فقد 6 بالمئة من النمو، تونس تأثرت بالأزمة، نظراً لأنّ اقتصادها مرّ بسرعة من الاقتصاد الفلاحي إلى اقتصاد يقوم على خدمات

وأضاف الحنين، وهو أيضاً عضو لجنة إعداد مؤتمر الحركات الاجتماعية والمواطنية، أنّ الفاعلين الاجتماعيين يرفعون المطالب ذاتها منذ أكثر من 10 سنوات، وأنّ المطالب الاجتماعية الملحة لم تتغير في العشرية السابقة وما قبلها، وهي مطالب التشغيل والحرية والكرامة والتنمية الجهوية، والحدّ من الفوارق الطبقية والاجتماعية، إضافةً إلى أعمال المجتمع المدني النسوية والحقوقية من أجل الحريات العامة والفردية.

اقرأ أيضاًَ: قيس سعيد يغير موعد الاحتفال بالثورة التونسيّة.. أيّ رسالة أراد توجيهها؟

ويحذّر الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، من انفجار اجتماعي خطير بسبب حالة الاحتقان التي تعيشها البلاد حالياً، مشيراً إلى أنّ هذا الأمر ستكون له "انعكاسات سلبية على المسار وعلى الدولة"، وأنّ "أضعف الأجور موجودة في تونس وأنّ منظمة الشغيلة لن تسكت عن تدهور القدرة الشرائية"، وأكد على أنّ "الحقوق تُفتك ولا تُهدى".

الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر: 2021 سنة صعبة جدّاً على المستوى الاجتماعي

من جانبه، قال الناطق باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر: إنّ 2021 سنة صعبة جدّاً على المستوى الاجتماعي، وإنّها سنة استثنائية من ناحية الأزمات الاقتصادية والسياسية، والتي أثرت على الجانب الاجتماعي.

وأكّد بن عمر، لـ "حفريات"، أنّ هذا العام شبيه جدّاً بعام الثورة (2011) من حيث التقلبات السياسة والاجتماعية، مشدّداً على أنّ المطالب المرفوعة منذ أحد عشر عاماً ما تزال لم تتحقق لليوم، وهو ما ينذر بانفجار وشيك، مرجّحاً أن تعيش البلد حالة من التصعيد بعد المصادقة على قانون المالية الجديد.

أزمة اقتصادية هي الأعنف

كما شهدت تونس، عام 2021، إحدى أسوأ أزماتها الاقتصادية التي عرفتها منذ الاستقلال، حيث بدأ العام بتسجيل انكماش بـ1.7 في المئة في الربع الأول من العام، على أساس سنوي، ثمّ نمو بـ 16.2 في المئة في الربع الثاني، و0.3 في المئة في الربع الثالث من 2021، فيما شهد الدين العام نسقاً تصاعدياً منذ سنوات ما بعد الثورة؛ فبعد أن كان حجمه لا يتجاوز 43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2009، ارتفع إلى 90 في المئة في 2020، على أن يصل إلى 109.23 مليار دينار (37.6 مليار دولار)، منها 74.21 مليار دينار (25.5 مليار دولار) ديناً خارجياً، بحسب توقعات قانون المالية الأصلي (الموازنة) للعام الحالي.

اقرأ أيضاً: هل ينفجر الملف الاجتماعي في وجه الحكومة التونسية؟

وشهدت نسبة التضخم ارتفاعاً متواصلاً منذ بداية 2021؛ حيث كانت تبلغ 4.9 في المئة في كانون الثاني (يناير)، لترتفع إلى 5.7 في المئة في حزيران (يونيو) ، و6.4 في المئة في تشرين الثاني (نوفمبر).

ووفقاً لقانون المالية التعديلي لعام 2021، رفعت الحكومة قيمة العجز إلى 9.79 مليار دينار (3.37 مليارات دولار) صعوداً من 7.094 مليار دينار (2.44 مليار دولار) في قانون المالية الأصلي، وهو ما أكده المحلل الاقتصادي صادق جبنون، الذي فسّر الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بتبعات جائحة كورونا التي أثرت على العالم كلّه.

الخبير الاقتصادي صادق جبنون: 2021 هو عام الجائحة، وكان صعباً جداً، خصوصاً بالنسبة للدول ذات الاقتصاد الضعيف مثل تونس

وقال جبنون، لـ "حفريات"، إنّ كل العالم فقد 6 بالمئة من النمو العالمي، وإنّ تونس ليست استثناء، لافتاً إلى أنّها تأثرت بالأزمة الصحية العالمية، لكن بشكل خاص، نظراً لأنّ اقتصاد البلاد مرّ بسرعة من الاقتصاد الفلاحي إلى اقتصاد يقوم على خدمات ذات قيمة مضافة ضعيفة.

الخبير الاقتصادي أكّد أيضاً أنّ 2021 هو عام الجائحة، وكان صعباً جداً، خصوصاً بالنسبة للدول ذات الاقتصاد الضعيف مثل تونس، مرجحاً أن يتعافى العالم من هذا "الكوفيد الاقتصادي" في حدود 2023.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية